فَعَقَرُوهَا أي عقرها الأشقى، وإنما أسند العقر إلى الجميع لأنهم رضوا بما فعله. قال قتادة : إنه لم يعقرها حتى تابعه صغيرهم وكبيرهم وذكرهم وأنثاهم. قال الفراء : عقرها اثنان، والعرب تقول : هذان أفضل الناس، وهذان خير الناس، فلهذا لم يقل أشقياها. فَدَمْدمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا أي أهلكهم وأطبق عليهم العذاب، وحقيقة الدمدمة : تضعيف العذاب وترديده، يقال دمدمت على الشيء : أي أطبقت عليه، ودمدم عليه القبر : أي أطبقه، وناقة مدمومة : إذا لبسها الشحم، والدمدمة : إهلاك باستئصال، كذا قال المؤرج. قال في الصحاح : دمدمت الشيء : إذا ألزقته بالأرض وطحطحته، ودمدم الله عليهم : أي أهلكهم. وقال ابن الأعرابي : دمدم إذا عذّب عذاباً تاماً. والضمير في فسوّاها يعود إلى الدمدمة : أي فسوّى الدمدمة عليهم وعمهم بها فاستوت على صغيرهم وكبيرهم. وقيل : يعود إلى الأرض : أي فسوّى الأرض عليهم، فجعلهم تحت التراب. وقيل : يعود إلى الأمة : أي ثمود. قال الفراء : سوّى الأمة أنزل العذاب بصغيرها وكبيرها بمعنى سوّى بينهم. قرأ الجمهور : فَدَمْدَمَ بميم بين الدالين، وقرأ ابن الزبير : فدهدم بهاء بين الدالين. قال القرطبي : وهما لغتان كما يقال : امتقع لونه، واهتقع لونه.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قَدْ أَفْلَحَ مَن زكاها يقول : قد أفلح من زكى الله نفسه : وَقَدْ خَابَ مَن دساها يقول : قد خاب من دسّ الله نفسه فأضله. وَلاَ يَخَافُ عقباها قال : لا يخاف من أحد تبعة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه : وَقَدْ خَابَ مَن دسّاها يعني : مكر بها. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والديلمي من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس :«سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في قوله : قَدْ أَفْلَحَ مَن زكاها الآية أفلحت نفس زكاها الله، وخابت نفس خيبها الله من كل خير» وجويبر ضعيف. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً بِطَغْوَاهَا قال : اسم العذاب الذي جاءها الطغوى، فقال : كذبت ثمود بعذابها. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عبد الله بن زمعة قال :«خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الناقة وذكر الذي عقرها، فقال : إِذِ انبعث أشقاها قال : انبعث لها رجل عارم عزيز منيع في رهطه مثل أبي زمعة» وأخرج أحمد وابن أبي حاتم والبغوي والطبراني وابن مردويه والحاكم وأبو نعيم في الدلائل عن عمار بن ياسر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي :«ألا أحدّثك بأشقى الناس ؟ قال : بلى. قال رجلان : أحيمر ثمود الذي عقر الناقة، والذي يضربك على هذا، يعني قرنه، حتى تبتل منه هذه يعني : لحيته».
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني