وقوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ: قال ابن عباس: إن كنتم تعلمون ما لكم من الثواب (١) والجزاء، وقيل: [إن كنتم] (٢) تعلمون الخير في الجملة فاعلموا أن هذا خير (٣).
٤٢ - وقوله تعالى: لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا الآية، قال المفسرون: نزلت هذه الآية في المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك (٤)، قال الكلبي: لما رجع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من تبوك أبدى الله نفاقهم، وأنزل هذه الآية (٥)، قال الزجاج والمبرد وغيرهما: لو كان ما دعوا إليه أو (٦) لو كان المدعو إليه سفرًا قاصدًا، فحذف اسم (كان) لدلالة ما تقدم من الكلام عليه (٧) و عَرَضًا قَرِيبًا يريد: من عرض الدنيا، قاله ابن عباس (٨)، وقال الضحاك: غنيمة قريبة (٩).
(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).
(٣) لم أهتد إلى القائل.
(٤) انظر: "تفسير ابن جرير" ١٠/ ١٤١، والثعلبي ٦/ ١١١ ب، والبغوي ٤/ ٥٤، وابن الجوزي ٣/ ٤٤٤، و"أسباب النزول" للمؤلف ص ٢٥١.
(٥) ذكره بمعناه الهواري في "تفسيره" ٢/ ١٣٤.
(٦) في (ج): (و).
(٧) انظر: قول الزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٤٤٩، وانظر أيضًا: "تفسير الطبري" ١٠/ ١٤١، والثعلبي ٦/ ١١١ ب، والبغوي ٤/ ٥٤، وابن الجوزي ٣/ ٤٤٤، وأبي حيان ٥/ ٤٥، ولم أجد مصدر قول المبرد، ولعله في كتابه "معاني القرآن" الذي لم أعثر عليه.
(٨) رواه بمعناه ابن أبي حاتم في "تفسيره" ٦/ ١٨٠٤، والفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص ١٩٤.
(٩) لم أجد من ذكره عنه، وقد رواه ابن أبي حاتم في المصدر السابق، نفس الموضع عن الضحاك عن ابن عباس.
وقال الكلبي: مالاً قريبًا (١)، ومضى الكلام في العرض عند قوله: يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى [الأعراف: ١٦٩].
وقوله تعالى: وَسَفَرًا قَاصِدًا، قال الليث: القصد (٢): استقامة الطريقة يقال: قصد يقصد قصدًا فهو قاصد (٣)، قال ابن عباس: سفرًا قاصدًا يريد: قريبًا (٤)، وقال الكلبي: هينا (٥)، وقال الزجاج: أي سهلاً قريبًا (٦)، وقال أهل المعاني: وسفرًا قاصدًا سهلاً باقتصاده من غير طول في أمره، وإنما قيل للعدل قصد لأنه مما ينبغي أن يقصد (٧)، وقال المبرد: قاصدًا: ذا قصد، أي ذا اعتدال في غير طول، أو ذا لين وسهولة واستقامة، كقولهم: لابن (٨) ورامح (٩) وتامر (١٠).
وقوله تعالى: وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ، قال الليث: الشقة: بعد مسير إلى أرض بعيدة، يقال: شقة شاقة (١١)، قال الضحاك: {بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ
(٢) ساقط من (ج).
(٣) "تهذيب اللغة" (قصد) ٣/ ٢٩٧١، والنص في كتاب: "العين" (قصد) ٥/ ٥٤.
(٤) "تنوير المقباس" ١٩٤ بمعناه.
(٥) ذكره الهواري في "تفسيره" ٢/ ١٣٤.
(٦) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٤٤٩.
(٧) ذكر نحو هذا القول الرازي في "تفسيره" ١٦/ ٧٢، ولم أجد من ذكره من أهل المعاني.
(٨) لابن: أي ذو لبن. انظر: "لسان العرب" (لبن) ٧/ ٣٩٨٩، (رمح) ٣/ ١٧٢٤.
(٩) رامح: أي ذو رمح. انظر: المصدر السابق (رمح) ٣/ ١٧٢٤.
(١٠) الكلمة ساقطة من (ي)، ومعناها: ذو تمر. انظر: الممدر السابق، نفس الموضعين.
(١١) "تهذيب اللغة" (شق) ٢/ ١٩٠٦، والنص في كتاب: "العين" (شق) ٥/ ٧ دون قوله: يقال.. إلخ.
الشُّقَّةُ}: المسافة (١)، وقال الكلبي: يعني السفر إلى الشام (٢)، وقال الزجاج: بعدت عليهم الغاية التي تقصدها (٣)، ونحوه قال ابن كيسان (٤)، وقال قطرب: الشقة: السفر البعيد؛ لأنه يشق على الإنسان (٥)، وقال غيره: الشقة: القطعة من الأرض التي يشق ركوبها على صاحبها (٦).
وقوله تعالى: وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ، قال الكلبي: يعني: لو قدرنا وكان لنا سعة في المال (٧)، قال أهل المعاني: وفي هذا دلالة على نبوة محمد - ﷺ - لأنه أخبر أنهم سيحلفون، ثم جاءوا فحلفوا كما أخبر أنه سيكون منهم (٨).
وقوله تعالى: يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ، قال ابن عباس: بالكذب والنفاق (٩)، وقوله (١٠): وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ، قال قتادة: لأنهم كانوا يستطيعون الخروج ولكن كانت تبطئة من عند أنفسهم زهادة في
(٢) ذكره المؤلف في "الوسيط" ٢/ ٥٠٠.
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٤٥٠.
(٤) انظر قوله في "تفسير الثعلبي" ٦/ ١١١ ب.
(٥) انظر قوله في المصدر السابق، نفس الموضع.
(٦) هذا قول علي بن عيسى الرماني. انظر: "البحر المحيط" ٥/ ٤٥.
(٧) لم أجد من ذكره عنه، وقد ذكره من غير نسبة المؤلف في "الوسيط" ٢/ ٥٠٠، وابن الجوزي في "زاد المسير" ٣/ ٤٤٤، والماوردي في "النكت والعيون" ٢/ ٣٦٧.
(٨) القول للحوفي في كتابه "البرهان" ١١/ ١٨٥ أ، وانظر: "الكشاف" ٢/ ١٩١، و"مفاتيح الغيب" ١٦/ ٧٥.
(٩) ذكره الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص ١٩٤ بلفظ: بالحلف الكاذبة.
(١٠) من (م).
الخير (١)، وقال الحسن: لكاذبون: أي مستطيعون (٢) للخروج (٣) (٤)، وقال مجاهد: أي ذلك الذي قالوا بألسنتهم مخالف لما في قلوبهم (٥).
فإن قيل: أليس عندكم لو استطاعوا لخرجوا وإذ (٦) لم يخرجوا فلأنهم لم يستطيعوا، والله تعالى قد كذبهم في قولهم (٧) لم نستطيع، فبان أنهم استطاعوا ولم يخرجوا؟ (٨)
قلنا: الاستطاعة ههنا معناه: الزاد والسلاح والمركوب وكانوا مياسير ذوي عدة فاستطاعتهم كان بالعدة وكُذّبوا في قولهم: لم نستطع (٩).
(٢) في (ي): (مستطيعين).
(٣) ساقط من (ج).
(٤) لم أقف عليه.
(٥) لم أعثر عليه في المصادر التي بين يدي.
(٦) في (ج): (فإذا).
(٧) في (ج) و (ي): (قوله)، وهو خطأ.
(٨) ذكر الرازي أن ممن اعترض هذا الاعتراض أبا على الجبائي والكعبي. انظر: "تفسير الفخر الرازي" ١٦/ ٧٢ - ٧٣.
(٩) يشير المؤلف -رحمه الله- إلى خلاف محتدم بين المعتزلة والأشاعرة في باب الاستطاعة والقدرة، وفي المسألة عدة أقوال أبرزها:
الأول: قول المعتزلة، وهو أن الاستطاعة قبل الفعل، يقول عبد الجبار الهمداني: وجملة ذلك أن من مذهبنا أن القدرة متقدمة لمقدورها، وعند المجبرة أنها مقارنة له. "شرح الأصول الخمسة" ص ٣٩٨، وانظر أيضًا: "مقالات الإسلاميين" ١/ ٣٠٠، و"الفرق بين الفرق" ص ١٣٧، و"شرح العقيدة الطحاوية" ٢/ ٦٣٣.
الثاني: قول الأشاعرة ومن وافقهم، وهو أن الاستطاعة تكون مع الفعل، ولا يجوز أن تتقدمه البتة، يقول الجويني في "الإرشاد" ص ٢١٩. والدليل على أن الحادث =
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي