ﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹ

قال الله تعالى :
لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [ التوبة : ٤٢ ].
فيها مسألة واحدة، وهي :
[ ٥٠ ] الاستطاعة ؟
يرى ابن حزم رحمه الله تعالى أن الاستطاعة التي بها يكون الفعل على قسمين :
( أحدهما : قبل الفعل، وهو سلامة الجوارح، وارتفاع الموانع.
والثاني : لا يكون إلا مع الفعل، وهو القوة الواردة من الله عز وجل بالعون، أو الخذلان )(١).
أما أدلة النوع الأول، فيدلل لها ابن حزم بما يأتي، يقول :
( برهان ذلك : قوله تعالى حكاية عن القائلين : لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [ التوبة : ٤٢ ] فأكذبهم الله تعالى في إمكان استطاعة الخروج قبل الخروج.
وقوله تعالى : ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا [ آل عمران : ٩٧ ].
فلم لم يكن ههنا قبل الفعل الذي هو فعل المرء الحج، لما لزم الحج إلا لمن حج فقط، ولما كان أحد عاصيا بترك الحج، لأنه إن لم يكن مستطيعا الحج حتى يحج، فلا حج عليه، ولا هو مخاطب بالحج.
وقوله تعالى : فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا [ المجادلة : ٤ ].
فلو لم يكن على المظاهر العائد لقوله استطاعة على الصيام قبل أن يصوم لما كان مخاطبا بوجوب الصوم عليه إذا لم يجد الرقبة أبدا، ولكان حكمه مع عدم الرقبة وجوب الإطعام فقط، وهذا باطل.
وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن تابعه(٢) من أصحابه رضي الله عنهم : " فيما استطعتم "، وأمره صلى الله عليه وسلم أن يصلوا قياما فمن لم يستطع فقاعدا، فمن لم يستطع فعلى جنب(٣).
في هذا إجماع متفق على صحته لا شك فيه، فلو لم يكن الناس مستطيعين للقيام قبل القيام، لما كان أحد مأمورا بالصلاة قائما قبل أن يصليها كذلك، ولكان معذورا إن صلى قاعدا، أو على جنب بكل وجه، ولأنه إذا صلى كذلك، لم يكن مستطيعا للقيام، وهذا باطل، وقوله صلى الله عليه وسلم : " فإذا أمرتكم بشيء فخذوا منه ما استطعتم " (٤) فلو لم تكن ههنا استطاعة لشيء مما أمرنا به قبل أن نفعل، لما أمرنا به، ولما لزمنا شيء من ذلك، ولكنا غير عصاة بالترك، لأننا لم نكلف بالنص إلا ما استطعنا.
وقوله صلى الله عليه وسلم : " أتستطيع أن تصوم شهرين ؟ قال : لا " (٥). فلو لم يكن أحدا مستطيعا للصوم إلا حتى يصوم لكان هذا السؤال منه محالا، وحاشا له من ذلك.
ومما يبين صحة هذا، وأن المراد بكل ما ذكرنا سلامة الجوارح، وارتفاع الموانع : قول الله عز وجل : ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون [ القلم : ٤٢-٤٣ ].
فنص تعالى على أن في عدم السلامة بطلان الاستطاعة، وأن وجود السلامة بخلاف ذلك ؛ فصح أن سلامة الجوارح استطاعة، وإذ قد صح هذا فبيقين ندري أن سلامة الجوارح يكون بها الفعل وضده. والعمل وتركه. والطاعة والمعصية، لأن كل هذا يكون بصحة الجوارح )(٦).
ثم يدلل للنوع الثاني من الاستطاعة بقوله :
( ثم وجدنا الله تعالى قد قال : وكانوا لا يستطيعون سمعا [ الكهف : ١٠١ ].
وقال تعالى حاكيا قول الخضر لموسى عليهما السلام : إنك لن تستطيع معي صبرا [ الكهف : ٦٧ ].
وقال : ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا [ الكهف : ٨٢ ].
وعلمنا أن كلام الله عز وجل لا يتعارض، ولا يختلف، قال الله تعالى : ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا [ النساء : ٨٢ ].
فأيقنا أن الاستطاعة التي نفاها الله عز وجل، هي غير الاستطاعة التي أثبتها، لا يجوز غير ذلك البتة، فإذ ذلك كذلك ؛ فالاستطاعة كما قلنا : شيئان، أحدهما : قبل الفعل، وهو سلامة الجوارح، وارتفاع الموانع.
والثاني : لا يكون إلا مع الفعل، وهو القوة الواردة من الله عز وجل بالعون، أو الخذلان )(٧).

١ (الفصل) (٣/٤٥)..
٢ في نسخة أخرى – كما أشار إليها المحقق – (بايعه)، ولعلها هي المرادة. وهذا الحديث أخرجه البخاري (٧٢٠٢) في كتاب الأحكام: باب كيف يبايع الإمام الناس، ومسلم (١٨٦٧) في كتاب الإمارة: باب البيعة على السمع والطاعة فيما استطاع، من حديث ابن عمر، ولفظه: (كما إذا بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، يقول لنا: "فيما استطعت" وفي نسخة أخرى للبخاري "فيما استطعتم" وقد رواه بهذا اللفظ الترمذي (١٥٩٣) في كتاب السير: باب ما جاء في بيعة النبي صلى الله عليه وسلم، والنسائي في كتاب البيعة: باب البيعة فيما يستطيع الإنسان..
٣ أخرجه البخاري (١١١٧) في كتاب الصلاة: باب إذا لم يطق قاعدا صلى على جنب. وهو حديث عمران بن حصين: (صل قائما فإن لم تستطع، فعلى جنب)..
٤ سبق تخريجه في مسألة: من عدم الطهورين..
٥ جاء هذا في حديث الرجل الذي جامع زوجته في نهار رمضان. أخرجه البخاري (١٩٣٦) في كتاب الصوم: باب إذا جامع في رمضان، ولم يكن له شيء، فتصدق عليه، فليكفر. و(مسلم) (١١١١) كتاب الصيام، باب تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان (كلاهما من حديث أبي هريرة..
٦ (الفصل) (٣/٤٣-٤٥)..
٧ (الفصل) (٣/٤٥)..

آراء ابن حزم الظاهري في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير