ثم بين لنا الحق حكمة التثبيط، فإن كان قعودهم من جانب الخير، فتثبيط الله لهم حكمة، وإذن الرسول لهم بعدم الخروج حكمة. وإن كانت مسألة قعودهم من وسوسة الشيطان لهم أو وسوسة النفوس، فقد خدمت وسوسة الشياطين ووسوسة النفوس قضية الإيمان، وأعانوا على مراد الله، وهذا هو الغباء الكفري، فزينت الوسوسة لهؤلاء المنافقين عدم الخروج للجهاد في سبيل الله، لأنهم لو خرجوا لحدث منهم ما قاله الحق سبحانه وتعالى فيهم : ولو خرجوا فيكم ما زادوا إلا خبالا ولأضاعوا خلالهم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين .
والخبال مرض عقلي ينشأ معه اختلال موازين الفكر، فتقول : فلان مخبول، أي : أنه يحكم فالقضايا بدون عقل، وإذن فقوله تعالى : ما زادكم إلا خبالا أي أنهم لن يكونوا إلا مصدر لبلبلة الأفكار لو خرجوا معكم للقتال، فلا تستطيعون اتخاذ القرار السليم. فكأنهم عين عليكم، وضدكم وليسوا معكم، وقد يكونون من عوامل الهزيمة التي لم يردها الله لكم، وليسوا من عوامل النصر، فكأن عدم خروجهم هو دفع لشر، كان سيقع لو أنهم خرجوا معكم. وشاء الحق عدم خروجهم حفاظا على قوة المؤمنين وقدرتهم على الجهاد.
وقوله تعالى : ولأوضعوا خلالكم أي : أنهم كانوا سيحدثون فرقة بين صفوف المؤمنين ويفرّقونهم، وسيتغلغلون بينهم للإفساد ؛ لأن الخلال هو الفرجة بين الشيئين أو الشخصيين، فيدخل واحد منهم بين فريق من المؤمنين فيفسد، وآخر يفسد فريقا آخر، وهكذا يمشون خلال المؤمنين ليفرقوا بينهم.
ولكن التساؤل : هل كانوا سيخرجون معهم أو فيهم ؟ هم كانوا سيدخلون في الفرج بين المؤمنين ليبلبلوا أفكارهم. ونقول : إن حروف الجر ينوب بعضها عن بعض، وعندما تسمع كلمة " فيكم " اعلم أنها تغلغل ظرف ومظروف ؛ ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى في موضع آخر من القرآن من يوضح لنا الظرف والمظروف، قال الحق : ولصلبنكم في جذوع النخل( ٧١ ) ( طه ).
هل كان فرعون سيصلب السحرة في داخل الجذوع أم على الجذوع ؟ وإن كان أهل اللغة قد قالوا : إن حروف الجر ينوب بعضها عن بعض. فإننا لا نرضى هذا الجواب، لأننا إن رضيناه في أساليب البشر، لا يمكن أن نقبله في أساليب كلام الله ؛ لأن هناك معنى " في " الظرفية، ومعنى آخر في استخدام حرف " على ". ولو قال الحق سبحانه وتعالى :" لأصلبنكم على جذوع النخل "، فإن لها معنى أن يكون الصّلب على الجذع ؛ أي : أنه صلب عادي، ولكن قوله تعالى : ولأصلبنكم في جذوع النخل معناه : أن عملية الصلب ستتم بقوة بحيث تدخل أجزاء من جسم المصلوب في المصلوب فيه، أي : أن جنود فرعون كانوا سيدقّون على أجساد السحرة حتى تدخل في جدع النخل، وتصبح هذه الأجساد وجذوع النخل وكأنها قطعة واحدة، هذه صورة لقسوة الصلب وقوته.
ولكن إذا قلنا : على جذوع النخل لكان المعنى أخفّ، ولكان الصّلب أقل قسوة، فكأن القرآن الكريم قد استعمل ما يعطينا دقة المعنى. بحيث إذا تغيّر حرف اختل المعنى. ونجد الحق سبحانه وتعالى يقول في موضع آخر من القرآن الكريم : وسارعوا إلى مغفرة من ربكم... ( ١٣٣ ) ( آل عمران )أي : أن سرعتنا في العمل الصالح تنتهي بنا إلى المغفرة، إذن : فنحن قبل أن نسرع إلى الصالح من الأعمال لم نكن في المغفرة، وعندما نسارع نصل إليها.
ثم نجد قول الحق سبحانه وتعالى أيضا :{ إنهم كانوا يسارعون في الخيرات... ( ٩٠ ) ( الأنبياء ).
ولم يقل : يسارعون إلى الخيرات ؛ لأن عملهم الآن خير، وهم سيسارعون فيه ؛ أي سيزيدونه ؛ إذن : إن سارعت إلى شيء كأنه لم يكن في بالك، ولكنك سارعت في الخير أولا ثم تزيد في فعل الخير.
وإذا تدبرنا قول الحق سبحانه : ولأوضعوا خلالكم نجد أن " أوضع " تعني : أسرع بدرجة بين الإبطاء والسرعة، فيقال : " أوضعت الدابة ؛ أي مشت بخطى غير بطيئة وغير سريعة في نفس الوقت، ولو نظرت إلى حالة هؤلاء المنافقين لو خرجوا مع المؤمنين للقتال، لرأيتهم وهم يزينون لهم الفساد، ويعملون على أن تصاب عقول المقاتلين بالخبل، ولوجدت أن هذا الأمر يتطلب آخر البطء وأول السرعة في الحركة، كانوا يحتاجون إلى البطء ؛ لأنهم كانوا سيهمسون في آذان المؤمنين بتزيين الباطل وهذا يقتضي بطئا، ثم ينتقل الواحد منهم إلى مؤمن ثان ليقوم معه بنفس العملية، ولا بد أن يسرع إلى التواجد بجانب المؤمن الآخر. إذن : فالحركة هنا تحتاج إلى البطء في الوسوسة ؛ وسرعة في الانتقال من مؤمن لآخر.
وهذا أدق وصف ينطبق على ما كان سيحدث.
ولكن ما هدف هؤلاء المنافقين من أن يضعوا الخبل في عقول المؤمنين ؟ ويفرقوهم جماعات ؟ الهدف : أن ينالوا من وحدتهم وقوتهم، ويقول الحق سبحانه وتعالى : يبغونكم الفتنة أي : يطلبون لكم الفتنة ؛ لأن الإنسان الشرير حين يرى خيرا يقوم به غيره، يجد الملكات للإيمانية في أعماقه تصيبه بنوع من احتقار النفس، فيحاول التقليل من شأن فاعل الخير بأن يسخر مما يفعله أو يستهزئ به، وهذا أوضح ما يكون في مجالس الخمر، حين يحس الجالسون في هذه المجالس بالذنب الشديد ؛ إن وجد بينهم إنسان لات يشرب الخمر، فتجدهم يحاولون أن يغروه بكل طريقة، لكي يرتكب نفس الإثم، فإذا رفض أخذوا يعيرونه ويستهزئون به، ويسخرون منه ويدعون أنه لن يبلغ مبلغ الرجال، وغير ذلك من أساليب السخرية. وأيضا تجد الكذاب يحاول دفع الناس إلى الكذب، والسارق يغري الناس بالسرقة، والمرتشي يحاول نشر الرشوة بين جميع زملائه، فإذا وجد إنسان نزيه وسيط هؤلاء الذين يرتكبون هذه الألوان من السلوك السيئ، فهم يضطهدونه ويسخرون منه. والمثال : حين يقوم إنسان للصلاة بين عدد من تاركي الصلاة، تجدهم يحاولون السخرية منه، فهذا يقول له : خذني على جناحك، وهذا يقول له مستهزئا : يجعلنا الله من بركاتك. ويبين لنا القرآن الكر يم هذه القضية ليعطينا المناعة الإيمانية فيقول :
إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون( ٢٩ ) وإذا مروا بهم يتغامزون( ٣٠ ) وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين( ٣١ ) وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون( ٣٢ ) وما أرسلوا عليهم حافظين( ٣٣ ) فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون ( ٣٤ ) على الأرائك ينظرون( ٣٥ ) هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون( ٣٦ ) .
وهذه الآيات تعطينا صورة لما يحدث عندما يعم الفساد في الأرض، فالذين سخروا من المؤمنين يضحكون ضحكات ستزول حتما طال الوقت أو قصر يتبعها عذاب في الآخرة، أما أهل الإيمان فهم يخشون الله في الدنيا، فيثيبهم الله في الآخرة، ويضحكون ضحكة خالدة مستمرة.
إذن : فقوله تعالى : يبغونكم كالفتنة أي : إنهم من فرط حقدهم عليكم وعلى إيمانكم، ويحاولون أن يفتنوكم في دينكم حتى تنزلوا إلى مستواهم، تماما كأنماط السلوك التي بيّناها من قبل.
ثم يبيّن الحق سبحانه وتعالى أن الصف الإيماني لن يكون في منعة مما كان سيفعله هؤلاء المنافقون، فصحيح أنهم لم يخرجوا مع المؤمنين، ولكن هناك بين المؤمنين من كان يستمع لهم، ويقول الحق تبارك وتعالى : وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين وسمعت لفلان، أي : سمعت أذنى ما قاله، وسمعت من فلان، أي : لصالح شخص آخر، أي : من يستمع منهم أو من يستمع أخباركم فهو ينقلها إليهم.
إذن : فاللام تأتي بالمعنيين، فمن المؤمنين من كان سيسمع لهؤلاء المنافقين مما يحدث بلبلة في فكرهم، ومن هؤلاء المبلبلين للأفكار جواسيس لهم ينقلون إليهم أخبار المؤمنين، ويعملون لحسابهم، وهناك من المؤمنين من سيسمع لهم أولا، فإذا أصيبوا بالخبل بدأوا في نقل أخبار المؤمنين إليهم، وهكذا جاءت " اللام " فاصلة بين " سمعت له " أو " سمعت من غيره لصالحه " يزيد الله سبحانه هذا الأمر إيضاحا في قول الحق تبارك وتعالى :{ إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحقّ لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما ( ١٠٥ ) ( النساء )، فنجد السطحي التفكير يقول : إن هذا تحذير من مخاصمة الخائنين ؛ خوفا من أن ألاّ يقدر عليهم، أو أن يزدادوا في إثمهم بسبب هذه الخصومة. ونقول : عنك لم تفهم المعنى، فالمعنى الواضح هو : لا تكن لصالح الخائنين خصيما، أي : لا تترافع في الخائنين أو تدافع عنهم.
وقوله تعالى والله عليم بالظالمين لأن الذي كان سيسمع، والذين سيسمع لصالحهم، كلاهما ظالم والله عليم بهم.
تفسير الشعراوي
الشعراوي