نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٤٦:الربع الثاني من الحزب العشرين
في المصحف الكريم
في بداية هذا الربع، أخبر الحق سبحانه وتعالى نبيه بحقيقة ما انطوى عليه المنافقون الذين كانوا منبثين بين المسلمين يقومون بدور " الطابور الخامس " المتعارف عليه في هذا العصر، فبين أنهم لو كانوا راغبين في الخروج مع رسول الله للقاء الروم في الشام لتأهبوا لذلك من أول وهلة، ولما تخاذلوا وترددوا، ثم كشف الحق سبحانه وتعالى عن اللطف الخفي، الذي حصل بعدم خروجهم، ذلك أنهم لو شاركوا المسلمين في الخروج إلى غزوة تبوك لكان وجودهم بين ظهرانيهم مثارا للبلبلة والاضطراب والخبال، ووقودا لإشعال نار الفتنة، وإفساد ذات البين، مما يعكر الجو ويشغل البال، وإلى ذلك يشير قوله تعالى : ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة، ولكن كره الله انبعاثهم أي أبغض خروجهم فثبطهم أي أخرهم عن الخروج : وقيل اقعدوا مع القاعدين، لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا، ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة أي لمشوا بينكم بالنميمة، وحركوا بينكم عوامل البغضاء المؤدية إلى الفتنة : وفيكم سماعون لهم أي وفيكم من يستحسن حديثهم الخداع، إذ إنكم لستم جميعا على بينة من أمرهم، فهم منافقون يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، وبذلك يقع السامع لهم في الشرك، ويحدث بين المؤمنين – بسبب دسيستهم وسعايتهم – فساد كبير، وإلى هذا التفسير ذهب قتادة وغيره من المفسرين.
ويحتمل أن يكون معنى قوله تعالى : وفيكم سماعون لهم أنه يوجد منبثا من بينكم عيون لهم، منهم وإليهم، يتتبعون أخباركم وينقلونها إليهم أولا بأول، لإفساد خطة الرسول صلى الله عليه وسلم وتعطيل سير المؤمنين، وإلى هذا التفسير الثاني ذهب مجاهد وزيد بن أسلم وابن جرير الطبري. قال ابن كثير :" والمعنى الأول أظهر في المناسبة بالسياق ".
ثم أخبر الحق سبحانه وتعالى عن تمام علمه وإحاطته بما ظهر وما بطن من نوايا المنافقين ودسائسهم، فقال تعالى : والله عليم بالظالمين فهو مطلع على سرائرهم، عليم ببواطنهم كعلمه بظواهرهم :
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري