ﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫ

قوله : لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً هذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين عن تخلف المنافقين، والخبال : الفساد والنميمة، وإيقاع الاختلاف والأراجيف. قيل : هذا الاستثناء منقطع : أي ما زادوكم قوّة، ولكن طلبوا الخبال. وقيل المعنى : لا يزيدونكم فيما تردّدون فيه من الرأي إلا خبالاً فيكون متصلاً. وقيل : هو استثناء من أعمّ العام : أي ما زادوكم شيئاً إلا خبالاً. فيكون الاستثناء من قسم المتصل ؛ لأن الخبال من جملة ما يصدق عليه الشيء. قوله : ولأَوْضَعُواْ خلالكم يَبْغُونَكُمُ الفتنة الإيضاع : سرعة السير، ومنه قوله ورقة بن نوفل :
يا ليتني فيها جذع *** أخبّ فيها وأضع
يقال : أوضع البعير : إذا أسرع السير. وقيل : الإيضاع : سير الخبب، والخلل : الفرجة بين الشيئين، والجمع الخلال : أي الفرج التي تكون بين الصفوف. والمعنى : لسعوا بينكم بالإفساد بما يختلقونه من الأكاذيب المشتملة على الإرجاف والنمائم الموجبة لفساد ذات البين. قوله : يَبْغُونَكُمُ الفتنة يقال : بغيته كذا : طلبته له، وأبغيته كذا : أعنته على طلبه. والمعنى : يطلبون لكم الفتنة في ذات بينكم بما يصنعونه من التحريش والإفساد. وقيل : الفتنة هنا الشرك. وجملة : وَفِيكُمْ سماعون لَهُمْ في محل نصب على الحال، أي والحال أنّ فيكم من يستمع ما يقولونه من الكذب، فينقله إليكم فيتأثر من ذلك الاختلاف بينكم، والفساد لإخوانكم والله عَلِيمٌ بالظالمين وبما يحدث منهم لو خرجوا معكم، لذلك اقتضت حكمته البالغة أن لا يخرجوا معكم، وكره انبعاثهم معكم، ولا ينافي حالهم هذا لو خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تقدّم من عتابه على الإذن لهم في التخلف ؛ لأنه سارع إلى الإذن لهم، ولم يكن قد علم من أحوالهم لو خرجوا أنهم يفعلون هذه الأفاعيل، فعوتب صلى الله عليه وسلم على تسرّعه إلى الإذن لهم قبل أن يتبين له الصادق منهم في عذره من الكاذب، ولهذا قال الله سبحانه فيما يأتي في هذه السورة : فَإِن رَّجَعَكَ الله إلى طَائِفَةٍ مّنْهُمْ فاستأذنوك لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِي أَبَدًا الآية، وقال في سورة الفتح : سَيَقُولُ المخلفون إِذَا انطلقتم إلى مَغَانِمَ إلى قوله : قُل لَّن تَتَّبِعُونَا .
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:
وقد أخرج عبد الرزاق في المصنف، وابن جرير عن عمرو بن ميمون، قال : اثنتان فعلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يؤمر فيهما بشيء : إذنه للمنافقين، وأخذه من الأسارى، فأنزل الله : عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عون بن عبد الله، قال : ما سمعتم بمعاتبة أحسن من هذا ؟ بدأ بالعفو قبل المعاتبة. فقال : عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ . وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد، في قوله : عَفَا الله عَنكَ الآية قال : ناس قالوا استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن أذن لكم، فاقعدوا. وإن لم يأذن لكم، فاقعدوا. وأخرج النحاس في ناسخه، عن ابن عباس في قوله : عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ الثلاث الآيات، قال : نسخها : فَإِذَا استأذنوك لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ .
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس في ناسخه، عنه، في قوله : لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الذين يُؤْمِنُونَ بالله الآية قال : هذا تعيير للمنافقين حين استأذنوا في القعود عن الجهاد بغير عذر، وعذر الله المؤمنين فقال : فَإِذَا استأذنوك لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ . وأخرج أبو عبيد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في سننه عنه أيضاً في قوله : لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الآيتين قال : نسختها الآية التي في سورة النور : إِنَّمَا المؤمنون الذين آمَنُواْ بالله وَرَسُولِهِ إلى إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ . فجعل الله النبي صلى الله عليه وسلم بأعلى النظرين في ذلك، من غزا غزا في فضيلة، ومن قعد قعد في غير حرج إن شاء الله.
وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الضحاك، في قوله : ولكن كَرِهَ الله انبعاثهم قال : خروجهم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله : فَثَبَّطَهُمْ قال : حبسهم. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن زيد، في قوله : لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً قال : هؤلاء المنافقون في غزوة تبوك. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة، في قوله : ولأَوْضَعُواْ خلالكم قال : لأسرعوا بينكم. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله : ولأَوْضَعُوا خلالكم قال : لأرفضوا يَبْغُونَكُمُ الفتنة يبطئونكم : عبد الله بن نبتل، وعبد الله بن أبيّ بن سلول، ورفاعة بن تابوت، وأوس بن قيظي وَفِيكُمْ سماعون لَهُمْ محدّثون لهم بأحاديثكم غير منافقين، وهم عيون للمنافقين.
وأخرج ابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه، وأبو نعيم في المعرفة، عن ابن عباس، قال : لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرج إلى غزوة تبوك، قال لجدّ بن قيس : يا جدّ بن قيس، ما تقول في مجاهدة بني الأصفر ؟ فقال : يا رسول الله، إني امرؤ صاحب نساء، ومتى أرى نساء بني الأصفر أفتتن، فأذن لي ولا تفتني، فأنزل الله : وَمِنْهُمْ من يَقُولُ ائذن لي الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن جابر بن عبد الله، نحوه. وأخرج ابن مردويه، عن عائشة، نحوه أيضاً. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله : وَلاَ تَفْتِنّي قال : لا تخرجني أَلا فِي الفتنة سَقَطُواْ يعني : في الخروج. وأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله : وَلاَ تَفْتِنّي قال : لا تؤثمني أَلا فِي الفتنة قال : ألا في الإثم، وقصة تبوك مذكورة في كتب الحديث والسير فلا نطول بذكرها.


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية