ثم نهضهم إلى الجهاد، فقال :
انْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذالِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لاَّتَّبَعُوكَ وَلَاكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ
يقول الحق جل جلاله : انفرُوا للجهاد مع الرسول صلى الله عليه وسلم، حال كونكم خِفافاً ؛ نشاطاً، وثِقالاً ؛ كسالى لمشقته، أو ( خفافاً ) لمن قَلَّ عياله، ( وثقالاً ) لمن كثر عياله، أو خفافاً لمن كان فقيراً، وثقالاً لمن كان غنياً، أو خفافاً ركباناً، وثقالاً مشاة، أو خفافاً بلا سلاح، وثقالاً بالسلاح، أو خفافاً شباباً، وثقالاً شيوخاً، أو خفافاً أصحاء، وثقالاً مرضى. ولذلك قال ابنُ أمِّ مكتوم لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أَعَليَّ الغزو يا رسول الله ؟ قال :" نعم "، حيث نزل : ليسَ عَلَيكُم جُناح [ النور : ٦١ ]. وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله أي : بما أمكن ؛ إمّا بهما أو بأحدهما، ذلكم خير لكم ، مِنْ تركه، إن كنتم تعلمون ما في ذلك من الأجر العظيم والخير الجسيم، أي : لو علمتم ذلك ما قعدتم خلف سرية.
ثم أمر ببذل الأموال والمُهج في طريق الوصول إلى حضرة الله، وعاتب من تخلف عن ذلك وطلب الراحة والبقاء في وطن نفسه. قال القشيري : أمرهم بالقيام بحقه، والبدار إلى أداء أمره على جميع أحوالهم، خفافاً أي : في حال حضور قلوبكم، فلا يمسُّكم نَصَبُ المجاهدات، وثقالاً أي : إذا رُدِدتُم إليكم في مقاساة نصب المكابدات. فإن البيعةَ أُخِذَتْ عليكم في المنشط والمكره. هـ. ومثله عند الورتجبي عن أبي عثمان قال : خفافاً وثقالاً ؛ في وقت النشاط والكراهية، فإن البيعة على هذا وقعت، كما روى عن جرير بن عبد الله أنه قال : بايعنا رسول الله على المنشط والمكره. هـ.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي