تفسير سورة سورة الفلق

محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي

معالم التنزيل

محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي (ت 516 هـ)

الناشر

دار إحياء التراث العربي -بيروت

الطبعة

الأولى

عدد الأجزاء

5

المحقق

عبد الرزاق المهدي

نبذة عن الكتاب

كتاب متوسط، نقل فيه مصنفه عن مفسري الصحابة والتابعين ومن بعدهم. وهو من أجلّ الكتب وأنبلها حاوٍ للصحيح من الأقول، عارٍ عن الغموض والتكلف في توضيح النص القرآني، محلى بالأحاديث النبوية والآثار الغالب عليها الصحة.
للبغوي (ت: 516)، وهو تفسير جليل عظيم القدر، ومؤلفه على مذهب أهل السنة والجماعة، وتفسيره هذا مختصر من(تفسير الثعلبي) ، حذف منه الأحاديث الموضوعة، ونقَّاه من البدع، يتميز بالآتي:
  • أن تفسيره متوسط ليس بالطويل الممل، ولا بالمختصر المخل.
  • سهولة ألفاظه، ووضوح عباراته.
  • نقل ما جاء عن السَّلَف في التفسير، بدون أن يذكر السند، وذلك لأنه ذكر في مقدمة تفسيره إسناده إلى كل مَن يروي عنه.
  • الإعراض عن المناكير، وما لا تعلق له بالتفسير، ويتعرض للقراءات، ولكن بدون إسراف منه في ذلك.
  • ترك الاستطراد فيما لا صلة له بعلم التفسير.

ويؤخذ عليه أنه يشتمل على بعض الإسرائيليات، وينقل الخلاف عن السَّلَف في التفسير، ويذكر الروايات عنهم في ذلك بلا ترجيح، فالكتاب في الجملة جيِّد وأفضل من كثير من كتب التفسير، وهو متداوَل بين أهل العلم.

قال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله: «والبغوي تفسيرة مختصر من الثعالبي لكنه صان تفسيرة عن الأحاديث الموضوعة والآراء المبتدعة» . وقد سئل رحمه الله عن أي التفاسير أقرب إلى الكتاب والسنة، الزمخشري أم القرطبي أم البغوي، أم غير هؤلاء؟ فأجاب: «وأما التفاسير الثلاثة المسؤول عنها فأسلمها من البدعة والأحاديث الضعيفة - البغوي» الفتاوى 13/386

منهجه في تفسيره أنه يذكر اسم السورة، وعدد آياتها، وبيان مكِّيِّها ومدنيِّها، ثم يبين أسباب نزولها إن وجدت، ويذكر أسباب النزول للآيات أثناء التفسير.
ويعتمد في تفسيره على الكتاب، والمأثور من السنة النبوية، وأقوال الصحابة، والتابعين، مع عنايته بالقراءات واللغة والنحو بإيجاز، ويذكر فيه مسائل العقيدة والأحكام الفقهية بطريقة مختصرة.
وأفضل طبعة لهذا التفسير هي طبعة دار طيبة بالرياض.

وقد قام باختصاره الدكتور عبد الله بن أحمد بن علي الزيد وطبع بدار السلام بالرياض، وهو يتصرف فيه بالزيادة أحياناً للربط بين الكلام، وجعل ما أضافه بين قوسين، واستبعد ما لا ضرورة له في بيان معاني الآيات من الروايات والأسانيد المطولة والأحكام التي لا حاجة لها، وإذا تعددت الأحاديث التي يوردها المؤلف على وفق معاني الآيات الكريمة اقتصر على ذكر حديث واحد منها، وقد يقتصر على موضع الشاهد من الحديث إذا كان يؤدي المعنى المقصود. وقام بتجريد المختصر من الإسرائيليات ما أمكن إلا ما روي منها عن رسول الله أو أقرَّه. وعند تعدد ذكر الآثار يكتفي منها بما يكشف معنى الآية مع تخريج للأحاديث.
آية رقم ١
مَالِكٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حنين [١] مَوْلَى زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ أقبلت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم فَسَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (٤)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَجَبَتْ»، فَسَأَلْتُهُ: مَاذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: «الْجَنَّةُ». فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَأَرَدْتُ أَنْ أَذْهَبَ إِلَى الرَّجُلِ فَأُبَشِّرُهُ، ثُمَّ فَرَقْتُ أَنْ يَفُوتَنِي الْغَدَاءُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَآثَرْتُ الْغَدَاءَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ إِلَى الرَّجُلِ فَوَجَدْتُهُ قَدْ ذَهَبَ.
«٢٤٣٠» أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ أَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ ثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ منيب ثنا يزيد بن هارون ثنا الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي أُحِبُّ هَذِهِ السُّورَةَ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) قَالَ: «حُبُّكَ إِيَّاهَا أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ»،
سُورَةُ الفلق
[مدنية وهي خمس آيات] [٢]
[سورة الفلق (١١٣) : الآيات ١ الى ٥]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)
وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ (٥)
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)، قَالَ ابن عباس وعائشة: كَانَ غُلَامٌ مِنَ الْيَهُودِ يَخْدِمُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم
٢٤٣٠- حسن صحيح.
- إسناده ضعيف، عبد الرحيم بن منيب مجهول، ما روى عنه غير الطوسي، ومبارك غير قوي، وقد توبع ابن منيب، عند الترمذي وغيره، وللحديث طريق أخرى وشواهد.
- ثابت هو ابن أسلم البنائي.
- وهو في «شرح السنة» ١٢٠٣ بهذا الإسناد.
- وأخرجه الترمذي بإثر ٢٩٠١ وأحمد ٣/ ١٤١ و١٥٠ والدارمي ٢/ ٤٦٠ و٤٦١ وابن حبان ٧٩٢ من طرق عن مبارك به.
- وأخرجه الترمذي ٢٩٠١ والبيهقي ٢/ ٦١ وابن حبان ٧٩٤ من طريق عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عن ثابت به.
- وهذا إسناد حسن.
- وقال الترمذي: حسن غريب صحيح من حديث عبيد الله عن ثابت، وقد روي عَنْ مُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ عَنِ ثابت....
- ولمعناه شاهد عند البخاري ٧٣٧٥ ومسلم ٨١٣ من حديث عائشة.
(١) تصحف في المطبوع «جبير».
(٢) في المطبوع «مكية، وقيل: مدنية، وهي خمس آيات» وكون السورة مكية خطأ ظاهر، والراجح أنه من تصرف النساخ.
— 332 —
فَدَبَّتْ إِلَيْهِ الْيَهُودُ، فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى أَخَذَ مُشَاطَةَ رَأْسِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِدَّةَ أَسْنَانٍ مِنْ مُشْطِهِ، فَأَعْطَاهَا الْيَهُودَ فَسَحَرُوهُ فِيهَا، وَتَوَلَّى ذَلِكَ لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ رَجُلٌ مِنْ اليهود، فَنَزَلَتِ السُّورَتَانِ فِيهِ.
«٢٤٣١» أَخْبَرَنَا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَنَا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بن موسى الصيرفي ثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يعقوب الأصم ثنا مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: طُبَّ حَتَّى أَنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ صَنَعَ شَيْئًا وَمَا صَنَعَهُ وَأَنَّهُ دَعَا رَبَّهُ ثُمَّ قَالَ: «أَشَعَرْتِ أن الله أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ» فَقَالَتْ عَائِشَةُ: وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «جَاءَنِي رَجُلَانِ فَجَلَسَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي وَالْآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟ قَالَ الْآخَرُ: هُوَ مَطْبُوبٌ، قَالَ: مَنْ طَبَّهُ؟
قَالَ: لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ، قَالَ: فِي مَاذَا؟ قَالَ فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ [١] وَجُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ [٢]، قَالَ: فَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ فِي ذَرْوَانَ [٣]، وَذَرْوَانُ بِئْرٌ فِي بَنِي زُرَيْقٍ»
قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَتَاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى عَائِشَةَ، فَقَالَ: «وَاللَّهِ لَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ وَلَكَأَنَّ نَخْلُهَا رؤوس الشَّيَاطِينِ» قَالَتْ: فَقُلْتُ لَهُ يَا رسول الله فهلا أَخْرَجْتَهُ؟ قَالَ: «أَمَّا أَنَا فَقَدْ شَفَانِي اللَّهُ فَكَرِهْتُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى النَّاسِ بِهِ شَرًّا».
وَرُوِيَ أَنَّهُ كَانَ تَحْتَ صَخْرَةٍ فِي الْبِئْرِ فَرَفَعُوا الصَّخْرَةَ وَأَخْرَجُوا جُفَّ الطَّلْعَةِ فَإِذَا فِيهِ مُشَاطَةُ رَأْسِهِ وأسنان مشطه فيها.
«٢٤٣٢» أَخْبَرَنَا الْمُطَهَّرُ بْنُ عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ أنا محمد بن إبراهيم الصالحي ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ جَعْفَرٍ أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظِ أنا ابن أبي عاصم ثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شيبة ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ حَيَّانَ عَنْ
٢٤٣١- صحيح. ابن عبد الحكم ثقة، وقد توبع ومن دونه، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم.
- هشام هو ابن عروة بن الزبير بن العوام.
- وهو في «شرح السنة» ٣١٥٣ بهذا الإسناد.
- وأخرجه البخاري ٦٣٩١ من طريق أنس بن عياض بهذا الإسناد.
- وأخرجه البخاري ٣١٧٥ مختصرا و٥٧٦٥ و٥٧٦٣ و٦٠٦٣ ومسلم ٢١٨٩ وابن ماجه ٣٥٤٥ والنسائي في «الكبرى» ٧٦١٥ وأحمد ٦/ ٥٧ و٦٣ و٩٦ وابن أبي شيبة ٨/ ٣٠- ٣١ وابن سعد ٢/ ١٩٦ وأبو يعلى ٤٨٨٢ والحميدي ٢٥٩ والطحاوي في «المشكل» ٥٩٣٤ وابن حبان ٦٥٨٣ والبيهقي ٨/ ١٣٥ من طرق عن هشام بن عروة به.
(١) أي بعض الشعر الذي ينزع أثناء التمشيط.
(٢) أي وعاء طلع النخل.
(٣) بئر في المدينة، في بستان بني زريق.
٢٤٣٢- حسن صحيح بشواهده.
- رجال رجال مسلم، لكن فيه عنعنة الأعمش، ومع ذلك للحديث شواهد.
- ابن أبي عاصم هو أحمد بن عمرو النبيل، أبو بكر هو عبد الله بن محمد، أبو معاوية هو محمد بن خازم، الأعمش هو سليمان بن مهران.
- وهو في «أخلاق النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» ٨١ لأبي الشيخ عن ابن أبي عاصم بهذا الإسناد.
- وأخرجه أحمد ٤/ ٣٦٧ والنسائي ٧/ ١١٢- ١١٣ وعبد بن حميد ٢٧١ والطحاوي في «المشكل» ٥٩٣٥ من طريق عن أبي معاوية به.
- وأخرجه ابن سعد ٢/ ١٩٩ والحاكم ٤/ ٣٦٠ من طريق الأعمش عن ثمامة بن عقبة عن زيد بن أرقم بنحوه.
- وفي رواية ابن سعد «أن الذي سَحَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم رجل من الأنصار» والصواب أنه رجل من اليهود.
- وصححه الحاكم على شرطهما، وقال الذهبي: لم يخرجا لثمامة شيئا، وهو صدوق.
— 333 —
زيد بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: سَحَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ، قَالَ فَاشْتَكَى لِذَلِكَ أَيَّامًا، قَالَ: فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ: إِنَّ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ سَحَرَكَ وَعَقَدَ لَكَ عُقَدًا، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيًّا فَاسْتَخْرَجَهَا فَجَاءَ بِهَا، فَجَعَلَ كُلَّمَا حَلَّ عُقْدَةً وَجَدَ لِذَلِكَ خفة، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَأَنَّمَا نَشِطَ مِنْ عِقَالٍ، فَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ لِلْيَهُودِ وَلَا رَأَوْهُ فِي وَجْهِهِ قَطُّ.
قَالَ مُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: كَانَ فِي وَتَرٍ عُقِدَ عَلَيْهِ إِحْدَى عَشْرَةَ عقدة.
[وقيل: كانت العقدة مَغْرُوزَةٌ بِالْإِبْرَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَاتَيْنِ السورتين وهي إِحْدَى عَشْرَةَ آيَةً] [١] سُورَةُ الْفَلَقِ خَمْسُ آيَاتٍ، وَسُورَةُ النَّاسِ سِتُّ آيات، كلما قرأ آيَةٌ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، حَتَّى انْحَلَّتِ الْعُقَدُ كُلُّهَا، فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَأَنَّمَا نَشِطَ مِنْ عِقَالٍ.
وَرُوِيَ: أَنَّهُ لَبِثَ فِيهِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ [٢] وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، فَنَزَلَتِ الْمُعَوِّذَتَانِ.
«٢٤٣٣» أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْقَاهِرِ أَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ أَنَا مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْجُلُودِيُّ ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ ثَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثَنَا بشر بن هلال الصواف ثنا عبد الوارث ثنا عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَتَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ اشْتَكَيْتَ؟ قَالَ:
نعم، قال: «بِسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ [مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ] [٣] مِنْ [شَرِّ] [٤] كُلِّ نَفْسٍ أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ، اللَّهُ يَشْفِيكَ، بِسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ [وَاللَّهُ يَشْفِيكَ] ». [٥]
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)، أَرَادَ بِالْفَلَقِ الصُّبْحُ، وَهُوَ قَوْلُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَالْحَسَنِ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ وَأَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْعَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ:
فالِقُ الْإِصْباحِ [الْأَنْعَامِ: ٩٦] وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّهُ سِجْنٌ فِي جَهَنَّمَ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: وَادٍ فِي جَهَنَّمَ.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يَعْنِي الْخَلْقَ، وَهِيَ رِوَايَةُ الْوَالِبِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْأَوَّلُ المعروف.
٢٤٣٣- إسناده صحيح على شرط مسلم.
- عبد الوارث هو ابن سعيد، أبو نضرة هو المنذر بن مالك.
- وهو في «صحيح مسلم» ٢١٨٦ عن بشر بن هلال الصّوّاف بهذا الإسناد.
- وأخرجه الترمذي ٩٧٢ وابن ماجه ٣٥٢٣ وأبو يعلى ١٠٦٦ كلهم عن بشر بن هلال بهذا الإسناد.
- وأخرجه أحمد ٣/ ٢٨ و٥٦ من طريقين عن عبد الوارث به.
- وأخرجه أحمد ٣/ ٥٨ و٧٥ من طريقين عن داود عن أبي نضرة به.
- وورد من حديث عبادة بن الصامت عند ابن حبان ٩٥٤ وإسناده حسن في الشواهد.
- وله شاهد من حديث عائشة أخرجه مسلم ٢١٨٥.
- ومن حديث ميمونة أخرجه النسائي في «عمل اليوم والليلة» ١٠٢١ وأحمد ٦/ ٣٣٢ وابن حبان ٦٠٩٥ والطحاوي ٤/ ٣٢٩.
- وذكره الهيثمي في «المجمع» ٥/ ١١٣: وقال: رواه الطبراني، وفيه عبد الله بن صالح كاتب الليث، وقد وثق، وفيه ضعف.
- ومن حديث أبي هريرة عند ابن ماجه ٣٥٢٤ وضعفه البوصيري في «الزوائد» بعاصم بن عبيد الله العمري.
(١) زيد في المطبوع.
(٢) لم يصح ذلك، والصواب أنه بضع أيام أو ليال.
(٣) سقط من المطبوع.
(٤) سقط من المطبوع.
(٥) سقط من المطبوع. [.....]
— 334 —
مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ (٣).
«٢٤٣٤» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَنَا جَعْفَرُ بْنُ محمد [بن] [١] المغلس ثنا هارون بن إسحاق الهمداني ثنا وَكِيعٌ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ خَالِهِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:
أَخَذَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِي فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ اسْتَعِيذِي بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ، هَذَا غَاسِقٌ إِذَا وَقَبَ».
فَعَلَى هَذَا الْمُرَادُ بِهِ إِذَا خَسَفَ وَاسْوَدَّ: وَقَبَ، أَيْ دخل في الخسوف أو أخذ فِي الْغَيْبُوبَةِ وَأَظْلَمَ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْغَاسِقُ اللَّيْلُ إِذَا أَقْبَلَ بِظُلْمَتِهِ مِنَ الْمَشْرِقِ وَدَخَلَ فِي كل شيء وأظلم، والغسق الظُّلْمَةُ، يُقَالُ: غَسَقَ اللَّيْلُ وَأَغْسَقَ إِذَا أَظْلَمَ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ، يَعْنِي: اللَّيْلَ إِذَا أَقْبَلَ ودخل، والوقوب:
الدُّخُولُ، وَهُوَ دُخُولُ اللَّيْلِ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ. قَالَ مُقَاتِلٌ: يَعْنِي ظُلْمَةَ اللَّيْلِ إِذَا دَخَلَ سَوَادُهُ فِي ضَوْءِ النَّهَارِ. وَقِيلَ: سُمِّيَ اللَّيْلُ غَاسِقًا لِأَنَّهُ أَبْرَدُ مِنَ النَّهَارِ، وَالْغَسَقُ الْبَرْدُ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: يَعْنِي الثُّرَيَّا إِذَا سَقَطَتْ. وَيُقَالُ: إِنَّ الْأَسْقَامَ [٢] تَكْثُرُ عِنْدَ وُقُوعِهَا وَتَرْتَفِعُ عِنْدَ طُلُوعِهَا.
وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)، يَعْنِي السَّوَاحِرَ اللَّاتِي يَنْفُثْنَ فِي عُقَدِ الْخَيْطِ حِينَ يَرْقَيْنَ عَلَيْهَا. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: هُنَّ بَنَاتُ لَبِيدِ بْنِ الْأَعْصَمِ سَحَرْنَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ (٥)، يَعْنِي الْيَهُودَ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَحْسُدُونَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم.
٢٤٣٤- متن غريب بإسناد لين.
- إسناده لين تفرد به الحارث بن عبد الرحمن خال ابن أبي ذئب، وهو غير حجة، وثقه ابن حبان على قاعدته في توثيق المجاهيل، وقال النسائي: ليس به بأس وورد عن ابن معين رواية: يروى عنه، وهو مشهور. قلت: والظاهر أن المراد بقول ابن معين هو الحارث بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي ذباب، فقد تكررت فيه هذه العبارة، وقال علي المديني:
الحارث الذي روى عنه ابن أبي ذئب مجهول، وقال ابن سعد والحاكم أبو أحمد وغير واحد: لا يعلم له راو غير ابن أبي ذئب.
- وهذا إشارة إلى جهالته، فالإسناد غير حجة، لا سيما والمتن غريب.
- وهو في «شرح السنة» ١٣٦١ بهذا الإسناد.
- وأخرجه أحمد ٦/ ٢٠٦ من طريق وكيع بهذا الإسناد.
- وأخرجه الترمذي ٣٣٦٦ وأحمد ٦/ ٦١ و٢٠٦ و٢١٥ و٢٣٧ و٢٥٢ وأبو يعلى ٤٤٤٠ وأبو الشيخ في «العظمة» ٦٨١ والحاكم ٢/ ٥٤١ والطبري ٣٨٣٧٧ من طرق عن ابن أبي ذئب به.
- وقد توبع الحارث عند أحمد في الرواية ٦/ ٢١٥، تابعه المنذر بن أبي المنذر، وهو مجهول. وأخشى أن يكون أخذه الحارث عن المنذر، وهو محتمل، فالمتن غريب.
- وصححه الحاكم! ووافقه الذهبي! وقال الترمذي: حسن صحيح! قلت: والمتن غريب، لأن عامة أهل التفسير والأثر على أن المراد بذلك الليل إذا دخل.
- أخرجه الطبري ٣٨٣٦٤ عن ابن عباس لكن سنده واه، وكرره عن الحسن ٣٨٣٦٥ وكرره ٣٨٣٦٦ عن القرظي، وكرره ٣٨٣٦٨ عن مجاهد والحسن، وكرره ٣٨٣٦٩ و٣٨٣٧٠ عن الحسن وكرره ٣٨٣٧١ عن ابن عباس بسند رجاله ثقات لكن فيه إرسال، لكن هذه الروايات تتأيد. وهو الذي اختاره البخاري في صحيحه، فقال ٨/ ٧٤١ «فتح» : وقال مجاهد: الفلق الصبح، وغاسق الليل إذا وقب، غروب الشمس.
- قلت: فهذا ما عليه عامة أهل العلم، ولو ثبت الحديث عند البخاري لرواه ولو تعليقا أو تبويبا.
(١) تصحف في المطبوع «خالد».
(٢) تصحف في المطبوع «الأقسام».
— 335 —
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

1 مقطع من التفسير