ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠ

قال الله تعالى : انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [ التوبة : ٤١ ].
وفيها ثلاث مسائل :
المسألة الأولى : حكم الجهاد.
المسألة الثانية : ما حكم الغنيمة إذا كانت بدون إذن الإمام ؟
المسألة الثالثة : هل ينفذ تصرف المرأة والعبد في مالهما ؟
المسألة الأولى :
[ ٤٧ ] حكم الجهاد.
قال ابن حزم :
( والجهاد فرض على المسلمين، فإذا قام به من يدفع العدو، ويغزوهم في عقر دارهم، ويحمي ثغور المسلمين، سقط فرضه عن الباقين، وإلا فلا، قال الله تعالى : انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ [ التوبة : ٤١ ].
روينا من طريق إسماعيل بن إسحاق، نا محمد بن خداش، نا إسماعيل بن إبراهيم هو ابن علية، نا أيوب هو السختياني، عن محمد بن سيرين قال : كان أبو أيوب الأنصاري يقول : قال الله تعالى : انفروا خفافا وثقالا فلا أحد من الناس إلا خفيف أو ثقيل١.
ومن طريق مسلم : نا محمد بن عبد الرحمن بن سهم الأنطاكي، أخبرنا عبد الله بن المبارك، عن وهيب المكي، عن عمر بن محمد بن المنكدر، عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من نفاق " ٢.
قال أبو محمد : هذا وعيد شديد نعوذ بالله منه.
ومن طريق مسلم : نا إسماعيل بن علية، عن علي بن المبارك، نا يحيى بن أبي كثير، نا أبو سعيد مولى المهري، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بعثا إلى بني لحيان من هذيل، فقال : " لينبعث من كل رجلين أحدهما والأجر بينهما٣ " ٤.
المسألة الثانية :
[ ٤٨ ] ما حكم الغنيمة إذا كانت بدون إذن الإمام ؟
قال الإمام ابن حزم :
( وكل من دخل من المسلمين، فغنم في أرض الحرب سواء كان وحده، أو في أكثر من واحد، بإذن الإمام وبغير إذنه، فكل ذلك سواء، والخمس فيما أصيب، والباقي لمن غنمه ؛ لقول الله تعالى : واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه [ الأنفال : ٤١ ].
وقوله تعالى : فكلوا مما غنمتم [ الأنفال : ٦٩ ].
وقال أبو حنيفة : لا خمس إلا فيما أصابته جماعة. قال أبو يوسف : تسعة فأكثر. وهذه أقوال في غاية الفساد لمخالفتها القرآن، والسنن، والمعقول، وقد قال تعالى : قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة [ التوبة : ١٢٣ ] فلم يخص بأمر الإمام، ولا بغير أمره، ولو أن إماما نهى عن قتال أهل الحرب لوجبت معصيته في ذلك، لأنه أمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة له.
وقال تعالى : فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك [ النساء : ٨٤ ].
وهذا خطاب متوجه إلى كل مسلم، فكل أحد مأمور بالجهاد، وإن لم يكن معه أحد.
وقال تعالى : انفروا خفافا وثقالا [ التوبة : ٤١ ].
وقال تعالى : فانفروا ثبات أو انفروا جميعا [ النساء : ٧١ ]٥.
المسألة الثالثة :
[ ٤٩ ] هل يجوز الحجر على السفيه ؟
يقول ابن حزم رحمه الله تعالى :
( لا يجوز الحجر على أحد في ماله إلا على من لم يبلغ، أو على مجنون في حال جنونه، فهذان خاصة لا ينفذ لهما أمر في مالهما، فإذا بلغ الصغير، وأفاق المجنون جاز أمرهما في مالهما كغيرهما ولا فرق، سواء في ذلك كله الحر، والعبد، والذكر، والأنثى، والبكر ذات الأب وغير ذات الأب، وذات الزوج، والتي لا زوج لها، فعل كل ما ذكرنا في أموالهم من عتق، أو هبة، أو بيع، أو غير ذلك : نافذ إذا وافق الحق من الواجب، أو المباح – ومردود فعل كل أحد في ماله إذا خالف المباح، أو الواجب، ولا فرق، ولا اعتراض لأب، ولا لزوج، ولا لحاكم في شيء من ذلك إلا ما كان معصية لله تعالى فهو باطل مردود... برهان ذلك :
ما رويناه من طريق أبي داود، نا أحمد بن عمرو بن السرح، نا ابن وهب، أخبرني جرير بن حازم، عن سليمان الأعمش، عن أبي ظبيان وهو حصين بن جندب الجنبي، عن ابن عباس : أن علي بن أبي طالب قال لعمر بن الخطاب : أو ما تذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " رفع القلم عن ثلاثة : عن المجنون المغلوب على عقله حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم " ٦
وقال تعالى : لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون [ آل عمران : ٩٢ ].
وقال تعالى : والمتصدقين والمتصدقات [ الأحزاب : ٣٥ ].
وقال تعالى : جاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله [ التوبة : ٤١ ].
وقال تعالى : ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين [ المدثر : ٤٢-٤٤ ]. وحض على العتق.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اتقوا النار ولو بشق تمرة " ٧.
وقال تعالى : فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع [ النساء : ٣ ].
وقال تعالى : واتوا النساء صدقاتهن نحلة [ النساء : ٤ ].
فصح أن كل أحد مندوب إلى فعل الخير، والصدقة، والعتق، والنفقة في وجوه البر ليقي نفسه بذلك نار جهنم. ولا خلاف في أن كل من ذكرنا من عبد، وذات أب، وبكر، وذات زوج، مأمورون، منهيون، متوعدون بالنار، مندوبون موعودون بالجنة، فقراء إلى إنقاذ أنفسهم منها، كفقر غيرهم سواء سواء، ولا مزية، فلا يخرج من هذا الحكم إلا من أخرجه النص، ولم يخرج النص إلا المجنون ما دام في حال جنونه – والذي لم يبلغ إلى أن يبلغ فقط، فكان المفرق بين من ذكرنا فيطلق بعضا على الصدقة، والهبة، والنكاح، ويمنع بعضا بغير نص مبطل، محرما ما ندب الله تعالى إليه، مانعا من فعل الخير )٨.

١ رجال إسناده:
محمود بن خداش، بكسر المعجمة، ثم مهملة خفيفة، وآخره معجمة، الطالقاني، نزل بغداد، صدوق، من العاشرة، مات سنة خمسين ومائتين. (التقريب) [٦٥٥٤ٍ].
إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي مولاهم، أبو بشر البصري، المعروف بابن علية، ثقة حافظ من الثامنة، مات سنة ثلاث وتسعين ومائة. (التقريب) [٤٢٠].
أيوب بن أبي تميمة كيسان السختياني، بفتح المهملة بعدها معجمة ثم مثناة ثم تحتانية وبعد الألف نون، أبو بكر البصري، ثقة ثبت حجة من كبار الفقهاء العباد، من الخامسة، مات سنة إحدى وثلاثين ومائة. (التقريب)[٦١٠].
تخريجه: أخره أبو عبيد في: (الناسخ والمنسوخ) ص ١٩٩، والطبري في تفسيره ٦٠/٣٧٨)..

٢ رجال الإسناد:
محمد بن عبد الرحمن بن حكيم بن سهم الأنطاكي، ثقة يغرب، من العاشرة، مات سنة ثلاث وأربعين. (التقريب) [٦١١٢].
وهيب بن الورد، بفتح الواو وسكون الراء، القرشي مولاهم، المكي، أبو عثمان، أو أبو أمية، يقال اسمه عبد الوهاب، ثقة عابد، من كبار السابعة. (التقريب) [٧٥٣٩].
عمر بن محمد بن المنكدر التيمي، ثقة، من السابعة. (التقريب) [٥٠٠٣].
سمي، مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الخارث بن هشام، ثقة، من السادسة، مات سنة ثلاثين مقتولا بقديد. (التقريب) [٢٦٥٠].
تخريجه: أخرجه مسلم (١٩١٠) في كتاب الإمارة: باب ذم من مات ولم يغز، ولم يحدث نفسه بالغزو.
وأبو داود (٠٥٠٢) في: (الجهاد): باب كراهية ترك الغزو، والنسائي (٣٠٩٩) في (الجهاد) باب: التشديد في ترك الجهاد، وأحمد (٢/٣٧٤)..

٣ رجال الإسناد:
علي بن المبارك الهنائي، بضم الهاء وتخفيف النون ممدود، ثقة، كان له عن يحيى بن أبي كثير كتابان: أحدهما سماع، والآخر إرسال، فحديث الكوفيين عنه فيه شيء، من كبار السابعة. (التقريب) [٤٨٢١].
أبو سعيد، مولى المهري، مقبول من الثالثة. (التقريب) [٨١٩٤].
أخرجه مسلم (١٨٩٦) في (الإمارة): باب فضل إعانة الغازي في سبيل الله، وأبو داود (٢٥١٠) في: (الجهاد): باب ما يجزئ من الغزو، وأحمد (٣/٥٥)..

٤ (المحلى) (٥/٣٤٠-٣٤١)..
٥ (المحلى) (٥/٤٢١)..
٦ رجال الإسناد :
أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السرح، بمهملات، أبو الطاهر المصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة خمسين ومائتين. (التقريب)[٨٥].
ابن وهب: عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي مولاهم، أبو محمد المصري الفقيه، ثقة حافظ عابد، من التاسعة، مات سنة سبع وتسعين ومائة. (التقريب) (٣٧١٨].
جرير بن حازم بن زيد بن عبد الله الأزدي، أبو النظر البصري، ثقة لكن في حديثه عن قتادة ضعف، وله أوهام إذا حدث من حفظه، وهو من السادسة، مات سنة سبعين بعد ما اختلط، لكن لم يحدث في حال اختلاطه. (التقريب)[٩١٩].
حصين بن جندب الجنيي، بفتح الجيم وسكون النون ثم موحدة، أبو ضبيان، بفتح المعجمة وسكون الموحدة، الكوفي، ثقة من الثانية، مات سنة تسعين، وقيل غير ذلك. (التقريب) [١٣٧٥].
وهذا إسناد صحيح.
تخريجه: أخرجه أبو داود (٤٤٠١) في كتاب الحدود: باب في المجنون يسرق أو يصيب حدا، وأخرجه ابن خزيمة (٢/١٠٢)، وعنه ابن حبان (١/٣٥٦)، والدارقطني (٣/١٣٨-١٣٩)، والحاكم (٢/٥٩) وقد أخرجه أبو داود (٤٣٩٩) موقوفا على علي رضي الله عنه ولا يضره؛ لأن هذا له حكم الرفع.
كما أخرجه أبو داود (٤٤٠٢) من طريق عطاء بن السائب عن أبي ضبيان قال: فذكره، فأسقط ابن عباس. ولا شك أن رواية من أثبت أوثق، فراويها هو الأعمش، على أن أبا ضبيان روى عن عمر وعلي وللحديث شاهد من حديث عائشة وغيرها من الصحابة. وانظر: (نصب الراية) (٤/١٦١-١٦٥)..

٧ أخرجه البخاري (١٤١٣) في كتاب الزكاة: باب الصدقة قبل الرد، ومسلم (١٠١٦) في كتاب الزكاة باب الحث على الصدقة..
٨ (المحلى) (٧/١٤٠-١٤١)..

آراء ابن حزم الظاهري في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير