يقول الله ( جل وعلا ) : انفروا خفافا وثقالا وجهدوا بأمولكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ( ٤١ ) .
قال جماعة من العلماء : هذه الآية الكريمة هي أول آية نزلت من سورة براءة. قالوا : أول ما نزل منها : انفروا خفافا وثقالا الآية، ثم بعد ذلك نزل أولها وآخرها ١.
وقوله : انفروا أمر بالنفر، والنفر المراد به هنا : التهيؤ والحركة للجهاد في سبيل الله، وكل متحرك بسرعة لأمر من الأمور تقول العرب : نفر له، كقولهم : النفر غداة كذا. يعنون : تفرق الناس من منى ذاهبين إلى أوطانهم ؛ لأنه تنقضي مهمة حجهم فيسرعون الحركة متفرقين إلى أوطانهم. كما قال ابن أبي ربيعة ٢ :
لا نلتقي إلا ثلاث منى حتى يفرق بيننا النفر
فمعنى قوله : انفروا تحركوا مسرعين للجهاد في سبيل الله.
وقوله : خفاف وثقالا حالان، والخفاف جمع خفيف. والثقال : جمع ثقيل. و " الفعيل " إذا كان وصفا يكثر جمعه على ( الفعال ) جمع كثرة كما هو معروف في محله.
والمراد بقوله : خفافا وثقالا جاء فيه لأهل العلم ما يقرب من خمسة عشر قولا أو أكثر ٣، والمراد لها كلها : إنما هو تمثيل الخفة والثقل. والمعنى الجامع لذلك كله : انفروا تتحركوا مسرعين إلى جهاد الروم إلى تبوك في حال كونكم خفافا أو ثقالا.
والمراد بالخفاف : الذين تخف عليهم الحركة لتهيؤ أسباب القوة والحركة عندهم.
والثقال : الذين يثقل عليهم ذلك لسبب من الأسباب. وأقوال العلماء في هذا كالأمثلة لذلك، كقول من قال : انفروا خفافا وثقالا شبابا وشيوخا. وقول من قال : خفافا وثقالا مراضا وصحاحا. وقول من قال : خفافا وثقالا نشاطا وغير نشاط. وقول من قال : خفافا وثقالا أصحاب عيال وغير أصحاب عيال. وقول من قال : خفافا وثقالا أي : أصحاب ضياع وبساتين أو غير أصحابها. فهذه أقوال كثيرة. كقول من قال : خفافا وثقالا مشاغيل وغير مشاغيل. إلى ذلك (.... ) ٤.
٢ البيت في ديوانه ص ١٩٠..
٣ انظر: ابن جرير (١٤/ ٢٦٢ - ٢٦٩)، القرطبي (٨/ ١٥٠)..
٤ في هذا الموضع انقطع التسجيل..
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير