ومعنى : هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى الحسنيين : هل تنتظرون بنا إلا إحدى الخصلتين الحسنيين : إما النصرة أو الشهادة، وكلاهما مما يحسن لدينا، والحسنى : تأنيث الأحسن، ومعنى الاستفهام : التقريع والتوبيخ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ إحدى المساءتين لكم : إما أَن يُصِيبَكُمُ الله بِعَذَابٍ مّنْ عِندِهِ أي : قارعة نازلة من السماء، فيسحتكم بعذابه، أَوْ بعذاب لكم بِأَيْدِينَا أي : بإظهار الله لنا عليكم بالقتل والأسر والنهب والسبي.
والفاء في فتربصوا فصيحة، والأمر للتهديد كما في قوله : ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم أي تربصوا بنا ما ذكرنا من عاقبتنا فنحن معكم متربصون ما هو عاقبتكم، فستنظرون عند ذلك ما يسرّنا ويسوؤكم. وقرأ البزي وابن فليح «هل تربصون » بإظهار اللام وتشديد التاء. وقرأ الكوفيون بإدغام اللام في التاء. وقرأ الباقون بإظهار اللام وتخفيف التاء.
وأخرج أبو الشيخ، عن السديّ : قُل لَن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَنَا قال : إلا ما قضى الله لنا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، قال : هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى الحسنيين قال : فتح أو شهادة. وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج، في قوله : أَوْ بِأَيْدِينَا قال : القتل بالسيوف. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس، قال : قال الجد بن قيس : إني إذا رأيت النساء لم أصبر حتى أفتتن ولكن أعينك بمالي، قال : ففيه نزلت : قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً الآية.
وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله : فَلاَ تُعْجِبْكَ أموالهم قال : هذه من تقاديم الكلام، يقول : لا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة. وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس، قال : إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السديّ، في قوله : وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كافرون قال : تزهق أنفسهم في الحياة الدنيا وَهُمْ كافرون قال : هذه آية فيها تقديم وتأخير. وأخرج أبو حاتم، وأبو الشيخ عن الضحاك، في قوله : فَلاَ تُعْجِبْكَ يقول : لا يغررك وَتَزْهَقَ قال : تخرج أنفسهم، قال في الدنيا وهم كافرون. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله : لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأَ الآية قال : الملجأ : الحرز في الجبال، والمغارات : الغيران، والمدّخل : السرب. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ وَهُمْ يَجْمَحُونَ قال : يسرعون.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني