( ٣ ) تربصون : تتربصون أي تنتظرون وتتوقعون.
سورة التوبة :
في هذه السورة فصول عديدة ومتنوعة إلا أنها يجمعها طابع عام واحد هو الحث على الجهاد والحملة على المنافقين والكافرين والمشركين. والثناء على المؤمنين المخلصين.
وتنطوي فصولها على :
( ١ ) التبرؤ من المشركين الناقضين للعهد والحث على قتالهم إلى أن يتوبوا ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، مع احترام عهد المعاهدين الأوفياء لعهودهم.
( ٢ ) والتنبيه على أن المشركين نجس لا يجوز أن يدخلوا منطقة البيت الحرام بعد أن صار في حوزة الإسلام، ولا أن يتولوا مسجدا ويعمروه أو يعمروا المسجد الحرام، وليس لهم في ذلك حق وميزة.
( ٣ ) وحظر تولي الآباء والأقارب الكفار ومناصرتهم والتحالف معهم وإيجاب إيثار الله ورسوله والجهاد في سبيله عليهم وعلى جميع أعراض الدنيا إذا تعارض هذا مع ذاك.
( ٤ ) وحث على قتال أهل الكتاب الذين لا يؤمنون بالله ورسوله ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق حتى يعطوا الجزية ويخضعوا لسلطان الإسلام فيكون لهم ذلك مانعا.
( ٥ ) وإقرار حرمة الأشهر الحرم الأربعة بأعيانها وتحريم النسيء والتلاعب في أوقاتها بسبيل التقديم والتأخير فيها، وإخراج بعضها من الحرمة وجعل غيرها بديلا عنها.
( ٦ ) وحث واستنفار إلى غزوة أجمعت الروايات على أنها غزوة تبوك وتنديد بالمتثاقلين والمتخلفين عنها بأعذار كاذبة ووصمهم بالنفاق.
( ٧ ) وصور من مواقف المنافقين وأقوالهم ومكائدهم وسخريتهم وتثبيطهم وإخلافهم لوعودهم وعهودهم وتنديد باعتذاراتهم وأيمانهم الكاذبة وإنذارات قارعة لهم وإيجاب الوقوف منهم موقف الشدة والحزم.
( ٨ ) وبيان لطبيعة الأعراب وشدة كفر الكافرين ونفاق المنافقين منهم بسببها مع التنويه بطبقة أخلصت في إيمانها وإسلامها وأعمالها منهم.
( ٩ ) وتصنيف المنتسبين إلى الإسلام إلى مخلصين سابقين وتابعيهم بإحسان، ومنافقين متسترين، وخالطي عمل صالح بعمل سيء، وأناس غير معروفة حقيقتهم على اليقين موكولين إلى الله، ومنافقين مجاهرين بالضرر والفساد.
( ١٠ ) وحظر الاستغفار للمشركين والصلاة عليهم.
( ١١ ) ومشاهد عن إخلاص بعض فقراء المسلمين إزاء الدعوة إلى الجهاد وشدة ندم بعض المخلصين المتخلفين وتوبة الله عليهم.
( ١٢ ) ومشاهد عن مواقف المنافقين عند نزول القرآن.
( ١٣ ) وتشريع في صدد التناوب في الجهاد.
( ١٤ ) وختام وصفي رائع لأخلاق النبي صلى الله عليه وآله وسلم وشدة حرصه على المسلمين ورأفته ورحمته بهم.
وأكثر فصول السورة معقودة على غزوة تبوك وظروفها وأحداثها. وهناك رواية غريبة تذكر أنها نزلت دفعة واحدة ( ١ )١. في حين أن مضامين فصولها تلهم بكل قوة أن منها ما نزل قبل غزوة تبوك بمدة ما. ومنها ما نزل أثناء هذه الغزوة، ومنها ما نزل بعد العودة من هذه الغزوة ؛ حيث يسوغ القول : إن الرواية المذكورة غير معقولة وغير صحيحة، وإن فصول السورة قد رتبت في وقت متأخر من عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن تم نزول الفصول التي اقتضت حكمة الله ورسوله أن تحتويها. والمصحف الذي اعتمدناه يروي أن آيتيها الأخيرتين مكيتان. وهذه الرواية مروية في تفسير المنار وفي الإتقان للسيوطي ( ١ )٢عن ابن الفرس. وصاحب تفسير المنار يسوغ الرواية ويقول : إن معنى الآيتين لا يظهر إلا في دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الإسلام في مكة في أول زمن البعثة، وهناك رواية أوردها ابن كثير تفيد أن الآيتين كانتا منسيتين فألحقتا بآخر السورة ارتجالا. وكانت هذه الرواية مما قوى تسويغ صاحب المنار. هذا في حين أن هناك روايات تذكر أن الآيتين هما آخر القرآن نزولا. وقد رجحنا أنهما جاءتا معقبتين على الآيات السابقة لهما استلهاما من فحواهما. وسنزيد الأمر بيانا في سياق تفسير الآيات.
والمتواتر اليقيني أن مصحف عثمان هو أصل المصاحف لم يفصل بين سورتي الأنفال وهذه السورة بالبسملة أسوة بسائر السور. وقد روى الترمذي ( ٢ )٣ حديثا عن ابن عباس جاء فيه :( قلت لعثمان رضي الله عنه : ما حملكم أن عمدتم إلى الأنفال وهي في المثاني وإلى براءة وهي من المئين ( ٣ )٤ فقرنتم بينهما، ولم تكتبوا بينهما بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتموها في السبع الطوال. فقال عثمان : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأتي عليه الزمان وهو تنزل عليه السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب فيقول : ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وكانت الأنفال من أوائل ما أنزل بالمدينة، وكانت براءة من آخر القرآن، وكانت قصتها شبيهة بقصتها ( ٤ )٥ فظننت أنها منها فقبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يبين لنا أنها منها ؛ فلذلك قرنت بينهما ولم أكتب بينهما بسم الله الرحمن الرحيم فوضعتها في السبعة الطوال ). وهناك روايات أخرى في صدد ذلك. منها رواية عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه جوابا على سؤال سأله ابنه محمد مفادها : أن هذه السورة نزلت بالسيف، وأن البسملة أمان. ورواية عن أبي بن كعب أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يأمر في كل سورة بكتابة بسم الله الرحمن الرحيم، ولم يأمر بذلك في سورة التوبة وكانت نزلت في آخر القرآن فضمت إلى الأنفال لشبهها بها. ورواية – جاءت بصيغة قيل – تذكر أن الصحابة اختلفوا فيما إذا كانت سورتا الأنفال وبراءة واحدة أم سورتين ؟ ولم يتغلب رأي فتركوا بينهما فرجة تنبيها على قول من يقول : إنهما سورتان. ولم يكتبوا البسملة تنبيها على قول من يقول : إنهما سورة واحدة. وهناك رواية تذكر أن السورتين كانتا تسميان القرينتين لهذا السبب ( ١ )٦.
وباستثناء حديث الترمذي عن ابن عباس ليس شيء من هذه الروايات واردا في الصحاح. والمتبادر أن رواية عدم وضع البسملة بسبب كونها نزلت في القتال غير سائغة ؛ لأن هناك سورا أخرى احتوت الأمر بالقتال. وتبقى الروايات الأخرى وهي محتملة. وقد يكون فيها إزالة لإشكال ورود سورة الأنفال التي تقل آياتها عن المائة بين السور الطوال في حين أن ترتيب سور القرآن سار على وضع الأطول فالأطول إجمالا. ولم يؤثر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بوضع البسملة بينهما. وآياتهما معا تجعل سلكهما في سلك السور الطوال سائغا.
وهذه الروايات مع حديث ابن عباس الذي رواه الترمذي تفيدنا مسألتين مهمتين في صدد تأليف وترتيب سور القرآن والمصحف والآيات، الأولى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يأمر بأن تكون كل سورة في قراطيس لحدتها مفتوحة للزيادة عليها. وكان وضع الآيات في السور بأمره. والثانية أن ترتيب السور واحدة وراء أخرى كما جاء في المصحف هو بأمره. ونرجح أن المسألة الأولى كانت بنوع خاص بالنسبة للسور المدنية. وأن السور المكية كان قد تم ترتيبها إما في مكة وإما بعد الهجرة بقليل. وكل ما هنالك أن بعض آيات مدنية أضيفت إلى بعض هذه السور مثل الآية الأخيرة من كل من سورتي المزمل والشعراء والآيات ( ١٦٣ – ١٧٠ ) من سورة الأعراف للتناسب الموضوعي. ومن المحتمل كثيرا أن تكون هذه الآيات نزلت في أوائل الهجرة. والله أعلم.
والمصحف الذي اعتمدناه يروي ترتيب هذه السورة قبل سورة النصر التي يجعلها آخر السور المدنية نزولا. وبعض روايات الترتيب يجعلها بعد سورة النصر. وبعضها يجعلها ثانية عشرة سورة مدنية نزولا وبعضها سادسة عشرة بل وبعضها سادسة ( ١ )٧، ومضامينها تلهم أن الروايات الثلاث الأخيرة لا يمكن أن تكون صحيحة. وقد أخذنا برواية المصحف الذي اعتمدناه لأن فحوى وروح سورة النصر يسوغان صحة رواية هذا المصحف بكونها آخر السور المدنية نزولا كما أن هناك أحاديث تؤيد ذلك على ما سوف نورده في سياقها.
وللسورة أسماء عديدة. المشهور منها اثنان وهما ( التوبة ) و( براءة ). وهما مقتبسان من ألفاظ فيها كما هو شأن معظم السور. والباقي أطلق عليها بسبب ما فيها من دلالات فهي الفاضحة لأنها فضحت المنافقين، وهي المبعثرة ؛ لأنها بعثرة أسرارهم، وهي المقشقشة ؛ لأنها تقشقش أن تبرئ المسلمين من الكفر والنفاق، وهي المدمدمة أي المهلكة، وهي الحافرة ؛ لأنها حفرت قلوب المنافقين وكشفت ما يسترونه، وهي المثيرة لأنها أثارت مخازيهم، وهي العذاب ؛ لأنها نزلت بعذاب الكفار. وهذه الأسماء التي بلغت العشيرة معزوة إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتابعيهم ( ٢ )٨.
٢ الإتقان ص ١٦..
٣ التاج ج ٤ ص ١١٢، ١١٣..
٤ يسمى ما قلت آياته عن المائة من السور ولم تكن من القصار بالمثاني، وما زادت آياته على المائة بالمئين..
٥ أي فصول مثلها من جهاد وعهد..
٦ انظر تفسير البغوي والزمخشري والطبرسي والخازن والنسفي وابن كثير والنيسابوري ومن الغريب أن الطبري لم يتعرض لهذا البحث ورواياته!.
٧ انظر روايات ترتيب نزول السور في كتابتنا سيرة الرسول. ج ٢ ص ٩..
٨ انظر كتب التفسير السابقة. وأجمعها للأسماء تفسير الطبرسي..
التفسير الحديث
دروزة