ﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳ

يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل( ٣٨ ) إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير( ٣٩ ) إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم( ٤٠ )
هذا السياق من هنا إلى آخر السورة في غزوة تبوك- وما كانت وسيلة له من هتك أستار النفاق، وتطهير المؤمنين من عوامل الشقاق- إلا الآيتين في آخرها، وما يتخللها من بعض الحكم والأحكام على السنة والمعروفة في أسلوب القرآن. ومناسبته لما قبله أن المراد قتالهم في تبوك هم الروم وأتباعهم المستعبدون من عرب الشام، وكلهم من النصارى الذين نزلت الآيات الأخيرة في حكم قتال اليهود وقتالهم، وبيان حقيقة أحوالهم، وأهمها خروجهم عن هداية دين المسيح عليه السلام في كل من العقائد والفضائل والأعمال، وكان ذكر النسيء في آخره لما ذكرنا. وإننا نقدِّم على تفسير الآيات بيان سبب غزوة تبوك وفاء بما وعدنا به، فنقول :
غزوة تبوك وسببها.
تبوك مكان معروف في منتصف الطريق بين المدينة المنورة ودمشق تقريبا، وقالوا : إن بينها وبين المدينة أربع عشرة مرحلة، وبينها وبين دمشق إحدى عشرة مرحلة، واللفظ ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث على الأشهر.
قال الحافظ في فتح الباري : وكان السبب فيها -أي الغزوة- ما ذكره ابن سعد وشيخه وغيره قالوا : بلغ المسلمين من الأنباط الذين يقدمون بالزيت من الشام إلى المدينة أن الروم جمعت جموعا، وأجلبت معهم لخم وجذام وغيرهم من متنصرة العرب، وجاءت مقدمتهم إلى البلقاء. فندب النبي صلى الله عليه وسلم الناس إلى الخروج وأعلمهم بجهة غزوهم كما سيأتي في الكلام على حديث كعب بن مالك.
وروى الطبراني من حديث عمران بن حصين قال : كانت نصارى العرب كتبت إلى هرقل : إن هذا الرجل الذي خرج يدعي النبوة هلك وأصابتهم سنون فهلكت أموالهم، فبعث رجلا من عظمائهم يقال له قباذ، وجهز معه أربعين ألفا، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ولم يكن للناس قوة، وكان عثمان قد جهز عيراً إلى الشام، فقال يا رسول الله : هذه مائتا بعير بأقتابها وأحلاسها ومائتا أوقية -أي من الفضة- قال : فسمعته يقول :( لا يضر عثمان ما عمل بعدها )، وأخرجه الترمذي والحاكم من حديث عبد الرحمن بن حباب نحوه.
وذكر أبو سعيد في ( شرف المصطفى ) والبيهقي في الدلائل من طريق شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم أن اليهود قالوا : يا أبا القاسم إن كنت صادقا فالحق بالشام، فإنها أرض المحشر وأرض الأنبياء. فغزا تبوك لا يريد إلا الشام، فلما بلغ تبوك أنزل الله تعالى : وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها [ الإسراء : ٧٦ ] الآية انتهى، وإسناده حسن مع كونه مرسلا. اهـ ما ذكره الحافظ.
والصحيح المعتمد في السبب هو الأول، وما ندري من هؤلاء اليهود الذي قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ما قالوا ؟ وكان هذا بعد الفراغ من يهود المدينة وإجلائهم. والعجيب من الحافظ كيف قال : إن هذا الحديث حسن مع قوله في شهر بن حوشب في التقريب : إنه كثير الإرسال والأوهام، وعلمه ونقله لما لهم فيه من المطاعن في تهذيب التهذيب ؟ وقد صرح السيوطي بضعف الحديث في أسباب النزول، وفي كتب السير أن ما بذله عثمان رضي الله عنه في تجهيز جيش العسرة أكثر مما ذكر في حديث عمران.
وقد كانت غزوة تبوك في شهر رجب من سنة تسع باتفاق الرواة، وهو موافق لما رواه ابن عائذ من حديث ابن عباس أنها كانت بعد الطائف بستة أشهر، بجعل الستة الأشهر بعد عودته صلى الله عليه وسلم من الطائف إلى المدينة، فهو صلى الله عليه وسلم قد دخل المدينة في شهر ذي الحجة من تلك السنة، قاله الحافظ.
والغرض من هذا التمهيد لتفسير الآيات أن سبب هذه الغزوة استعداد الروم لقتال النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، وإعداد جيش كثيف للزحف به على المدينة، فهي كسائر غزواته صلى الله عليه وسلم دفاع لا اعتداء، ولما لم يجد من يقاتله عاد ولم يهاجم شيئا من بلاد الشام، وكان الأمر بها لما سيذكر من الحكم والأحكام.
قال عزَّ وجلَّ إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا أي إلا تنصروا الرسول الذي استنفركم في سبيل الله على من أرادوا قتاله من أولياء الشيطان، فسينصره الله بقدرته وتأييده، كما نصره إذ أجمع المشركون على الفتك به، وأخرجوه من داره وبلده، أي اضطروه إلى الخروج والهجرة ولولا ذلك لم يخرج. وقد تكرر في التنزيل ذكر إخراج المشركين للرسول وللمؤمنين المهاجرين من ديارهم بغير حق، وليس المراد منه أنهم تولوا طردهم وإخراجهم مجتمعين ولا متفرقين ؛ فإن أكثرهم خرج مستخفياً كما خرج النبي صلى الله عليه وسلم مع صاحبه رضي الله عنه، أو تقدير الكلام : إلا تنصروه فقد أوجب الله له النصر في كل حال وكل وقت حتى نصره في ذلك الوقت الذي لم يكن معه جيش ولا أنصار منكم بل حال كونه :
ثاني اثنين أي أحدهما، فإن مثل هذا التعبير لا يعتبر فيه الأولية ولا الأولوية ؛ لأن كل واحد منهما ثان للآخر، ومثله ثالث ثلاثة، ورابع أربعة، لا معنى له إلا أنه واحد من ثلاثة أو أربعة به تم هذا العدد. على أن الترتيب فيه إنما يكون بالزمان أو المكان، وهو لا يدل على تفضيل الأول على الثاني ولا الثالث أو الرابع على من قبله، وسيأتي في حديث الشيخين :( ما ظنك باثنين الله ثالثهما١ ) ؟
إذ هما في الغار أي في ذلك الوقت الذي كان فيه الاثنان في الغار المعروف عندكم، وهو غار جبل ثور.
إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا أي إذ كان يقول لصاحبه الذي هو ثانيه -وهو أبو بكر الصديق رضي الله عنه- حين رأى منه أمارة الحزن والجزع، أو كلما سمع منه كلمة تدل على الخوف والفزع :" لا تحزن ". الحزن انفعال نفسي اضطراري يراد بالنهي عنه مجاهدته وعدم توطين النفس عليه، والنهي عن الحزن -وهو تألم النفس مما وقع- يستلزم النهي عن الخوف مما يتوقع، وقد عبر عن الماضي بصيغة الاستقبال «يقول » للدلالة على التكرار المستفاد من بعض الروايات، ولاستحضار صورة ما كان في ذلك الزمان والمكان ليتمثل المخاطبون ما كان لها من عظمة الشأن، وعلل هذا النهي بقوله : إن الله معنا أي لا تحزن لأن الله معنا بالنصر والمعونة، والحفظ والعصمة، والتأييد والرحمة، ومن كان الله تعالى معه بعزته التي لا تغلب، وقدرته التي لا تقهر، ورحمته التي قام ويقوم بها كل شيء فهو حقيق بأن لا يستسلم لحزن ولا خوف، وهذا النوع من المعية الربانية أعلى من معيته سبحانه للمتقين والمحسنين في قوله : واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون [ النحل : ١٢٧، ١٢٨ ]، والفرق بينهما أن المعية في آية سورة النحل لجماعة المتقين المجتنبين لما يجب تركه، والمحسنين لما يجب فعله، فهي معللة بوصف مشتق هو مقتضى سنة الله في عالم الأسباب لكل من كان كذلك، وإن كان الخطاب في النهي عن الحزن قبلها للرسول صلى الله عليه وسلم، وأما المعية هنا فهي لذات الرسول وذات صاحبه، غير مقيدة بوصف هو عمل لها ؛ بل هي خاصة برسوله وصاحبه من حيث هو صاحبه، مكفولة بالتأييد بالآيات، وخوارق العادات، وكبر العنايات، إذ ليس المقام بمقام سنن الله في الأسباب والمسببات، التي يوفق لها المتقين والمحسنين المتقنين للأعمال.
يعلم هذا التفاوت بين النوعين من الحق الواقع إن لم يعلم من اللفظ وحده، وهي من قبيل قوله تعالى لموسى وهارون إذ أرسلهما إلى فرعون فأظهرا الخوف من بطشه بهما قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى [ طه : ٤٥، ٤٦ ]، وقد كان خاتم النبيين أكمل منهما إذ لم يخف من قومه الخارجين في طلبه للفتك به كما سنذكره، وكان للصديق الأكبر أسوة حسنة بهما إذ خاف على خليله وصفيه الذي شرفه الله في ذلك اليوم الفذ بصحبته، وإنما نهاه صلى الله عليه وسلم عن الحزن لا عن الخوف، ونهى الله موسى وهارون عن الخوف لا عن الحزن، لأن الحزن تألم النفس من أمر واقع، وقد كان نهيه صلى الله عليه وسلم إياه عنه في الوقت الذي أدرك المشركون فيه الغار بالفعل.
روى البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أنس قال : حدثني أبو بكر قال : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار فرأيت آثار المشركين فقلت : يا رسول الله لو أن أحدهم رفع قدمه لأبصرنا تحت قدمه. فقال عليه الصلاة والسلام :( يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما )٢ ؟
وأما الخوف فهو انفعال النفس من أمر متوقع، وقد نهى الله رسوليه عنه قبل وقوع سببه وهو لقاء فرعون ودعوته إلى ما أمرهما به. والنهي عن الحزن يستلزم النهي عن الخوف كما تقدم، وقد كان الصديق خائفا وحزنا كما تدل عليه الروايات، وهو مقتضى طبع الإنسان.
وحاصل المعنى إلا تنصروه بالنفر لما استنفركم له فإن الله تعالى قد ضمن له النصر، فهو ينصره كما نصره في ذلك الوقت الذي اضطره المشركون فيه بتألبهم عليه واجتماع كلمتهم على الفتك به في ذلك الوقت الذي كان فيه ثاني اثنين في الغار، أعزلين غير مستعدين للدفاع، وكان صاحبه فيه قد ساوره الحزن والجزع في ذلك الوقت الذي كان يقول له فيه -وهو آمن مطمئن بوعد الله وتأييده ومعيته الخاصة- : لا تحزن إن الله معنا ، فنحن غير مكلفين بشيء من الأسباب أكثر مما فعلنا من استخفائنا هنا. وقد بينا في الكلام على غزوة بدر من تفسير سورة الأنفال المقارنة بين حالي الرسول الأعظم والصديق الأكبر هنالك ؛ إذ كان الرسول صلى الله عليه وسلم يستغيث ربه، ويستنجزه وعده، وكان الصديق رضي الله عنه يسليه ويهون الأمر عليه، على خلاف حالهما في الغار، وأثبتنا أن حاله صلى الله عليه وسلم في الموضعين كان الأكمل الأفضل، إذ أعطى حال الأخذ بسنن الله في الأسباب والمسببات في بدر حقه، وأعطى حال التوكل المحض في الغار حقه٣.
فتكرار الظرف «إذ » في المواضع الثلاثة مبدلاً بعضها من بعض في غاية البلاغة، به يتجلى تأييده تعالى لرسوله أكمل التجلي، فهو يذكرهم بوقت خروجه صلى الله عليه وسلم مهاجرا مع صاحبه بما كان من قريش من شدة الضغط والاضطهاد، وقد تقدم تفصيله في تفسير وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك [ الأنفال : ٣٠ ] من سورة الأنفال، وسيعاد مختصرا في هذا السياق. ويتلوه تذكيرهم بإيوائه مع صاحبه إلى الغار لا يملكان من أسباب الدفاع عن أنفسهما شيئا. ثم يخص بالذكر وقت قوله لصاحبه لا تحزن إن الله معنا ، أي أنه كان هو الذي يسلي صاحبه ويثبته لا أنه كان يتثبت به، [ وهكذا كان شأنه صلى الله عليه وسلم مع أصحابه في كل وقت يشتد فيه القتال أيضا ]، وكون سبب ذلك وعلته إيمانه الأكمل بمعية الله عزَّ وجلَّ الخاصة. فالعبرة لهم في هذه الذكريات الثلاث أن الله تعالى غني عن نفرهم مع رسوله بقدرته وعزته، وأن رسوله صلى الله عليه وسلم غني عن نصرهم له بنصره عزَّ وجلَّ وتأييده، وبقدرته على تسخير غيرهم له من جنوده وعباده، وقد بين تعالى أثر ذلك وعاقبته بقوله :
فأنزل الله سكينته عليه أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وابن عساكر في تاريخه عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله : فأنزل الله سكينته عليه قال : على أبي بكر ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم تزل السكينة معه. وأخرج الخطيب في تاريخه عن حبيب بن أبي ثابت فأنزل الله سكينته قال : على أبي بكر، فأما النبي فقد كانت عليه السكينة. وقد أخذ بهذه الرواية بعض مفسري اللغة والمعقول ووضحوا ما فيها من التعليل بأنه صلى الله عليه وسلم لم يحدث له وقتئذ اضطراب ولا خوف ولا حزن، وقواها بعضهم بأن الأصل في الضمير أن يعود إلى أقرب مذكور وهو الصاحب، وليس هذا بشيء. وذهب آخرون إلى أن الضمير يعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأن إنزال السكينة عليه لا يقتضي أن يكون خائفا أو مضطربا أو منزعجا، وهذا ضعيف لعطف إنزال السكينة على ما قبلها بالفاء الدال على وقوعه بعده وترتبه عليه، وأن نزولها وقع بعد قوله لصاحبه ( لا تحزن )، ولكنهم قووه بأن ما عطف عليه من قوله :
وأيده بجنود لم تروها لا يصح إلا للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد بهؤلاء الجنود الملائكة ؛ لأن الأصل في المعطوفات التعانق وعدم التفكك. وأجاب عنه الآخذون بقول ابن عباس ومجاهد : أولا : بأن التأييد بالجنود معطوف على قوله : فقد نصره الله لا على فأنزل الله سكينته . ثانيا : بأن تفكك الضمائر لا يضر إذا كان المراد من كل منها ظاهراً لا اشتباه فيه. وثالثا : بأنه لا مانع من جعل التأييد لأبي بكر، نقله الآلوسي وقال : كما يدل عليه ما أخرجه ابن مردويه من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر :( إن الله تعالى أنزل سكينته عليك وأيدك ) الخ. وقال بعض المفسرين : إن المراد بهذه الجنود ما أيده الله تعالى به يوم بدر والأحزاب وحنين، وقال بعضهم : بل المراد أنه أيده بملائكة في حال الهجرة يسترونه هو وصاحبه عن أعين الكفار ويصرفونها عنهما، فقد خرج من داره والشبان المتواطئون على قتله وقوف ولم ينظروه. وإننا نرجع إلى سائر ما في التنزيل من ذكر إنزال السكينة والتأييد بالملائكة لنستمد منها فهم ما في هذه الآية.
أما إنزال السكينة فذكر في ثلاث آيات فقط : أولاها : الآية الرابعة من سورة الفتح، والثانية : الآية السادسة والعشرون منها، وكان نزول السورة بعد صلح الحديبية الذي فتن فيه المؤمنون واضطربت قلوبهم بما ساءهم من شروطه التي عدوها إهانة لهم وفوزاً للمشركين، وأمرها مشهور، فكان من عناية الله تعالى بهم أن ثبت قلوبهم ومكنهم من فتح خيبر، وأنزل سورة الفتح مبيناً فيها حكم ذلك الصلح وفوائده، وامتن بذلك على رسوله وعليهم بقوله : إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً إلى قوله هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عليماً حكيماً [ الفتح : ١- ٤ ]، فهذه سكينة خاصة بالمؤمنين، بين حكمتها العليم الحكيم، وفيها إشارة إلى جنود الملائكة لا تصريح.
ثم قال بعد ما تقدمت الإشارة إليه من حكم ذلك الصلح، وما أعقبه من الفتح : إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان الله بكل شيء عليماً [ الفتح : ٢٦ ]، الأشهر في تفسير هذه الحمية أنها ما أباه المشركون في كتاب الصلح من بدئه بكلمة بسم الله الرحمن الرحيم، ومن وصف محمد صلى الله عليه وسلم فيه برسول الله وتعصبهم لما كان من عادة الجاهلية وهو : باسمك اللهم، وهذا مما ساء رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا شك، كما ساءه كراهة جمهور المسلمين الأعظم لهذا الصلح، ولكنه لم يكن ليضيع بذلك صلحا عظيما كان أول فتح لباب حرية دعوة الإسلام في المشركين، بوضع الحرب عشر سنين، فأنزل الله سكينته عليه وألهمه قبول شروطهم، وأنزلها على المؤمنين بعد أن هموا بمعارضته صلى الله عليه وسلم، وأمرهم بالتحلل من عمرتهم فتلبثوا حتى خشي عليهم الهلاك، واستشار في ذلك زوجه أم سلمة فأشارت عليه بأن يخرج إليهم ويأمر حلاقه بحلق شعره، ففعل فاقتدوا به، بما أنزل الله عليهم من سكينته.
والآية [ الثالثة ] هي ما تقدم في هذه السورة في سياق غزوة حنين

١ ـ أخرجه البخاري في فضائل الصحابة باب ٢، ومناقب الأنصار باب ٤٥، والترمذي في تفسير سورة ٩، باب ١١، وأحمد في المسند ١/٤..
٢ ـ تقدم راجع الحاشية السابقة..
٣ ـ راجع تفسير الآية إذا تستغيثون ربكم [الأنفال: ٩] في الجزء التاسع..

وإننا نقفي على تفسير هذه الآيات بكلمات تزيدها بياناً، وتزيد الذين آمنوا بالله ورسوله إيمانا، وتزيد المبتدعين المحرفين لكلام الله تعالى خزياً وخذلانا، ثلاث كلمات : كلمة في خلاصة ما صح من خبر الهجرة وصفة الغار، وكلمة فيما تضمنته الآية وأخبار الهجرة من مناقب الصديق الأكبر رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وكلمة في دحض شبهات الروافض، بل مفترياتهم في تشويه هذه المناقب، وتحريف كلمات الله وأخبار الرسول عن مواضعها وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم [ النمل : ١٤ ].
الكلمة الأولى في الهجرة المحمدية
كان من حكمة الله تعالى في رسالة محمد خاتم النبيين المرسل رحمة للعالمين، ومصلحا للناس أجمعين، أن أعد لها في المرتبة الأولى الأمة العربية الأمية باستقلال الفكر، وقوة الإرادة، وذكاء القريحة، وارتقاء اللغة، والسلامة مما منيت به أمم الحضارة من الاستذلال والاستعباد للملوك والأمراء ورؤساء الدين، ثم كان من حكمته تعالى أن عادى هذه الدعوة والقائم بها كبراء قومه قريش كبراً وبغياً وعلواً واستكباراً عن الاعتراف بضلالهم وضلال آبائهم وأجدادهم في شركهم، لئلا يكون في ظهورها بالحق شبهة يظن بها أنها إنما قامت بعصبية قريش، وكان له صلى الله عليه سلم بضعة أعمام لم يؤمن به منهم في السابقين إلا حمزة رضي الله عنه أخوه في الرضاع وقريبه من جهة الأم، فإن أمه ابنة عم آمنة أم النبي صلى الله عليه وسلم، وقد آمن في السنة الثانية من بعثته. وكان أبو لهب عمه الكبير الغني أول من صارحه العداوة فقال لقريش : خذوا على يديه، قبل أن تجتمع العرب عليه. وحسبك ما أنزل الله فيه وفي امرأته حمالة الحطب، وكان عمه أبو طالب هو الذي كفله بعد وفاة جده شيبة الحمد عبد المطلب، وإنما كان يحميه ويدافع عنه لعصبية القرابة والتربية. وكان لزوجه أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها مقام كبير في قريش كان له تأثير سلبي في تقليل إيذائه صلى الله عليه وسلم، وقد توفيت هي وأبو طالب في أسبوع واحد فاشتد إيذاء قريش له بعدهما، حتى أجمعوا على قتله قتلة تشترك فيها جميع قبائل قريش بأن يأخذوا من كل قبيلة منها شاباً نهداً قوياً يعطونه سيفا فيحمل عليه هؤلاء الشبان حملة رجل واحد فيقطعونه بسيوفهم ليضيع دمه بين القبائل، ويتعذر على بني هاشم الأخذ بثأره على حسب عادة العرب فيرضون بالدية. عند هذا أمره الله تعالى بالهجرة إلى يثرب التي صار اسمها المدينة المنورة بهجرته إليها، وكان قد آمن به وبايعه من أهلها الأنصار في الموسم من جعلهم الله تعالى مقدمة لإيمان غيرهم من الأنصار الكرام.
لم يكاشف النبي صلى الله عليه وسلم بهجرته أحداً غير صاحبه الأول أبي بكر الصديق الذي كان أول من آمن به ممن دعاهم إلى الإسلام بعد أهل بيته :[ وهم زوجه خديجة، وعتيقه زيد بن حارثة، وربيبه علي وكان دون البلوغ، وهؤلاء قد علموا بنبوته صلى الله عليه وسلم وصدقوه قبل أن يأمره الله بالدعوة ]، فكان أبو بكر صاحبه الملازم، ومستشاره الدائم، ووزيره الأكبر وموضع سره، وإنما كان رضي الله تعالى عنه أول من أسلم لأنه كان أشد هذه الأمة استعداداً لنور الإسلام بسلامة فطرته وطهارة نفسه، وقوة عقله، وعرفانه بفضائل النبي صلى الله عليه وسلم قبل النبوة، وقد كان صديقه من سن الشباب، وروى ابن إسحاق أنه صلى الله عليه وسلم لم يعرض الإسلام على واحد إلا وكان له فيه كبوة إلا أبا بكر رضي الله عنه، وإننا نذكر أصح ما أورده نقاد المحدثين من خبر الهجرة، وأوضحه وأبسطه ما رواه ابن أبي شيبة والإمام أحمد والبخاري وغيرهم من حديث عائشة رضي الله عنها، فنبدأ به ونقفي عليه بأحاديث أخرى من الجامع الصحيح غير ناظرين إلى روايتها في غيره، ثم نشير إلى غيرها.
قال البخاري٥ في كتاب الهجرة من صحيحه :[ حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عقيل قال ابن شهاب فأخبرني عروة بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليها وسلم قالت : لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشية، فلما ابتلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجرا نحو أرض الحبشة حتى بلغ برك الغماد٦ لقيه ابن الدغنة -وهو سيد القارة٧- فقال : أين تريد يا أبا بكر ؟ فقال أبو بكر : أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي. قال ابن الدغنة : فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق٨، فأنا لك جار، ارجع واعبد ربك ببلدك، فرجع وارتحل معه ابن الدغنة، فطاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش فقال لهم : إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا يُخرج، أتخرجون رجلاً يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق ؟
فلم تكذب قريش بجوار ابن الذعنة، وقالوا لابن الدغنة : مر أبا بكر فليعبد ربه في داره، فليصل فيها وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك، ولا يستعلن به، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا٩، فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في داره، ولا يستعلن بصلاته ولا يقرأ في غير داره، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره، وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن فينقذف عليه١٠ نساء المشركين وأبناؤهم، وهم يعجبون منه وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن. وأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم فقالوا : إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره، فقد جاوز ذلك فابتنى مسجدا بفناء داره فأعلن بالصلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا فانهه، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن بذلك، فسله أن يرد إليك ذمتك فإنا قد كرهنا أن نخفرك ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان. قالت عائشة : فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر فقال : قد عملت الذي عاقدت لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك وإما أن ترجع إلى ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له، فقال أبو بكر : فإني أرد إليك جوارك، وأرضى بجوار الله عزَّ وجلَّ.
والنبي صلى الله عليه وسلم يومئذ بمكة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين :( إني أريت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين )، وهما الحرتان١١، فهاجر من هاجر قبل المدينة، ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة، وتجهز أبو بكر قبل المدينة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم :( على رسلك١٢، فإني أرجو أن يؤذن لي ) فقال أبو بكر : وهل ترجو ذلك بأبي أنت ؟ قال :( نعم ). فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصحبه وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر وهو الخبط١٣ أربعة أشهر.
[ قال ابن شهاب١٤ : قال عروة : قالت عائشة : فبينما نحن يوما جلوسا في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة١٥ قال قائل لأبي : هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنعاً في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر : فداء له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر. قالت : فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذن فأذن له، فدخل فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر :( اخرج من عندك ). فقال أبو بكر : إنما هم أهلك١٦ بأبي أنت يا رسول الله، قال :( فإني قد أذن لي في الخروج ). فقال أبو بكر : الصحابة بأبي أنت يا رسول الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( نعم ) : قال أبو بكر : فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( بالثمن )١٧. قالت عائشة : فجهزناهما أحث الجهاز، وصنعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب، فبذلك سميت ذات النطاق، قالت : ثم لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بغار في جبل ثور فكمنا فيه ثلاث ليال، يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر -وهو غلام شاب ثقف١٨ لقن١٩- فيدلج٢٠ من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت، فلا يسمع أمرا يكتادان٢١ به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة من غنم فيريحها عليهما حين يذهب ساعة من العشاء فيبيتان في رسل٢٢ وهو لبن منحتهما٢٣ ورضيفهما٢٤ حتى ينعق بها عامر بن فهيرة بغلس٢٥، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث. واستأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلا من بني الديل، وهو من بني عبد بن عدي هادياً خرّيتاً ـ والخريت الماهر بالهداية ـ قد غمس حلفاً في آل العاص بن وائل السهمي وهو على دين كفار قريش، فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث، وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل فأخذ بهم طريق السواحل.
[ قال ابن شهاب : وأخبرني عبد الرحمن بن مالك المدلجي -وهو ابن أخي سراقة بن مالك بن جُعشم- أن أباه أخبره أنه سمع سراقة بن جعشم يقول : جاءنا رسل كفار قريش يجعلون في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر دية كل واحد منهما من قتله أو أسره، فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس فقال : يا سراقة إني قد رأيت آنفا أسودة بالساحل أراها محمداً وأصحابه، قال سراقة : فعرفت أنهم هم، فقلت له : إنهم ليسوا بهم، ولكنك رأيت فلانا وفلانا انطلقوا بأعيننا، ثم لبثت في المجلس ساعة ثم قمت فدخلت فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي -وهي من وراء أكمة- فتحبسها علي، وأخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت، فخططت بزجه الأرض وخفضت عاليه حتى أتيت فرسي فركبتها فرفعتها تقرب بي٢٦ حتى دنوت منهم، فعثرت بي فرسي فخررت عنها، فقمت فأهويت يدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الأزلام٢٧ فاستقسمت بها أضرهم أم لا ؟ فخرج الذي أكره، فركبت فرسي وعصيت الأزلام تقرب بي حتى إذا سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات- ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها ثم زجرتها فنهضت، فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها عثان٢٨ ساطع في السماء مثل الدخان، فاستقسمت بالأزلام فخرج الذي أكره، فناديتهم بالأمان فوقفوا، فركبت فرسي حتى جئتهم ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له : إن قومك قد جعلوا فيك الدية، وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يرزآني٢٩، ولم يسألاني إلا أن قال ( أخف عنا )، فسألته أن يكتب لي كتاب أمن فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أديم، ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
[ قال ابن شهاب : فأخبرني عروة بن الزبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقي الزبير في ركب من المسلمين كانوا تجارا قافلين من الشام، فكسا الزبير رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ثياب بياض، وسمع المسلمون بالمدينة مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة فينتظرونه حتى يردهم حرّ الظهيرة، فانقلبوا يوما بعد ما أطالوا انتظارهم، فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يه

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير