قوله تعالى: لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم : أي: في جيشكم وفي جمعكم. وقيل: «في» بمعنى مع، أي: معكم. وتقدَّم تفسير «الخبال» في آل عمران.
وقوله: إِلاَّ خَبَالاً جَوَّزوا فيه أن يكون استثناء متصلاً وهو مفرَّغٌ؛ لأنَّ «زاد» يتعدى لاثنين. قال الزمخشري: «المستثنى منه غيرُ مذكور، فالاستثناءُ من أعمِّ العام الذي هو الشيء، فكان استثناء متصلاً فإن الخَبال بعضُ أعمِّ العام كأنه قيل: ما زادوكم شيئاً إلا خبالاً». وجَوَّزوا فيه أن يكونَ منقطعاً والمعنى: ما زادوكم قوة ولا شدةً ولكنْ خبالً، وهذا يجيءُ على قول مَنْ قال إنه لم يكن في عَسْكر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبال، كذا قال الشيخ. وفيه نظرٌ؛ لأنه إذا لم يكن في العَسْكر خبالٌ أصلاً فكيف يستثنى شيءٌ لم يكنْ ولم يُتوهَّم وجوده؟
قوله: خِلاَلَكُمْ منصوبٌ على الظرفِ. والخِلال: جمع خَلَل وهو الفُرْجَةُ بين الشيئين ويُستعار في المعاني فيُقال: في هذا الأمر خَلل.
والإِيُضاع: الإِسْراع يُقال: أَوْضَعَ البعيرُ، أي: أسرع في سَيْره قال امرؤ القيس:
| ٢٤٩٠ - أرانا مُوضِعينَ لأَِمْرِ غيبٍ | ونُسْحَرُ بالطعامِ والشراب |
| ٢٤٩١ - يا لَيْتَني فيها جَذَعْ | أَخُبُّ فيها وأَضَعْ |
| ٢٤٩٢ - بزجاجةٍ رَقَصَتْ بما في جَوْفِها | رَقْصِ القَلوصِ براكبٍ مستعجِلِ |
| ٢٤٩٣ -................ | والراقصاتِ إلى مِنَىً فالغَبْغَبِ |
قوله: يَبْغُونَكُمُ في محلِّ نصبٍ على الحال من فاعل «أَوْضَعوا»، أي: لأَسْرَعوا فيما بينكم حالَ كونهم باغين، أي: طالبين الفتنةَ لكم.
قوله: وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ هذه الجملةُ يجوز أن تكون حالاً من مفعول «يَبْغُونكم» أو مِنْ فاعله، وجاز ذلك لأن في الجملة ضميريهما. ويجوز أن تكونَ مستأنفةً، والمعنى: أنَّ فيكم مَنْ يَسْمع لهم ويُصْغِي لقولِهم. ويجوز أن يكونَ المرادُ: وفيكم جواسيسُ منهم يسمعون لهم الأخبارَ منكم، فاللامُ على الأول للتقوية لكون العاملِ فرعاً، وفي الثاني للتعليل، أي: لأجلهم.
ورُسِم في المصحف ولا أَوْضَعُوا خلالكم بألف بعد «لا»، قال الزمخشري: «كانت الفتحة تُكْتب ألفاً قبل الخط العربي، والخط العربي اخترع قريباً من نزول القرآن، وقد بقي من ذلك أثرٌ في الطباع فكتبوا صورةَ الهمزةِ ألفاً وفتحتَها ألفاً أخرى، ونحوه، أَوْ لا أَذْبَحَنَّهُ [النمل: ٢١] يعني في زيادة ألف بعد» لا «، وهذا لا يجوزُ القراءة به، ومَنْ قرأه متعمداً يكفر. صفحة رقم 61
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أبو العباس، شهاب الدين، أحمد بن يوسف بن عبد الدائم المعروف بالسمين الحلبي
أحمد بن محمد الخراط