لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون( ٤٢ ) عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين( ٤٣ )
كان دأب المؤمنين وعادتهم إذا استنفرهم الرسول صلى الله عليه وسلم للقتال أن ينفروا بهمة ونشاط، ولما استنفرهم لغزوة تبوك تثاقلوا لما تقدم من الأسباب، وللتثاقل درجات تختلف باختلاف قوة الإيمان وضعفه، ويسر الأسباب وعسرها، وكثرة الأعذار وقلتها، ولكن نفر الأكثرون طائعين، وتخلف الأقلون عاجزين. وأما المنافقون فقد كبر عليهم الأمر، وعظم فيهم الخطب، وطفقوا ينتحلون الأعذار الواهية، ويستأذنونه صلى الله عليه وسلم في القعود والتخلف فيأذن لهم، فكان نزول هذه الآيات وما بعدها لبيان تلك الحال وأحكام تلك الوقائع. وهي لا تفهم إلا بمعرفة أسبابها، كما كان يعرفها من وقعت منهم ومعهم وفيما بينهم. ومن حكمة الله تعالى في هذا الأسلوب أنه يضطر المؤمنين بعد ذلك العصر إلى البحث عن تاريخه ليستعينوا به على فهم ما تعبدهم الله تعالى به من الآيات فيعرفوا نشأة دينهم، وسياسة ملتهم، وصفة تكوين أمتهم، ولا شيء أعون للأمم على حفظ حقيقتها كمعرفة تاريخها.
لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك أي لو كان ما استنفرتهم له ودعوتهم إليه أيها الرسول عرضاً وهو ما يعرض للمرء من منفعة ومتاع، مما لا ثبات له ولا بقاء قريب المكان أو المنال، ليس في الوصول إليه كبير عناء، وسفراً قاصداً -أي وسطاً لا مشقة فيه ولا كلال(١)- لاتبعوك فيه، وأسرعوا بالنفر إليه، لأن حب المنافع المادية والرغبة فيها لاصقة بطبع الإنسان، وناهيك بها إذا كانت سهلة المأخذ قريبة المنال، وكان الراغب فيها من غير الموقنين بالآخرة وما فيها من الأجر العظيم للمجاهدين، كأولئك المنافقين.
ولكن بعدت عليهم الشقة التي دعوا إليها وهي تبوك والشقة الناحية، أو المسافة والطريق التي لا تقطع إلا بتكبد المشقة والتعب وكبر عليهم التعرض لقتال الروم في ديار ملكهم، وهم أكبر دول الأرض الحربية، فتخلفوا جبناً وحباً بالراحة والسلامة.
وسيحلفون بالله أي بعد رجوعكم إليهم، وقال : سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم [ التوبة : ٩٥ ] كما قال : يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم [ التوبة : ٩٤ ] قائلين لو استطعنا لخرجنا معكم أي لو استطعنا الخروج إلى الجهاد بانتفاء الأعذار المانعة لخرجنا معكم، فإننا لم نتخلف عنكم إلا مضطرين.
يهلكون أنفسهم بامتهان اسم الله تعالى بالحلف الكاذب لستر نفاقهم وإخفائه، يؤيدون الباطل بالباطل، ويدعمون الإجرام بالإجرام، أو بالتخلف عن الجهاد المفضي إلى الفضيحة، وما تقتضيه من سوء المعاملة، فالجملة مبينة لحالهم في حلفهم أو ما كان سبباً له، وأنهم يريدون به النجاة فيقعون في الهلاك.
والله يعلم إنهم لكاذبون في زعمهم أنهم لو استطاعوا الخروج لخرجوا معكم.
لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون( ٤٢ ) عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين( ٤٣ )
كان دأب المؤمنين وعادتهم إذا استنفرهم الرسول صلى الله عليه وسلم للقتال أن ينفروا بهمة ونشاط، ولما استنفرهم لغزوة تبوك تثاقلوا لما تقدم من الأسباب، وللتثاقل درجات تختلف باختلاف قوة الإيمان وضعفه، ويسر الأسباب وعسرها، وكثرة الأعذار وقلتها، ولكن نفر الأكثرون طائعين، وتخلف الأقلون عاجزين. وأما المنافقون فقد كبر عليهم الأمر، وعظم فيهم الخطب، وطفقوا ينتحلون الأعذار الواهية، ويستأذنونه صلى الله عليه وسلم في القعود والتخلف فيأذن لهم، فكان نزول هذه الآيات وما بعدها لبيان تلك الحال وأحكام تلك الوقائع. وهي لا تفهم إلا بمعرفة أسبابها، كما كان يعرفها من وقعت منهم ومعهم وفيما بينهم. ومن حكمة الله تعالى في هذا الأسلوب أنه يضطر المؤمنين بعد ذلك العصر إلى البحث عن تاريخه ليستعينوا به على فهم ما تعبدهم الله تعالى به من الآيات فيعرفوا نشأة دينهم، وسياسة ملتهم، وصفة تكوين أمتهم، ولا شيء أعون للأمم على حفظ حقيقتها كمعرفة تاريخها.
تفسير المنار
رشيد رضا