انفروا خفافا يعني حين يخف ويسهل لكم الخروج إلى الجهاد بصحة البدن والشباب والقوة والنشاط ووجود الزاد والراحلة والأعوان والأسلحة وثقالا يعني حين يثقل عليكم لأجل المرض أو الشيب أو الضعف أو عدم النشاط أو شاغل من الأهل والمال والضيعات وقلة الزاد والسلاح والكراع والمتاع، وإلى ما ذكرنا يرجع ما قال : الحسن والضحاك ومجاهد وقتادة وعكرمة شبابا وشيوخا وما قال : ابن عباس نشط وغير نشاط أو أهل اليسر والعسر أو مقلين من السلاح ومكثرين منه وما قال : عطية العوفي في ركبانا ومشاة وابن زيد أن الثقيل الذي له الضيعة يكره أن يدع ضيعته والحكيم بن عتبة مشاغيل وغير مشاغيل والهمداني أصحاء ومرضى، ويمان عزابا متأهلين أو مقلين الأتباع والحواشي ومستكثرين.
وقال أبو صالح : خفافا من المال أي فقراء وثقالا أي أغنياء وقيل : خفافا مسرعين خارجين ساعة سماع النفير وثقالا بعد التروي فيه والاستعداد له، وقال الزهري : خرج سعيد بن المسيب إلى الغزو وقد ذهب إحدى عينيه فقيل له إنك عليل صاحب ضر فقال : استنفر الله الخفيف والثقيل وغن يمكنني الحرب كثرت السواد وحفظت المتاع، وقال : عطاء الخراساني عن ابن عباس نسخت هذه الآية قوله تعالى وما كان المؤمنين لينفروا كافة ١ وقال السدي لما نزلت هذه الآية اشتد شأنها على الناس فنسخها الله تعالى وأنزل : ليس على الضعفاء ولا على المرضى ٢ الآية لعل المراد بالنسخ في قول ابن عباس والسدي التخصيص لكون نزول الآيتين جميعا بلا فصل في غزوة تبوك فخرج من هذا الحكم من لا يستطيع الخروج من الضعفاء والمرضى والذي لا يجدون ما ينفقون أو ما يركبون عليه ولا يستطيعون الشيء وبقي من يستطيع الخروج ولو بنوع مشقة وذلك لأجل النفير العام ويمكن أن يكون نزول قوله تعالى ليس على الضعفاء للآية بفضل يوم أو يومين ولو في غزوة تبوك بعدما اشتد شانها على الناس فيكون نسخا والله أعلم.
وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم أي : بما أمكن لكم منهما كليهما أو احدهما في سبيل الله ذلكم خير لكم من الاستمتاعات الدنيوية وترك الجهاد إن كنتم تعلمون الخير من الشر علتهم أن خير لكم أو إن كنتم تعلمون إنه خير وإخبار الله به صدق فبادروا إليه قال : محمد بن عمر حث رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصدقة يعني لتجهيز جيش العسرة في غزوة تبوك وكان أول من جاء بماله أبو بكر الصديق بأربعة آلاف درهم فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم :" هل أبقيت لأهلك شيئا " ؟ قال : أبقيت لهم الله ورسوله وجاء عمر بنصف ماله فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم " هل أبقيت لأهلك شيئا " ؟ قال نعم مثل ما جئت به وحمل العباس طلحة بن عبيد الله وسعد بن عبادة وحمل عبد الرحمان بن عوف مائتي اوقية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتصدق عاصم بن عدي تسعين وسقا من تمر وجهز عثمان بن عفان ثلث ذلك الجيش حتى كان يقال : ما بقيت لهم حاجة حتى كفاهم، قال : محمد بن يوسف الصالحي كان ذلك الجيش زيادة على ثلاثين ألفا فيكون رضي الله عنه جهز عشرة آلاف وذكر أبو عمرو في الدرر وتبعه في الإشارة أن عثمان حمل على تسعمائة بعير ومائة فرس بجهازها، وقال ابن إسحاق، أنفق عثمان في ذلك الجيش نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها ونقل ابن هشام عمن يثق به أن عثمان أنفق في جيش العسرة عشرة آلاف درهم قال : محمد بن يوسف الصالحي : يعني غير الإبل والزاد وما يتعلق بذلك قال : فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم :" اللهم ارض عن عثمان فإني راض عنه " وروى أحمد والترمذي وحسنه والبيهقي عن عبد الرحمان بن سمرة قال : جاء عثمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بألف دينار فصبها في حجر النبي صلى الله عليه وسلم فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقلبها بيده ويقول :" ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم " يرددها مرارا ٣
٢ سورة التوبة الآية ٩١.
٣ أخرجه الترمذي في كتاب: المناقب باب: في مناقب عثمان بن عفان رضي الله عنه (٣٧١٠).
التفسير المظهري
المظهري