يحتمل قوله: (وَقِيلَ اقْعُدُوا): لما استأذنوا رسول اللَّه بالقعود، أذن لهم في ذلك؛ على ما وقع عنده أن لهم عذرًا في ذلك.
وإن كان من اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - فهو على التهديد والوعيد.
ويحتمل أن يكون من الشيطان، وسوس إليهم أن اقعدوا؛ ترغيبًا منه إياهم بالقعود والتخلف، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧)
قوله: (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ)، أي: لو كانوا خرجوا فيكم؛ ألا ترى أنه قال: (وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ)؛ دل هذا أنهم لم يكونوا خرجوا، ولو كانوا خرجوا لم يكن يثبطهم، دل أنه ما ذكرنا.
والانبعاث: هو الخروج، وكذلك في حرف ابن مسعود: (وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ).
والتثبيط: الحبس، وأصل التثبيط: التثقيل.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: الانبعاث: هو القيام، والخبال: قيل: الفساد والشر.
وقيل: الغي، وهو واحد.
وقوله: (مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا)، يحتمل زيادة الخبال وجوهًا:
يحتمل: أن يكونوا عيونًا للعدو، ويخبروهم عن عورات المسلمين، أو كانوا يجبنون أهل الإسلام؛ كقولهم: (إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ)، ونحوه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ) قيل: هو من إيضاع الإبل (خِلَالَكُمْ) يتخلل فيما بينكم.
وقيل: (وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ).
أي: رواحلهم حتى يدخلوا بينكم حتى لا يصيبهم الأذى، كانوا يستترون بالمسلمين؛ لئلا يصيبهم شيء من البلاء والشدة.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: (وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ): من الوضع، وهو سرعة السير.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: هو من الإيضاع يكون على الإبل.
وهو عندي من عدو الإبل، يقال: أوضعت البعير، وركضت الفرس، وأجريت الحمار.
(خِلَالَكُمْ): بينكم.
وقيل: الخلال: القتال، وهو ما ذكرنا أنهم يدخلون فيهم النقصان والقتال والفشل.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ).
قيل: يبغون منكم الفتنة، وهو الشرك الذي كانوا هم عليه.
ويحتمل ما ذكرنا من القتل، وإدخال الفشل والجبن فيهم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ).
هذا يحتمل وجهين أيضًا:
يحتمل: أن هَؤُلَاءِ المنافقين يكونون سماعًا لهم وخبرًا وعيونًا، يخبرونهم عن عورات المسلمين وضعفهم.
ويحتمل قوله: (وَفِيكُمْ): من المؤمنين.
(سَمَّاعُونَ لَهُمْ)؛ لأنه قيل: إنه كان من أصحاب النبي أهل محبة لهم وطاعة؛ لشرفهم فيهم.
وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: (يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ): كان الرجل يرى الجماعة من المسلمين فيضرب دابته حتى يدخل بينهم، ثم يقول: أبلغكم ما بلغني؛ إن العدو أمامكم قد غوروا المياه، وفعلوا كذا، وهيئوا.
ويحتمل قوله: (وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ) أي: فيكم من المنافقين الذين قعدوا ولم يخرجوا يسمعون المؤمنين الذين لم يخرجوا -أيضًا- ما يكرهونه يقولون: الدبرة على المؤمنين، ونحو ذلك من الهزيمة.
وقوله: (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ).
أي: لا عن جهل أمهلهم على ما هم عليه، ولكن أخرهم ليوم؛ كقوله: (وَلَا تَحْسَبَنَّ
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم