ﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳ

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ ( ٣٨ ) إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ( ٣٩ ) ِإلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( التوبة : ٣٨-٤٠ ).
المعنى الجملي : الكلام من هنا إلى آخر السورة كلام في غزوة تبوك وما لابسها من هتك ستر المنافقين وضعفاء الإيمان وتطهير قلوب المؤمنين من عوامل الشقاق، إلا آيتين جاءتا في آخرها وإلا ما جاء في أثنائها من بعض الحكم والأحكام جريا على سنة القرآن في أسلوبه الذي اختص به.
ومناسبة الآيات لما قبلها أن الكلام السابق كان في حكم القتال مع اليهود وبيان حقيقة أحوالهم من خروجهم من هداية الدين في العقائد والأعمال والفضائل التي تهذب النفوس وتزكيها، والكلام هنا في غزوة تبوك والمراد بها قتال الروم وأتباعهم من عرب الشام وجميعهم نصارى، وبهذا استبان ارتباط الآيات بما قبلها.
وتبوك موضع في منتصف الطريق بين المدينة ودمشق، فهي تبعد عن الأولى ٦١٠ كلم وعن الثانية ٦٩٢ كلم وكان السبب في هذه الغزوة ما بلغ المسلمين من الأنباط الذين يقدمون بالزيت من الشام إلى المدينة من أن الروم جمعت جموعا معهم لخم وجذام وغيرهم من متنصرة العرب حتى وصلت طلائعهم إلى البلقان بإمرة قائد عظيم منهم يدعي قباذ وعدد جنده أربعون ألفا، فندب النبي صلى الله عليه وسلم للخروج لقتالهم وأعلمهم الجهة التي يغزونها.
وكان عثمان قد جهز عيرا إلى الشام للتجارة، فقال : يا رسول الله هذه مائتا بعير بأقتابها وأحلاسها، ومائتا أوقية من الفضة فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( لا يضر عثمان ما عمل بعدها ) ثم خرج لمقابلتهم، ولما لم يجد من يقاتله عاد ولم يهاجم شيئا من بلاد الشام، وكان كذلك في رجب سنة تسع.
تفسير المفردات :
والغار : النقب العظيم في الجبل والمراد به هنا غار جبل ثور. والصاحب : هو أبو بكر رضي الله عنه. والسكينة : سكون النفس واطمئنانها وهو ضد الانزعاج والاضطراب. وكلمة الله : هي التوحيد. وكلمة الذين كفروا : هي الشرك والكفر.
الإيضاح :
ثم رغبهم ثانية في الجهاد فأبان لهم أنه تعالى المتوكل بنصره- على أعداء دينه- أعانوه أو لم يعينوه وهو قد فعل ذلك به وهو في قلة من العدد والعدو في كثرة، فكيف وهو من العدد في كثرة والعدو في قلة فقال :
إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا أي إن لم تنصروا الرسول الذي استنصركم في سبيل الله على من أرادوا قتاله من أعداء الله وأعداء رسوله فسينصره الله بقدرته وتأييده. كما نصره حين أجمع المشركون على الفتك به واضطروه إلى الخروج والهجرة حال كونه أحد اثنين وثانيهما أبو بكر في غار جبل ثور حين كان يقول لصاحبه إذ رأى منه أمارة الحزن : ولا تخف ولا تحزن إن الله معنا بنصره ومعونته وحفظه وتأييده فلن يعلم بنا المشركون ولن يصلوا إلينا.
روى البخاري ومسلم من حديث أنس قال : حدثني أبو بكر قال : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار فرأيت آثار المشركين، فقلت يا رسول الله لو أن أحدهم رفع قدمه لأبصرنا تحت قدمه، فقال عليه الصلاة والسلام :( يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما ).
وخلاصة ذلك : إلا تنصروه بالنّفر لما استنفركم له، فإن الله قد ضمن له النصر فهو ينصره كما نصره في الوقت الذي اضطره المشركون إلى الهجرة، حين كان ثاني اثنين في الغاز وكان صاحبه قد ساوره في الحزن فقال له : لا تحزن إن الله معنا، ونحن لا نكلّف أكثر مما فعلنا من الاستخفاء.
فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها أي فأنزل الله طمأنينته التي يسكن عندها القلب على رسوله وقوّاه بجنود من عنده وهم الملائكة الذين أنزلهم يوم بدر والأحزاب واحد، وقيل بل هم ملائكة أيده بهم في حال الهجرة يسترونه هو وصاحبه عن أعين الكفار ويصرفونها عنهما، فقد خرج والشبان المتواطؤون على قتله وقوف ولم ينظروه.
وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا أي وجعل كلمة الشرك والكفر هي السفلى، وكلمة الله وهي دينه المبني على أساس توحيده تعالى والمشتمل على الأحكام والآداب الفاضلة، والخالي من شوائب الشرك وخرافات الوثنية- هي العليا بظهور نور الإسلام وإزالة سيادة المشركين في تلك الجزيرة بعد كفاح طويل دارت فيه الدائرة عليهم : وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا ( الأنعام : ١١٥ ).
والله عزيز حكيم أي والله غالب على أمره، حكيم إذ يضع الأشياء في مواضعها وقد نصر رسوله بعزته وأظهر دينه على الأديان كلها بحكمته، وأذل من ناوأه من المشركين.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير