ثم إن الله قال : لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا [ التوبة : آية ٤٧ ] لو خرج فيكم رؤساء هؤلاء المنافقين الذين يحركونهم ويرأسونهم في الشر كابن أبي بن سلول والجد بن قيس – قبحهما الله – وأمثالهم لو خرجوا فيكم غازين إلى تبوك ما زادوكم إلا خبالا ما حصلتم منهم على فائدة ولم يزيدكم إلا خبالا. والخبال معناه : الفساد. أي : ما زادوكم إلا فسادا ؛ لأنهم يفسدون عليكم.
وقوله : ولأوضعوا خللكم العرب تقول : أوضع يوضع إيضاعا. إذا أسرع في سيره. فالإيضاع : الإسراع في السير. واسم فاعله ( موضع ) ومنه قول امرئ القيس ١ :
أرانا موضعين لأمر غيب وتسحر بالطعام وبالشراب
و خللكم معناه : بينكم، يعني : لا يزيدونكم إلا فسادا على فساد، ولأسرعوا فيما بينكم بالمشي بالنميمة وإلقاء المخالفات والأراجيف والأكاذيب التي تضر المسلمين ولا تنفعهم. وهذا معنى قوله : لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا لأن العدو إذا كان في ثياب صديق يفعل كل شر ويضر كل مضرة من حيث لا يشعر به، فهم لا يزيدونكم إلا الفساد. أي : لا يزيدونكم شيئا كائنا ما كان إلا الفساد والخبال، فإنهم يفسدون عليكم وكأنهم يفسدون وهم في المدينة، فإذا سافروا كان خبالهم وفسادهم أكثر ؛ لأنهم يلقون بينهم بالنمائم ويلقون الأراجيف والتخويف من المشركين وإلقاء التشاويش كي يخاف المسلمون، ولتفسد ذات بينهم، وهم أعداء – قبحهم الله – وهذا معنى قوله تعالى : ولأوضعو خللكم يبغونكم الفتنة يبغونكم معناه يطلبون لكم الفتنة. الفتنة هي ما يوقعون بكم من الشر، من المعاداة بينكم بإلقاء النميمة والخوف من الأعداء بإلقاء الأراجيف الكاذبة ونحو ذلك.
وقوله : وفيكم سمعون لهم في هذا الحرف وجهان من التفسير للعلماء ٢ :
قال بعض العلماء : وفيكم سمعون لهم أي : عيون يسمعون الأخبار ويأتونهم بها ليقدروا بذلك على ما شاؤوا من الفساد والخبال.
وقال بعض العلماء : وفيكم سمعون لهم هم سادات وأشراف في قومهم، وفيكم من يسمع لهم لمكانتهم وشرفهم في قبيلته كابن أبي والجد بن قيس ومن يكون له شرف وسيادة في قومه يسمعون منه وتؤثر دعايته السيئة عليهم بإلقاء الفتن والأراجيف. وهذا معنى قوله : وفيكم سمعون لهم وهذه الآية الكريمة نص الله ( جل وعلا ) فيها على إحاطة علمه، وأنه ( جل وعلا ) من شدة إحاطة علمه بالأشياء يعلم الأشياء الذي سبق في علمه أنها لا تكون ٣، هو يعلم أن لو كانت كيف تكون ؛ لأن هؤلاء المتخلفين عن غزوة تبوك كالجد بن قيس وعبد الله بن أبي بن سلول لا يحضرونها أبدا ؛ لأن الله كره انبعاثهم فثبطهم عنها لحكمة إلهية، ومصلحة للمسلمين، فهم لا يحضرونها أبدا، وقد سبق في علم الله الأزلي أنهم لا يحضرونها أبدا، وأنهم لا يخرجون معه أبدا، وخروجهم هذا الذي سبق في سابق علمه أنه لا يكون صرح بأنه عالم أن لو كان كيف يكون، فعرفنا من هذا أنه ( جل وعلا ) يعلم الموجودات والمستحيلات والمعدومات والجائزات، حتى إنه من إحاطة علمه ليعلم المعدوم الذي سبق في سابق علمه لأنه لا يوجد يعلم أن لو وجد كيف يكون لشدة إحاطة علمه بالأشياء، فخروج هؤلاء لا يكون، وهو عالم ذلك الخروج الذي لا يكون أن لو كان كيف يكون، كما قال هنا : لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا الآية التوبة : آية ٤٧ والآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة جدا، من ذلك ما قدمنا في سورة الأنعام من أن الكفار يوم القيامة إذا رأوا القيامة وعاينوا الحقيقة تمنوا أن يردوا إلى الدنيا مرة أخرى ليصدقوا الرسل ويؤمنوا بالله، وهذا الرد الذي تمنوه علم الله أنه لا يكون، وقد صرح بأنه عالم أن لو كان كيف يكون، وذلك في قوله : ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يليتنا نرد ولا نكذب بئايت ربنا ونكون من المؤمنين ( ٢٧ ) [ الأنعام : آية ٢٧ ] هذا الرد الذي تمنوه هو عالم أنه لا يكون، وقد صرح بأنه عالم أن لو كان كيف يكون حيث قال : ولو ردوا لعادوا لما نهو عنه وإنهم لكذبون [ الأنعام : آية ١٨ ] والآيات بمثل هذا كثيرة في كتاب الله كقوله : ولو رحمنهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغينهم يعمهون ( ٧٥ ) [ المؤمنون : آية ٧٥ ] وقوله تعالى : ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من ديركم ما فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم الآية [ النساء : آية ٦٦ ].
فهذه الآيات من كتاب الله دلت على إحاطة علم الله ( جل وعلا ) بكل شيء، حتى بالمعدومات التي سبق في علمه أنها لا توجد، فهو عالم أن لو وجدت كيف يكون، فهو عالم بأن أبا لهب لن يؤمن، وهو يعلم لو آمن أبو لهب أيكون إيمانه تاما أو ناقصا، هكذا. وهذا يدل على أن المحيط بالعلم هو الله ( جل وعلا ) وحده، وخلق الله لا يعلمون من العلم إلا ما علمهم العليم الخبير الأعظم كما دل هذا القرآن في آيات كثيرة، وإيضاح ذلك أن أعلم المخلوقين الملائكة والرسل – على جميعهم صلوات الله وسلامه – فالملائكة لما قال لهم الله : فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صدقين ( ٣١ ) قالوا سبحنك لا علم لنا [ البقرة : الآيتان ٣١، ٣٢ ] قولهم : لا علم لنا ( لا ) فيه، هي ( لا ) التي لنفي الجنس، فنفوا جنس العلم من أصله عن أنفسهم إلا شيئا علمهم الله إياه لا علم لنا إلا ما علمتنا .
وكذلك الرسل ( صلوات الله وسلامه عليهم ) مع علمهم وفضلهم وجلالتهم لا يعلمون من أمر الله إلا شيئا علمهم الله إياه وما أوتيتم من العلم إلا قليلا [ الإسراء : ٨٥ ].
هذا سيد الرسل وأكمل الخلق نبينا محمد ( صلوات الله وسلامه عليه ) – وهو هو – رميت أحب أزواجه إليه بفرية وإفك، حيث رميت بصفوان بن المعطل السلمي في غزوة المريسيع، وهو لا يدري ما قيل عنها أحق أو كذب، وكان يقول لها : يا عائشة إن كنت ألممت بذنب فتوبي، فإن الله يتوب عليك ٤. ولم يدر هل ما قيل عنها حق أو كذب حتى أخبره العليم الخبير ( جل وعلا ) قال : أولئك مبرءون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم [ النور : آية ٢٦ ].
وهذا نبي الله إبراهيم إمام الأنبياء ( صلوات الله عليهم جميعا ) ذبح عجله وتعب هو وامرأته في إنضاج العجل يظن أن الملائكة يأكلون، لا يدري من هم، حتى إنه لما رآهم لم يأكلوا خاف منهم كما في قوله : فلما رءا أيديهم لا تصل إليه نكرهم [ هود : آية ٧٠ ] وصرح لهم بأنه خائف منهم حيث قال : فقالوا سلما قال إنا منكم وجلون [ الحجر : آية ٥٢ ] حتى ضحكت امرأته، ولما ارتحلوا عنه ونزلوا بنبي الله لوط – وهو هو – ضاق بهم ذرعا وقال : هذا يوم عصيب [ هود : آية ٧٧ ] ولم يدر أنهم ملائكة حتى قال كلامه المحزن : لو أن لي بكم قوة أو ءاوى إلى ركن شديد [ هود : آية ٨٠ ] وما علم أنهم ملائكة حتى قالوا له : يلوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك الآيات [ هود : آية ٨١ ]. وهذا نبي الله نوح – وهو هو – يقول لربه : رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحكمين [ هود : آية ٤٥ ] ولا يدري أن ذلك الولد الذي يطلب ربه أن ينجيه أنه كافر ليس من أهله الموعود بنجاتهم حتى قال له العليم الخبير : ينوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صلح فلا تسئلن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجهلين [ هود : آية ٤٦ ] فما قال نوح إلا أن قال : رب إني أعوذ بك أن أسئلك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخسرين [ هود : آية ٤٧ ].
وهذا نبي الله يعقوب – وهو هو – قال الله فيه : وإنه لذو علم لما علمنه [ يوسف : آية ٦٨ ] ابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم، " وولده في مصر بينه وبينه مراحل لا يدري ما شأنه اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تايئسوا من روح الله الآية [ يوسف : آية ٨٧ ].
وهذا نبي الله سليمان – وهو هو – أعطاه الله الرياح غدوها شهر ورواحها شهر، وسخر له مردة الشياطين والجن، ما كان يدري عن مأرب وجماعة بلقيس حتى ذهب إليهم الضعيف المسكين الهدهد، ولما توعد الهدهد، وكان الهدهد حصل منهم بعض علم الجغرافيا والتاريخ، وهذا العلم لم يكن عند سليمان في ذلك الوقت، وكان سليمان يهدد الهدهد ويقول : لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطن مبين ( ٢١ ) [ النمل : آية ٢١ ] فجاء الهدهد لما عرف بعض علم جغرافية اليمن وتأريخها، وسليمان لا يدري عنه، أفاده هذا العلم قوة ووقف أمام سليمان وقفة الرجل الصامد، ونسب الإحاطة لنفسه ونفاها عن سليمان وقال : أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين ( ٢٢ ) إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم ( ٢٣ ) وجدتها وقومها الآيات [ النمل : الآيات ٢٢ - ٢٤ ]. فسليمان ما كان يدري عن هذا، ولم يقل له إلا أن قال : سننظر أصدقت أم كنت من الكذبين اذهب بكتبي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجون ( ٢٨ ) وأمثال هذا كثير. فالله ( جل وعلا ) هو العليم الأعظم، والملائكة والرسل ( صلوات الله وسلامه عليهم ) يعلمون من علم الله ما علمهم الله من غيبة وما لم يعلمهم لم يعلموه، وهو ( جل وعلا ) وحده هو المحيط علمه بكل شيء، العالم بما كان وما يكون، وبالمعدوم والموجود، والمعدوم الذي لا يوجد أن لو وجد كيف يكون قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون ( ٢٥ ) [ النمل : آية ٢٥ ] وهذا معنى قوله : لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خللكم يبغونكم الفتنة وفيكم سمعون لهم [ التوبة : آية ٤٧ ].
وقوله : والله عليم بالظلمين كقوله : والله عليم بالمتقين [ التوبة : آية ٤٤ ] فقال في الأولى : إن تقوى المتقين لا تخفى عليه، وأن ظلم الظالمين لا يخفى عليه.
وقد قدمنا في هذه الدروس مرارا ٥ أن أصل معنى الظلم في لغة العرب هو : وضع الشيء في غير محله، مادة الظاء واللام والميم ( ظلم ) معناها وضع الشيء في غير محله. هذا هو أصل معنى هذه المادة، وأعظم أنواعها هو الشرك بالله ؛ لأن الشرك بالله للعبادة في غير موضعها ؛ لأن من يأكل نعم الله ويتقلب في رزقه وعافيته إذا كان يعبد غيره فقد ظلم، أي : وضع العبادة في غير موضعها، كما قال تعالى عن لقمان : يبني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم [ لقمان : آية ١٣ ] وقال : والكفرون هم الظلمون [ البقرة : آية ٢٥٤ ] ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا لمن الظلمين ( ١٠٦ ) [ يونس : آية ١٠٦ ] ولأجل هذا كان الظلم في القرآن يطلق على الشرك وعلى غيره من المعاصي والمخالفات، وثبت في صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أن قوله : الذين ءامنوا ولم يلبسوا إيمنهم بظلم [ الأنعام : آية ٨٢ ] قال : ولم يلبسوا إيمانهم بشرك ٦. هذا أصل الظلم في لغة العرب.
وهو في الشرع على نوعين : ظلم أكبر، وظلم دون ظلم، فالظلم الأكبر هو وضع العبادة في غير موضعها، وهو الشرك بالله. وظلم دون ظلم وهو أن يطيع عدوه إبليس ويعصي ربه، فالذي أطاع الشيطان وعصى الله قد ظلم نفسه ؛ لأنه عرضها لسخط الله ووضع الطاعة في غير موضعها، والمعصية في غير موضعها. وهذا معنى قوله : والله عليم بالظلمين [ التوبة : آية ٤٧ ] وهذا المعنى مشهور في كلام العرب، أن الظلم هو وضع الشيئ في غير موضعه، ومنه قد تقول العرب للذي يضرب لبنه قبل أن يروب : هو ظالم ؛ لأنه وضع الضرب في غير موضعه ؛ لأن ضربه قبل أن يروب يضيع زبده، وهو مع
٢ انظر: ابن جرير (١٤/ ٢٨١)، القرطبي (٨/ ١٥٧)، ابن كثير (٢/ ٣٦١)..
٣ مضى عند تفسير الآية (٩٦) من سورة الأنعام..
٤ مضى عند تفسير الآية (٥٩) من سورة الأنعام..
٥ مضى عند تفسير الآية (٥١) من سورة البقرة..
٦ مضى عند تفسير الآية (٥١) من سورة البقرة..
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير