قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين كان المنافقون – قبحهم الله – في المدينة يدا مع الكفار واليهود على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يفشون إليهم أسراره، ويلقون الأراجيف في قلوب المؤمنين، فهم يد مع الكفار والمنافقين على رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ ولذا كان المنافقون والكفار واليهود كأنهم طائفة واحدة ضد الإسلام والمسلمين ؛ ولذا قال هنا : أنتم أيها المنافقون المتعاونون مع إخوانكم من الكفار واليهود الذين تتربصون الدوائر بنا.
التربص في لغة العرب : الانتظار، العرب تقول : " تربص " : إذا انتظر، وتربص بالسلعة إلى وقت الغلاء : انتظر بها. وهذا معروف، وهو مشهور جدا في كلام العرب، ومنه قول الشاعر ١ :
تربص بها ريب المنون لعلها تطلق يوما أو يموت حليلها
فالتربص الانتظار. ومعنى الآية الكريمة : أنتم أيها المتربصون بنا عواقب الدهر ونوائبه راجين أن تدور علينا الدوائر فتهلكنا لا تربصون بنا إلا واحدة من اثنين كلتاهما أحسن من الأخرى. هل تربصون أصله :( هل تتربصون ) حذفت فيه إحدى التاءين. ( هل ) استفهام بمعنى النفي، ما تنتظرون بنا عاقبة هي إحدى الحسنيين. الحسنى : تأنيث الأحسن، وتجمع على الحسن بضم ففتح، تقول : هذه الأنثى هي الحسنى، أي : الأحسن من غيرها. وتجمعها على الحسن بضم ففتح كما هو معروف في محله. فالحسنى صيغة تفضيل. و المعنى لا تنتظرون بنا إلا إحدى خصلتين كلتاهما أحسن من غيرها :
إحداهما : أن نغلب أعداءنا و ينصرنا الله عليهم فنظفر بالنصر و الغنيمة و رضى الله ( جل و على )، و هذه الخلة لا يوجد أحسن منها، فعاقبتنا إن صارت إليها عاقبة كريمة محمودة.
والثانية : أن يقتلنا أعداؤنا فنموت فننال الشهادة، والشهادة هي أعظم فوز يناله المسلم في دار الدنيا، فهي أيضا حسنى ؛ لأنها أحسن من كل شيء. وهذه الآية الكريمة من أعظم الآيات التي تجعل المسلم يشتاق إلى الجهاد غاية الاشتياق ؛ لأنك لا تجد في الدنيا رجلا مآله إلى خير عظيم على كل التقديرات إلا المجاهد في سبيل الله ؛ لأنه إن مات نال أمنية الدنيا والآخرة، ونال الفوز والحياة الأبدية، والكرامة التي لا نظير لها، وإن نصره الله على عدوه فرجع ظافرا غانما فائزا فهذا أيضا حسن، وهذا لا يكون لأحد إلا للمجاهد في سبيل الله، فمن تأمل معنى هذه الآية الكريمة اشتاق لا محالة إلى الجهاد في سبيل الله. وقد ذكر أصحاب المغازي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد الخروج إلى المشركين في غزوة أحد كان جابر بن عبد الله أبوه عبد الله بن عمرو بن حرام له بنات سبع، فجابر أخواته سبع، ذكروا أن النبي صلى الله عليه وسلم أشار عليهم أن يبقى مع البنات واحد، الابن أو الأب لئلا يموتا فتبقى الإناث لا قيم عليهن، فقال الوالد وهو عبد الله بن عمرو بن حرام ( رضي الله عنه وأرضاه ) : يا بني كل شيء أوثرك فيه على نفسي إلا الشهادة في سبيل الله، فوالله لا أوثر على نفسي بها أحدا، واستشهد يوم أحد ( رضي الله عنه ). ولا خلاف بين العلماء بأنه من الذين أنزل الله فيهم : ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون ( ١٦٩ ) إلى آخر الآيات [ آل فرعون : آية ١٦٩ ] وهذا معنى قوله : قل هل تربصون بنا [ التوبة : آية ٥٢ ] أي : ما تتربصون وتنتظرون بنا إلا واحدة من إحدى مسألتين كلتاهما أحسن من كل شيء إلا إحدى الحسنيين ظفر ونصر وفوز بالظفر والنصر، أو شهادة في سبيل الله. وهذا كله خير، فكل احتمال صرنا إليه هو احتمال كريم، وهو أحسن من غيره. وهذا معنى قوله : إلا إحدى الحسنيين .
ونحن نتربص بكم ننتظر بكم خلاف ذلك : إحدى السوأيين، نحن ننتظر بكم إحدى السوأيين، كلتهما أسوأ من الأخرى : أحدهما : أن بصيبكم الله بعذاب من عنده، كأن ينزل عليكم عقوبة فيهلككم لكفركم وتمردكم وتصيرون إلى النار، أو يسلطنا عليكم ويأمرنا بقتلكم فنقتلكم كما قال في إخوانهم الكفار : قتلوهم يعذبهم اله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ( ١٤ ) [ التوبة : آية ١٤ ] وهذا معنى قوله : عرفتم أنكم لا تتربصون بنا إلا الخير ونحن لا نتربص بكم إلا الشر إذن فتربصوا ونحن متربصون أيضا، فكلنا يصير إلى ما يتربص به الآخر إليه. وهذا معنى قوله : فتربصوا إنا معكم متربصون [ التوبة : آية ٥٢ ].
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير