تفسير سورة سورة الملك
أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
معالم التنزيل
البغوي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
المجتبى من مشكل إعراب القرآن الكريم
أحمد بن محمد الخراط
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
معالم التنزيل
البغوي
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
روح المعاني
الألوسي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء العكبري
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
إعراب القرآن
مجموعة من المؤلفين
إعراب القرآن
ابن النَّحَّاس
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
بيان المعاني
ملا حويش
تفسير التستري
سهل التستري
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
روح البيان
إسماعيل حقي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
النخجواني
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
تفسير القشيري
القشيري
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
معاني القرآن للفراء
الفراء
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني
أحمد بن إسماعيل الكَوْرَاني
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
التفسير البسيط
الواحدي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
النكت والعيون
الماوردي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
أسباب نزول القرآن - الواحدي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
تفسير النسائي
النسائي
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
لطائف الإشارات
القشيري
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
أحكام القرآن
ابن العربي
أحكام القرآن
ابن الفرس
جهود القرافي في التفسير
القرافي
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
تفسير القرآن العظيم
أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (ت 774 هـ)
الناشر
دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون - بيروت
الطبعة
الأولى - 1419 ه
المحقق
محمد حسين شمس الدين
ﰡ
الآيات من ١ إلى ٥
قُلْتُ وَهَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ جِدًّا وَفُرَاتُ بْنُ السَّائِبِ هَذَا ضَعَّفَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَالْبُخَارِيُّ وَأَبُو حَاتِمٍ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ مِنْ قَوْلِهِ مُخْتَصَرًا، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ إِثْبَاتِ عَذَابِ الْقَبْرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا مَا يَشْهَدُ لِهَذَا، وَقَدْ كَتَبْنَاهُ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ مِنَ الْأَحْكَامِ الْكُبْرَى ولله الحمد والمنة.
وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَالْحَافِظُ الضِّيَاءُ الْمَقْدِسِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَلَّامِ بْنِ مِسْكِينٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سُورَةٌ فِي الْقُرْآنِ خَاصَمَتْ عَنْ صَاحِبِهَا حَتَّى أَدْخَلَتْهُ الْجَنَّةَ: تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ». وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنِ مَالِكٍ النُّكْرِيِّ عَنِ أَبِيهِ عَنِ أَبِي الْجَوْزَاءِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ضَرَبَ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خِبَاءَهُ عَلَى قبر وهو لا يحسب أنه قبر، فإذا قَبْرُ إِنْسَانٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْمُلْكِ حَتَّى خَتَمَهَا، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ضَرَبْتُ خِبَائِي عَلَى قَبْرٍ وَأَنَا لَا أَحْسَبُ أَنَّهُ قَبْرٌ فَإِذَا إِنْسَانٌ يَقْرَأُ سُورَةَ الْمُلْكِ: تَبَارَكَ حَتَّى خَتَمَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هِيَ الْمَانِعَةُ هِيَ الْمُنْجِيَةُ تُنْجِيهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ثُمَّ رَوَى التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم كَانَ لَا يَنَامُ حَتَّى يَقْرَأَ: الم تَنْزِيلُ، وتَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ، وَقَالَ لَيْثٌ عَنْ طَاوُسٍ: يَفْضُلَانِ كُلَّ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ بِسَبْعِينَ حَسَنَةً.
وقال الطبراني: حدثنا محمد بن الحسن بن علاف الْأَصْبَهَانِيِّ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«لَوَدِدْتُ أَنَّهَا فِي قَلْبِ كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْ أُمَّتِي» يَعْنِي تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ، هذا الحديث غَرِيبٌ وَإِبْرَاهِيمُ ضَعِيفٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُهُ فِي سُورَةِ يس، وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي مَسْنَدِهِ بِأَبْسَطِ مِنْ هَذَا فَقَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ: أَلَا أُتْحِفُكَ بِحَدِيثٍ تَفْرَحُ بِهِ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: اقْرَأْ تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَعَلِّمْهَا أَهْلَكَ وَجَمِيعَ وَلَدِكَ وَصِبْيَانَ بَيْتِكَ وَجِيرَانَكَ، فَإِنَّهَا الْمُنْجِيَةُ وَالْمُجَادِلَةُ تُجَادِلُ أَوْ تُخَاصِمُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّهَا لِقَارِئِهَا، وَتَطْلُبُ لَهُ أَنْ يُنْجِيَهُ مِنْ عَذَابِ النَّارِ وَيُنْجِي بِهَا صَاحِبَهَا مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوَدِدْتُ أَنَّهَا فِي قَلْبِ كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْ أمتي».
وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ (٥)
وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَالْحَافِظُ الضِّيَاءُ الْمَقْدِسِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَلَّامِ بْنِ مِسْكِينٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سُورَةٌ فِي الْقُرْآنِ خَاصَمَتْ عَنْ صَاحِبِهَا حَتَّى أَدْخَلَتْهُ الْجَنَّةَ: تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ». وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنِ مَالِكٍ النُّكْرِيِّ عَنِ أَبِيهِ عَنِ أَبِي الْجَوْزَاءِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ضَرَبَ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خِبَاءَهُ عَلَى قبر وهو لا يحسب أنه قبر، فإذا قَبْرُ إِنْسَانٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْمُلْكِ حَتَّى خَتَمَهَا، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ضَرَبْتُ خِبَائِي عَلَى قَبْرٍ وَأَنَا لَا أَحْسَبُ أَنَّهُ قَبْرٌ فَإِذَا إِنْسَانٌ يَقْرَأُ سُورَةَ الْمُلْكِ: تَبَارَكَ حَتَّى خَتَمَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هِيَ الْمَانِعَةُ هِيَ الْمُنْجِيَةُ تُنْجِيهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ثُمَّ رَوَى التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم كَانَ لَا يَنَامُ حَتَّى يَقْرَأَ: الم تَنْزِيلُ، وتَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ، وَقَالَ لَيْثٌ عَنْ طَاوُسٍ: يَفْضُلَانِ كُلَّ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ بِسَبْعِينَ حَسَنَةً.
وقال الطبراني: حدثنا محمد بن الحسن بن علاف الْأَصْبَهَانِيِّ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«لَوَدِدْتُ أَنَّهَا فِي قَلْبِ كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْ أُمَّتِي» يَعْنِي تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ، هذا الحديث غَرِيبٌ وَإِبْرَاهِيمُ ضَعِيفٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُهُ فِي سُورَةِ يس، وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي مَسْنَدِهِ بِأَبْسَطِ مِنْ هَذَا فَقَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ: أَلَا أُتْحِفُكَ بِحَدِيثٍ تَفْرَحُ بِهِ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: اقْرَأْ تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَعَلِّمْهَا أَهْلَكَ وَجَمِيعَ وَلَدِكَ وَصِبْيَانَ بَيْتِكَ وَجِيرَانَكَ، فَإِنَّهَا الْمُنْجِيَةُ وَالْمُجَادِلَةُ تُجَادِلُ أَوْ تُخَاصِمُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّهَا لِقَارِئِهَا، وَتَطْلُبُ لَهُ أَنْ يُنْجِيَهُ مِنْ عَذَابِ النَّارِ وَيُنْجِي بِهَا صَاحِبَهَا مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوَدِدْتُ أَنَّهَا فِي قَلْبِ كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْ أمتي».
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[سورة الملك (٦٧) : الآيات ١ الى ٥]بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢) الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً مَا تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ (٤)وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ (٥)
— 196 —
يُمَجِّدُ تَعَالَى نَفْسَهُ الْكَرِيمَةَ وَيُخْبِرُ أَنَّهُ بِيَدِهِ الْمُلْكُ أَيْ هُوَ الْمُتَصَرِّفُ فِي جَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ بِمَا يَشَاءُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَلَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ لِقَهْرِهِ وَحِكْمَتِهِ وَعَدْلِهِ، وَلِهَذَا قَالَ تعالى: وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ثُمَّ قَالَ تعالى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ وَاسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ مَنْ قَالَ إِنَّ الْمَوْتَ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ، لِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ، وَمَعْنَى الْآيَةِ أَنَّهُ أَوْجَدَ الْخَلَائِقَ مِنَ العدم ليبلوهم أي يختبرهم أيهم أحسن عملا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ [الْبَقَرَةِ: ٢٨] فَسَمَّى الْحَالَ الْأَوَّلَ وَهُوَ الْعَدَمُ مَوْتًا وَسَمَّى هذه النشأة حياة، ولهذا قال تعالى: ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ حَدَّثَنَا صَفْوَانُ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ حَدَّثَنَا خُلَيْدٌ عَنْ قتادة في قوله تعالى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ أَذَلَّ بَنِي آدَمَ بِالْمَوْتِ وَجَعَلَ الدُّنْيَا دَارَ حَيَاةٍ ثُمَّ دَارَ مَوْتٍ وَجَعَلَ الْآخِرَةَ دَارَ جَزَاءٍ ثُمَّ دَارَ بَقَاءٍ» وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ عن قتادة.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا أَيْ خَيْرٌ عَمَلًا كَمَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ، وَلَمْ يَقُلْ أكثر عملا ثم قال تعالى: وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ أَيْ هُوَ الْعَزِيزُ الْعَظِيمُ الْمَنِيعُ الْجَنَابِ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ غَفُورٌ لِمَنْ تاب إليه وأناب بعد ما عَصَاهُ وَخَالَفَ أَمْرَهُ، وَإِنْ كَانَ تَعَالَى عَزِيزًا هُوَ مَعَ ذَلِكَ يَغْفِرُ وَيَرْحَمُ وَيَصْفَحُ وَيَتَجَاوَزُ، ثم قال تعالى: الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً أَيْ طَبَقَةً بَعْدَ طَبَقَةٍ وَهَلْ هُنَّ مُتَوَاصِلَاتٌ بِمَعْنَى أَنَّهُنَّ علويات بعضهن عَلَى بَعْضٍ أَوْ مُتَفَاصِلَاتٌ بَيْنَهُنَّ خَلَاءٌ، فِيهِ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا الثَّانِي كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ حديث الإسراء وغيره.
وقوله تعالى: مَا تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ أَيْ بَلْ هُوَ مُصْطَحِبٌ مُسْتَوٍ لَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ وَلَا تَنَافُرٌ وَلَا مُخَالَفَةٌ وَلَا نَقْصٌ ولا عيب ولا خلل، ولهذا قَالَ تَعَالَى: فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ أي انْظُرْ إِلَى السَّمَاءِ فَتَأَمَّلْهَا هَلْ تَرَى فِيهَا عَيْبًا أَوْ نَقْصًا أَوْ خَلَلًا أَوْ فُطُورًا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ وَالثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُمْ في قوله تَعَالَى: فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ أي شُقُوقٍ «١»، وَقَالَ السُّدِّيُّ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ أَيْ مِنْ خُرُوقٍ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رواية مِنْ فُطُورٍ أي من وهاء، وَقَالَ قَتَادَةُ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ أَيْ هَلْ تَرَى خَلَلًا يَا ابْنَ آدَمَ.
وَقَوْلُهُ تعالى: ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ قال قتادة: مَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ذَلِيلًا، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وقَتَادَةُ: صَاغِرًا وَهُوَ حَسِيرٌ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي وَهُوَ كَلِيلٌ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: الْحَسِيرُ الْمُنْقَطِعُ مِنَ الْإِعْيَاءِ، وَمَعْنَى الْآيَةِ إِنَّكَ لَوْ كَرَّرْتَ الْبَصَرَ مَهْمَا كَرَّرْتَ لَانْقَلَبَ إِلَيْكَ أَيْ لَرَجَعَ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً عَنْ أَنْ يَرَى عَيْبًا أَوْ خللا
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ حَدَّثَنَا صَفْوَانُ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ حَدَّثَنَا خُلَيْدٌ عَنْ قتادة في قوله تعالى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ أَذَلَّ بَنِي آدَمَ بِالْمَوْتِ وَجَعَلَ الدُّنْيَا دَارَ حَيَاةٍ ثُمَّ دَارَ مَوْتٍ وَجَعَلَ الْآخِرَةَ دَارَ جَزَاءٍ ثُمَّ دَارَ بَقَاءٍ» وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ عن قتادة.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا أَيْ خَيْرٌ عَمَلًا كَمَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ، وَلَمْ يَقُلْ أكثر عملا ثم قال تعالى: وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ أَيْ هُوَ الْعَزِيزُ الْعَظِيمُ الْمَنِيعُ الْجَنَابِ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ غَفُورٌ لِمَنْ تاب إليه وأناب بعد ما عَصَاهُ وَخَالَفَ أَمْرَهُ، وَإِنْ كَانَ تَعَالَى عَزِيزًا هُوَ مَعَ ذَلِكَ يَغْفِرُ وَيَرْحَمُ وَيَصْفَحُ وَيَتَجَاوَزُ، ثم قال تعالى: الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً أَيْ طَبَقَةً بَعْدَ طَبَقَةٍ وَهَلْ هُنَّ مُتَوَاصِلَاتٌ بِمَعْنَى أَنَّهُنَّ علويات بعضهن عَلَى بَعْضٍ أَوْ مُتَفَاصِلَاتٌ بَيْنَهُنَّ خَلَاءٌ، فِيهِ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا الثَّانِي كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ حديث الإسراء وغيره.
وقوله تعالى: مَا تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ أَيْ بَلْ هُوَ مُصْطَحِبٌ مُسْتَوٍ لَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ وَلَا تَنَافُرٌ وَلَا مُخَالَفَةٌ وَلَا نَقْصٌ ولا عيب ولا خلل، ولهذا قَالَ تَعَالَى: فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ أي انْظُرْ إِلَى السَّمَاءِ فَتَأَمَّلْهَا هَلْ تَرَى فِيهَا عَيْبًا أَوْ نَقْصًا أَوْ خَلَلًا أَوْ فُطُورًا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ وَالثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُمْ في قوله تَعَالَى: فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ أي شُقُوقٍ «١»، وَقَالَ السُّدِّيُّ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ أَيْ مِنْ خُرُوقٍ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رواية مِنْ فُطُورٍ أي من وهاء، وَقَالَ قَتَادَةُ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ أَيْ هَلْ تَرَى خَلَلًا يَا ابْنَ آدَمَ.
وَقَوْلُهُ تعالى: ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ قال قتادة: مَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ذَلِيلًا، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وقَتَادَةُ: صَاغِرًا وَهُوَ حَسِيرٌ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي وَهُوَ كَلِيلٌ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: الْحَسِيرُ الْمُنْقَطِعُ مِنَ الْإِعْيَاءِ، وَمَعْنَى الْآيَةِ إِنَّكَ لَوْ كَرَّرْتَ الْبَصَرَ مَهْمَا كَرَّرْتَ لَانْقَلَبَ إِلَيْكَ أَيْ لَرَجَعَ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً عَنْ أَنْ يَرَى عَيْبًا أَوْ خللا
(١) انظر تفسير الطبري ١٢/ ١٦٥.
— 197 —
الآيات من ٦ إلى ١١
وَهُوَ حَسِيرٌ أَيْ كَلِيلٌ قَدِ انْقَطَعَ مِنَ الْإِعْيَاءِ مِنْ كَثْرَةِ التَّكَرُّرِ وَلَا يَرَى نَقْصًا، وَلَمَّا نَفَى عَنْهَا فِي خَلْقِهَا النَّقْصَ بَيَّنَ كَمَالَهَا وَزِينَتَهَا فَقَالَ: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَهِيَ الْكَوَاكِبُ الَّتِي وُضِعَتْ فِيهَا مِنَ السيارات والثوابت.
وقوله تعالى: وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ عَادَ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ وَجَعَلْناها عَلَى جِنْسِ الْمَصَابِيحِ لَا عَلَى عَيْنِهَا لِأَنَّهُ لَا يَرْمِي بِالْكَوَاكِبِ الَّتِي فِي السَّمَاءِ بَلْ بِشُهُبٍ مِنْ دُونِهَا وَقَدْ تَكُونُ مُسْتَمَدَّةً منها، والله أعلم. وقوله تعالى: وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ أَيْ جَعَلْنَا لِلشَّيَاطِينِ هَذَا الْخِزْيَ فِي الدُّنْيَا وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السعير في الآخرة كما قال تعالى فِي أَوَّلِ الصَّافَّاتِ: إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ [الصَّافَّاتِ: ٦- ١٠] قَالَ قَتَادَةُ: إِنَّمَا خُلِقَتْ هَذِهِ النُّجُومُ لِثَلَاثِ خِصَالٍ خَلَقَهَا اللَّهُ زِينَةً لِلسَّمَاءِ وَرُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَعَلَامَاتٍ يُهْتَدَى بِهَا فَمَنْ تَأَوَّلَ فِيهَا غَيْرَ ذلك فقد قال برأيه وَأَضَاعَ نَصِيبَهُ وَتَكَلَّفَ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ، رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ «١» وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
[سورة الملك (٦٧) : الآيات ٦ الى ١١]
وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٦) إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ (٧) تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ (٩) وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ (١٠)
فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ (١١)
يَقُولُ تعالى: وَأعتدنا لِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ أَيْ بِئْسَ الْمَآلُ وَالْمُنْقَلَبُ إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ «٢» : يَعْنِي الصِّيَاحَ وَهِيَ تَفُورُ قَالَ الثَّوْرِيُّ: تَغْلِي بِهِمْ كَمَا يَغْلِي الْحَبُّ الْقَلِيلُ فِي الْمَاءِ الْكَثِيرِ.
وقوله تعالى: تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ أي تكاد ينفصل بعضها عن بَعْضٍ مِنْ شِدَّةِ غَيْظِهَا عَلَيْهِمْ وَحَنَقِهَا بِهِمْ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ يَذْكُرُ تَعَالَى عَدْلَهُ فِي خَلْقِهِ، وَأَنَّهُ لَا يُعَذِّبُ أَحَدًا إِلَّا بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ وَإِرْسَالِ الرَّسُولِ إِلَيْهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الْإِسْرَاءِ: ١٥] وقال تعالى: حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ [الزُّمَرِ: ٧١] وَهَكَذَا عَادُوا على أنفسهم بالملامة وندموا حيث
وقوله تعالى: وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ عَادَ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ وَجَعَلْناها عَلَى جِنْسِ الْمَصَابِيحِ لَا عَلَى عَيْنِهَا لِأَنَّهُ لَا يَرْمِي بِالْكَوَاكِبِ الَّتِي فِي السَّمَاءِ بَلْ بِشُهُبٍ مِنْ دُونِهَا وَقَدْ تَكُونُ مُسْتَمَدَّةً منها، والله أعلم. وقوله تعالى: وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ أَيْ جَعَلْنَا لِلشَّيَاطِينِ هَذَا الْخِزْيَ فِي الدُّنْيَا وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السعير في الآخرة كما قال تعالى فِي أَوَّلِ الصَّافَّاتِ: إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ [الصَّافَّاتِ: ٦- ١٠] قَالَ قَتَادَةُ: إِنَّمَا خُلِقَتْ هَذِهِ النُّجُومُ لِثَلَاثِ خِصَالٍ خَلَقَهَا اللَّهُ زِينَةً لِلسَّمَاءِ وَرُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَعَلَامَاتٍ يُهْتَدَى بِهَا فَمَنْ تَأَوَّلَ فِيهَا غَيْرَ ذلك فقد قال برأيه وَأَضَاعَ نَصِيبَهُ وَتَكَلَّفَ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ، رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ «١» وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
[سورة الملك (٦٧) : الآيات ٦ الى ١١]
وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٦) إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ (٧) تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ (٩) وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ (١٠)
فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ (١١)
يَقُولُ تعالى: وَأعتدنا لِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ أَيْ بِئْسَ الْمَآلُ وَالْمُنْقَلَبُ إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ «٢» : يَعْنِي الصِّيَاحَ وَهِيَ تَفُورُ قَالَ الثَّوْرِيُّ: تَغْلِي بِهِمْ كَمَا يَغْلِي الْحَبُّ الْقَلِيلُ فِي الْمَاءِ الْكَثِيرِ.
وقوله تعالى: تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ أي تكاد ينفصل بعضها عن بَعْضٍ مِنْ شِدَّةِ غَيْظِهَا عَلَيْهِمْ وَحَنَقِهَا بِهِمْ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ يَذْكُرُ تَعَالَى عَدْلَهُ فِي خَلْقِهِ، وَأَنَّهُ لَا يُعَذِّبُ أَحَدًا إِلَّا بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ وَإِرْسَالِ الرَّسُولِ إِلَيْهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الْإِسْرَاءِ: ١٥] وقال تعالى: حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ [الزُّمَرِ: ٧١] وَهَكَذَا عَادُوا على أنفسهم بالملامة وندموا حيث
(١) تفسير الطبري ١٢/ ١٦٦.
(٢) تفسير الطبري ١٢/ ١٦٧، ولفظه: يعني بالشهيق: الصوت الذي يخرج من الجوف بشدة كصوت الحمار. [.....]
(٢) تفسير الطبري ١٢/ ١٦٧، ولفظه: يعني بالشهيق: الصوت الذي يخرج من الجوف بشدة كصوت الحمار. [.....]
الآيات من ١٢ إلى ١٥
لَا تَنْفَعُهُمُ النَّدَامَةُ فَقَالُوا: لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ أَيْ لَوْ كَانَتْ لَنَا عُقُولٌ نَنْتَفِعُ بِهَا أَوْ نَسْمَعُ مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ مِنَ الْحَقِّ، لَمَا كُنَّا عَلَى مَا كُنَّا عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ بِاللَّهِ وَالِاغْتِرَارِ بِهِ، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ لَنَا فَهْمٌ نَعِي بِهِ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وَلَا كَانَ لَنَا عَقْلٌ يُرْشِدُنَا إِلَى اتِّبَاعِهِمْ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «١» : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ الطَّائِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «لَنْ يَهْلِكَ النَّاسُ حَتَّى يُعْذِرُوا مِنْ أَنْفُسِهِمْ» وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ النَّارَ إِلَّا وَهُوَ يَعْلَمُ أن النار أولى به من الجنة».
[سورة الملك (٦٧) : الآيات ١٢ الى ١٥]
إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢) وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَمَّنْ يَخَافُ مَقَامَ رَبِّهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ إِذَا كَانَ غَائِبًا عَنِ النَّاسِ، فَيَنْكَفُّ عَنِ الْمَعَاصِي وَيَقُومُ بِالطَّاعَاتِ حَيْثُ لَا يَرَاهُ أَحَدٌ إلا الله تعالى بأنه له مغفرة وأجر كبير أي تكفر عَنْهُ ذُنُوبَهُ وَيُجَازَى بِالثَّوَابِ الْجَزِيلِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي ظِلِّ عَرْشِهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلِّهِ» فَذَكَرَ مِنْهُمْ رَجُلًا دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجِمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلًا تَصَدَّقُ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ «٢».
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا طَالُوتُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَكُونُ عِنْدَكَ عَلَى حَالٍ فَإِذَا فَارَقْنَاكَ كُنَّا عَلَى غَيْرِهِ قَالَ: «كَيْفَ أَنْتُمْ وَرَبُّكُمْ؟» قَالُوا: اللَّهُ رَبُّنَا فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، قَالَ: «لَيْسَ ذَلِكُمُ النِّفَاقُ» لَمْ يَرْوِهِ عَنْ ثَابِتٍ إِلَّا الْحَارِثُ بن عبيد فيما نعلمه، ثم قال مُنَبِّهًا عَلَى أَنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلَى الضَّمَائِرِ وَالسَّرَائِرِ وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أي بما يخطر فِي الْقُلُوبِ.
أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ أَيْ أَلَا يَعْلَمُ الْخَالِقُ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَلَا يَعْلَمُ اللَّهُ مَخْلُوقَهُ؟ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِقَوْلِهِ: وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ، ثُمَّ ذَكَرَ نِعْمَتَهُ عَلَى خَلْقِهِ فِي تَسْخِيرِهِ لَهُمُ الْأَرْضَ وَتَذْلِيلِهِ إِيَّاهَا لَهُمْ بِأَنْ جعلها قارة ساكنة لا تميد وَلَا تَضْطَرِبُ بِمَا جَعَلَ فِيهَا مِنَ الْجِبَالِ وَأَنْبَعَ فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ، وَسَلَكَ فِيهَا مِنَ السبل، وهيأ فِيهَا مِنَ الْمَنَافِعِ وَمَوَاضِعِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ فَقَالَ تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها أَيْ فَسَافِرُوا حَيْثُ شِئْتُمْ مِنْ أَقْطَارِهَا وَتَرَدَّدُوا فِي أَقَالِيمِهَا وَأَرْجَائِهَا فِي أَنْوَاعِ الْمَكَاسِبِ وَالتِّجَارَاتِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ سَعْيَكُمْ لَا يُجْدِي
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «١» : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ الطَّائِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «لَنْ يَهْلِكَ النَّاسُ حَتَّى يُعْذِرُوا مِنْ أَنْفُسِهِمْ» وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ النَّارَ إِلَّا وَهُوَ يَعْلَمُ أن النار أولى به من الجنة».
[سورة الملك (٦٧) : الآيات ١٢ الى ١٥]
إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢) وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَمَّنْ يَخَافُ مَقَامَ رَبِّهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ إِذَا كَانَ غَائِبًا عَنِ النَّاسِ، فَيَنْكَفُّ عَنِ الْمَعَاصِي وَيَقُومُ بِالطَّاعَاتِ حَيْثُ لَا يَرَاهُ أَحَدٌ إلا الله تعالى بأنه له مغفرة وأجر كبير أي تكفر عَنْهُ ذُنُوبَهُ وَيُجَازَى بِالثَّوَابِ الْجَزِيلِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي ظِلِّ عَرْشِهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلِّهِ» فَذَكَرَ مِنْهُمْ رَجُلًا دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجِمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلًا تَصَدَّقُ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ «٢».
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا طَالُوتُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَكُونُ عِنْدَكَ عَلَى حَالٍ فَإِذَا فَارَقْنَاكَ كُنَّا عَلَى غَيْرِهِ قَالَ: «كَيْفَ أَنْتُمْ وَرَبُّكُمْ؟» قَالُوا: اللَّهُ رَبُّنَا فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، قَالَ: «لَيْسَ ذَلِكُمُ النِّفَاقُ» لَمْ يَرْوِهِ عَنْ ثَابِتٍ إِلَّا الْحَارِثُ بن عبيد فيما نعلمه، ثم قال مُنَبِّهًا عَلَى أَنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلَى الضَّمَائِرِ وَالسَّرَائِرِ وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أي بما يخطر فِي الْقُلُوبِ.
أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ أَيْ أَلَا يَعْلَمُ الْخَالِقُ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَلَا يَعْلَمُ اللَّهُ مَخْلُوقَهُ؟ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِقَوْلِهِ: وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ، ثُمَّ ذَكَرَ نِعْمَتَهُ عَلَى خَلْقِهِ فِي تَسْخِيرِهِ لَهُمُ الْأَرْضَ وَتَذْلِيلِهِ إِيَّاهَا لَهُمْ بِأَنْ جعلها قارة ساكنة لا تميد وَلَا تَضْطَرِبُ بِمَا جَعَلَ فِيهَا مِنَ الْجِبَالِ وَأَنْبَعَ فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ، وَسَلَكَ فِيهَا مِنَ السبل، وهيأ فِيهَا مِنَ الْمَنَافِعِ وَمَوَاضِعِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ فَقَالَ تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها أَيْ فَسَافِرُوا حَيْثُ شِئْتُمْ مِنْ أَقْطَارِهَا وَتَرَدَّدُوا فِي أَقَالِيمِهَا وَأَرْجَائِهَا فِي أَنْوَاعِ الْمَكَاسِبِ وَالتِّجَارَاتِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ سَعْيَكُمْ لَا يُجْدِي
(١) المسند ٤/ ٢٦٠، ٥/ ٢٩٣.
(٢) أخرجه البخاري في الأذان باب ٣٦، ومسلم في الزكاة حديث ٩١.
(٢) أخرجه البخاري في الأذان باب ٣٦، ومسلم في الزكاة حديث ٩١.
الآيات من ١٦ إلى ١٩
عَلَيْكُمْ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يُيَسِّرَهُ اللَّهُ لَكُمْ.
ولهذا قال تعالى: وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ فَالسَّعْيُ فِي السَّبَبِ لَا يُنَافِي التَّوَكُّلَ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «١» : حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ، أَخْبَرَنِي بَكْرُ بْنُ عَمْرٍو أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ هُبَيْرَةَ يَقُولُ: إِنَّهُ سَمِعَ أَبَا تَمِيمٍ الْجَيْشَانِيَّ يَقُولُ: إِنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَوْ أَنَّكُمْ تَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُو خِمَاصًا «٢» وَتَرُوحُ بِطَانًا» «٣» رَوَاهُ «٤» التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ هُبَيْرَةَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، فَأَثْبَتَ لَهَا رَوَاحًا وَغُدُوًّا لِطَلَبِ الرِّزْقِ مَعَ تَوَكُّلِهَا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ الْمُسَخِّرُ الْمُسَيِّرُ الْمُسَبِّبُ.
وَإِلَيْهِ النُّشُورُ أَيِ الْمَرْجِعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ والسدي وقتادة:
مَناكِبِها أَطْرَافُهَا وَفِجَاجُهَا وَنَوَاحِيهَا، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وقتادة أيضا: مَناكِبِها الْجِبَالُ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَكَّامٍ الْأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ فَامْشُوا فِي مَناكِبِها فَقَالَ لِأُمِّ وَلَدٍ لَهُ: إِنْ عَلِمْتِ مَناكِبِها فَأَنْتِ عَتِيقَةٌ فَقَالَتْ: هِيَ الْجِبَالُ، فَسَأَلَ أَبَا الدَّرْدَاءِ فَقَالَ: هِيَ الجبال.
[سورة الملك (٦٧) : الآيات ١٦ الى ١٩]
أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧) وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (١٨) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩)
وهذه أَيْضًا مَنْ لُطْفِهِ وَرَحْمَتِهِ بِخَلْقِهِ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى تَعْذِيبِهِمْ بِسَبَبِ كُفْرِ بَعْضِهِمْ بِهِ وَعِبَادَتِهِمْ مَعَهُ غَيْرَهُ، وَهُوَ مَعَ هَذَا يَحْلُمُ وَيَصْفَحُ ويؤجل ولا يعجل كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً [فاطر: ٤٥] وقال هاهنا أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ أَيْ تَذْهَبُ وَتَجِيءُ وَتَضْطَرِبُ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً أَيْ رِيحًا فِيهَا حَصْبَاءُ تدمغكم كما قال تعالى: أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا [الإسراء: ٦٨] وهكذا توعدهم هاهنا بِقَوْلِهِ فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ أَيْ كَيْفَ يَكُونُ إِنْذَارِي وَعَاقِبَةُ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ وَكَذَّبَ بِهِ.
ثم قال تعالى: وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَيْ مِنَ الْأُمَمِ السالفة والقرون الخالية
ولهذا قال تعالى: وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ فَالسَّعْيُ فِي السَّبَبِ لَا يُنَافِي التَّوَكُّلَ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «١» : حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ، أَخْبَرَنِي بَكْرُ بْنُ عَمْرٍو أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ هُبَيْرَةَ يَقُولُ: إِنَّهُ سَمِعَ أَبَا تَمِيمٍ الْجَيْشَانِيَّ يَقُولُ: إِنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَوْ أَنَّكُمْ تَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُو خِمَاصًا «٢» وَتَرُوحُ بِطَانًا» «٣» رَوَاهُ «٤» التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ هُبَيْرَةَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، فَأَثْبَتَ لَهَا رَوَاحًا وَغُدُوًّا لِطَلَبِ الرِّزْقِ مَعَ تَوَكُّلِهَا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ الْمُسَخِّرُ الْمُسَيِّرُ الْمُسَبِّبُ.
وَإِلَيْهِ النُّشُورُ أَيِ الْمَرْجِعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ والسدي وقتادة:
مَناكِبِها أَطْرَافُهَا وَفِجَاجُهَا وَنَوَاحِيهَا، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وقتادة أيضا: مَناكِبِها الْجِبَالُ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَكَّامٍ الْأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ فَامْشُوا فِي مَناكِبِها فَقَالَ لِأُمِّ وَلَدٍ لَهُ: إِنْ عَلِمْتِ مَناكِبِها فَأَنْتِ عَتِيقَةٌ فَقَالَتْ: هِيَ الْجِبَالُ، فَسَأَلَ أَبَا الدَّرْدَاءِ فَقَالَ: هِيَ الجبال.
[سورة الملك (٦٧) : الآيات ١٦ الى ١٩]
أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧) وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (١٨) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩)
وهذه أَيْضًا مَنْ لُطْفِهِ وَرَحْمَتِهِ بِخَلْقِهِ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى تَعْذِيبِهِمْ بِسَبَبِ كُفْرِ بَعْضِهِمْ بِهِ وَعِبَادَتِهِمْ مَعَهُ غَيْرَهُ، وَهُوَ مَعَ هَذَا يَحْلُمُ وَيَصْفَحُ ويؤجل ولا يعجل كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً [فاطر: ٤٥] وقال هاهنا أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ أَيْ تَذْهَبُ وَتَجِيءُ وَتَضْطَرِبُ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً أَيْ رِيحًا فِيهَا حَصْبَاءُ تدمغكم كما قال تعالى: أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا [الإسراء: ٦٨] وهكذا توعدهم هاهنا بِقَوْلِهِ فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ أَيْ كَيْفَ يَكُونُ إِنْذَارِي وَعَاقِبَةُ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ وَكَذَّبَ بِهِ.
ثم قال تعالى: وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَيْ مِنَ الْأُمَمِ السالفة والقرون الخالية
(١) المسند ١/ ٣٠، ٥٢.
(٢) الخماص: الجياع.
(٣) البطان: امتلاء البطن، والشبع.
(٤) أخرجه الترمذي في الزهد باب ٣٣، وابن ماجة في الزهد باب ١٤.
(٢) الخماص: الجياع.
(٣) البطان: امتلاء البطن، والشبع.
(٤) أخرجه الترمذي في الزهد باب ٣٣، وابن ماجة في الزهد باب ١٤.
الآيات من ٢٠ إلى ٢٧
فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ أَيْ فَكَيْفَ كَانَ إِنْكَارِي عَلَيْهِمْ وَمُعَاقَبَتِي لَهُمْ، أَيْ عَظِيمًا شَدِيدًا أَلِيمًا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ أَيْ تَارَةً يُصَفِّفْنَ أَجْنِحَتَهُنَّ في الهواء وتارة تجمع وَتَنْشُرُ جَنَاحًا مَا يُمْسِكُهُنَّ أَيْ فِي الْجَوِّ إِلَّا الرَّحْمنُ أَيْ بِمَا سَخَّرَ لَهُنَّ مِنَ الْهَوَاءِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلُطْفِهِ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ أَيْ بِمَا يُصْلِحُ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ مخلوقاته، وهذه كقوله تعالى أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [النحل: ٧٩].
[سورة الملك (٦٧) : الآيات ٢٠ الى ٢٧]
أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ إِنِ الْكافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ (٢٠) أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (٢١) أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢) قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ (٢٣) قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)
وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٥) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٦) فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (٢٧)
يَقُولُ تَعَالَى لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ عبدوا معه غَيْرَهُ يَبْتَغُونَ عِنْدَهُمْ نَصْرًا وَرِزْقًا، مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ فِيمَا اعْتَقَدُوهُ وَمُخْبِرًا لَهُمْ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ لهم ما أملوه، فقال تعالى: أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ أَيْ لَيْسَ لَكُمْ مَنْ دُونِهِ مَنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ وَلَا نَاصِرَ لكم غيره، ولهذا قال تعالى: إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ ثُمَّ قَالَ تعالى: أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ أَيْ مَنْ هَذَا الَّذِي إِذَا قَطَعَ اللَّهُ عنكم رزقه يَرْزُقُكُمْ بَعْدَهُ، أَيْ لَا أَحَدَ يُعْطِي وَيَمْنَعُ وَيَخْلُقُ وَيَرْزُقُ وَيَنْصُرُ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، أَيْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ وَمَعَ هَذَا يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ، وَلِهَذَا قَالَ تعالى: بَلْ لَجُّوا أَيِ اسْتَمَرُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ وَإِفْكِهِمْ وضلالهم فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ أي في معاندة واستكبار ونفور على إدبارهم عن الحق لَا يَسْمَعُونَ لَهُ وَلَا يَتَّبِعُونَهُ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ، فَالْكَافِرُ مَثَلُهُ فِيمَا هُوَ فِيهِ كَمَثَلِ مَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ، أَيْ يَمْشِي مُنْحَنِيًا لَا مُسْتَوِيًا عَلَى وَجْهِهِ أَيْ لَا يَدْرِي أَيْنَ يَسْلُكُ وَلَا كَيْفَ يَذْهَبُ بَلْ تَائِهٌ حَائِرٌ ضَالٌّ، أَهَذَا أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا أَيْ مُنْتَصِبَ الْقَامَةِ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أَيْ عَلَى طَرِيقٍ وَاضِحٍ بَيِّنٍ وَهُوَ فِي نَفْسِهِ مُسْتَقِيمٌ وَطَرِيقُهُ مُسْتَقِيمَةٌ، هَذَا مَثَلُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ يَكُونُونَ فِي الْآخِرَةِ، فَالْمُؤْمِنُ يُحْشَرُ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مستقيم مفض بِهِ إِلَى الْجَنَّةِ الْفَيْحَاءِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَإِنَّهُ يُحْشَرُ يَمْشِي عَلَى وَجْهِهِ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ.
احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ مَا لَكُمْ لَا تَناصَرُونَ بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ [الصافات: ٢٢-
[سورة الملك (٦٧) : الآيات ٢٠ الى ٢٧]
أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ إِنِ الْكافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ (٢٠) أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (٢١) أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢) قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ (٢٣) قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)
وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٥) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٦) فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (٢٧)
يَقُولُ تَعَالَى لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ عبدوا معه غَيْرَهُ يَبْتَغُونَ عِنْدَهُمْ نَصْرًا وَرِزْقًا، مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ فِيمَا اعْتَقَدُوهُ وَمُخْبِرًا لَهُمْ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ لهم ما أملوه، فقال تعالى: أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ أَيْ لَيْسَ لَكُمْ مَنْ دُونِهِ مَنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ وَلَا نَاصِرَ لكم غيره، ولهذا قال تعالى: إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ ثُمَّ قَالَ تعالى: أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ أَيْ مَنْ هَذَا الَّذِي إِذَا قَطَعَ اللَّهُ عنكم رزقه يَرْزُقُكُمْ بَعْدَهُ، أَيْ لَا أَحَدَ يُعْطِي وَيَمْنَعُ وَيَخْلُقُ وَيَرْزُقُ وَيَنْصُرُ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، أَيْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ وَمَعَ هَذَا يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ، وَلِهَذَا قَالَ تعالى: بَلْ لَجُّوا أَيِ اسْتَمَرُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ وَإِفْكِهِمْ وضلالهم فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ أي في معاندة واستكبار ونفور على إدبارهم عن الحق لَا يَسْمَعُونَ لَهُ وَلَا يَتَّبِعُونَهُ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ، فَالْكَافِرُ مَثَلُهُ فِيمَا هُوَ فِيهِ كَمَثَلِ مَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ، أَيْ يَمْشِي مُنْحَنِيًا لَا مُسْتَوِيًا عَلَى وَجْهِهِ أَيْ لَا يَدْرِي أَيْنَ يَسْلُكُ وَلَا كَيْفَ يَذْهَبُ بَلْ تَائِهٌ حَائِرٌ ضَالٌّ، أَهَذَا أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا أَيْ مُنْتَصِبَ الْقَامَةِ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أَيْ عَلَى طَرِيقٍ وَاضِحٍ بَيِّنٍ وَهُوَ فِي نَفْسِهِ مُسْتَقِيمٌ وَطَرِيقُهُ مُسْتَقِيمَةٌ، هَذَا مَثَلُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ يَكُونُونَ فِي الْآخِرَةِ، فَالْمُؤْمِنُ يُحْشَرُ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مستقيم مفض بِهِ إِلَى الْجَنَّةِ الْفَيْحَاءِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَإِنَّهُ يُحْشَرُ يَمْشِي عَلَى وَجْهِهِ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ.
احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ مَا لَكُمْ لَا تَناصَرُونَ بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ [الصافات: ٢٢-
الآيات من ٢٨ إلى ٣٠
٢٦] الآيات. أزواجهم: أشباههم. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «١» رَحِمَهُ اللَّهُ: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ نُفَيْعٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى وُجُوهِهِمْ؟ فَقَالَ: «أَلَيْسَ الَّذِي أَمْشَاهُمْ عَلَى أَرْجُلِهِمْ قَادِرًا عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُمْ عَلَى وُجُوهِهِمْ» «٢» وَهَذَا الْحَدِيثُ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ شَيْبَانَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ بِهِ نحوه.
وقوله تعالى: قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ أَيِ ابْتَدَأَ خَلْقَكُمْ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُونُوا شَيْئًا مَذْكُورًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ أَيِ الْعُقُولَ وَالْإِدْرَاكَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ أي قلما تَسْتَعْمِلُونَ هَذِهِ الْقُوَى الَّتِي أَنْعَمَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فِي طَاعَتِهِ وَامْتِثَالِ أَوَامِرِهِ وَتَرْكِ زَوَاجِرِهِ قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ أَيْ بَثَّكُمْ وَنَشَرَكُمْ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ وَأَرْجَائِهَا مَعَ اختلاف ألسنتكم في لغاتكم وألوانكم، وحلالكم وَأَشْكَالِكُمْ وَصُوَرِكُمْ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ أَيْ تُجْمَعُونَ بَعْدَ هَذَا التَّفَرُّقِ وَالشَّتَاتِ، يَجْمَعُكُمْ كَمَا فَرَّقَكُمْ وَيُعِيدُكُمْ كما بدأكم. ثم قال تعالى مُخْبِرًا عَنِ الْكُفَّارِ الْمُنْكِرِينَ لِلْمَعَادِ الْمُسْتَبْعِدِينَ وُقُوعَهُ وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أَيْ مَتَى يَقَعُ هَذَا الَّذِي تُخْبِرُنَا بِكَوْنِهِ مِنْ الِاجْتِمَاعِ بَعْدَ هَذَا التَّفَرُّقِ قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ أَيْ لَا يَعْلَمُ وَقْتَ ذَلِكَ عَلَى التَّعْيِينِ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَكِنَّهُ أَمَرَنِي أَنْ أُخْبِرَكُمْ أَنَّ هَذَا كَائِنٌ وَوَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ فَاحْذَرُوهُ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ أي وَإِنَّمَا عَلَيَّ الْبَلَاغُ وَقَدْ أَدَّيْتُهُ إِلَيْكُمْ.
قَالَ تَعَالَى: فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا أَيْ لَمَّا قَامَتِ الْقِيَامَةُ وَشَاهَدَهَا الْكُفَّارُ وَرَأَوْا أَنَّ الْأَمْرَ كَانَ قَرِيبًا لِأَنَّ كُلَّ مَا هُوَ آتٍ آتٍ وَإِنْ طَالَ زَمَنُهُ، فَلَمَّا وَقَعَ مَا كَذَّبُوا بِهِ سَاءَهُمْ ذَلِكَ لِمَا يَعْلَمُونَ مَا لَهُمْ هُنَاكَ مِنَ الشَّرِّ أَيْ فَأَحَاطَ بِهِمْ ذَلِكَ وَجَاءَهُمْ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِي بَالٍ وَلَا حِسَابٍ وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ مَا كَسَبُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ [الزُّمَرِ: ٤٧- ٤٨] وَلِهَذَا يُقَالُ لَهُمْ عَلَى وَجْهِ التَّقْرِيعِ وَالتَّوْبِيخِ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ أَيْ تستعجلون.
[سورة الملك (٦٧) : الآيات ٢٨ الى ٣٠]
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٢٨) قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ (٣٠)
يَقُولُ تَعَالَى: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ الْجَاحِدِينَ لِنِعَمِهِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ أَيْ خَلِّصُوا أَنْفُسَكُمْ فَإِنَّهُ لَا مُنْقِذَ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ إِلَّا التَّوْبَةُ وَالْإِنَابَةُ وَالرُّجُوعُ إِلَى دِينِهِ وَلَا يَنْفَعُكُمْ وُقُوعُ مَا تَتَمَنَّوْنَ لَنَا مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ، فَسَوَاءٌ عَذَّبَنَا اللَّهُ أَوْ رَحِمَنَا فَلَا مَنَاصَ لَكُمْ مِنْ نَكَالِهِ وَعَذَابِهِ الْأَلِيمِ الواقع بكم.
ثم قال تعالى: قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا أي آمنا برب العالمين الرّحمن الرّحيم
وقوله تعالى: قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ أَيِ ابْتَدَأَ خَلْقَكُمْ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُونُوا شَيْئًا مَذْكُورًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ أَيِ الْعُقُولَ وَالْإِدْرَاكَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ أي قلما تَسْتَعْمِلُونَ هَذِهِ الْقُوَى الَّتِي أَنْعَمَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فِي طَاعَتِهِ وَامْتِثَالِ أَوَامِرِهِ وَتَرْكِ زَوَاجِرِهِ قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ أَيْ بَثَّكُمْ وَنَشَرَكُمْ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ وَأَرْجَائِهَا مَعَ اختلاف ألسنتكم في لغاتكم وألوانكم، وحلالكم وَأَشْكَالِكُمْ وَصُوَرِكُمْ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ أَيْ تُجْمَعُونَ بَعْدَ هَذَا التَّفَرُّقِ وَالشَّتَاتِ، يَجْمَعُكُمْ كَمَا فَرَّقَكُمْ وَيُعِيدُكُمْ كما بدأكم. ثم قال تعالى مُخْبِرًا عَنِ الْكُفَّارِ الْمُنْكِرِينَ لِلْمَعَادِ الْمُسْتَبْعِدِينَ وُقُوعَهُ وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أَيْ مَتَى يَقَعُ هَذَا الَّذِي تُخْبِرُنَا بِكَوْنِهِ مِنْ الِاجْتِمَاعِ بَعْدَ هَذَا التَّفَرُّقِ قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ أَيْ لَا يَعْلَمُ وَقْتَ ذَلِكَ عَلَى التَّعْيِينِ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَكِنَّهُ أَمَرَنِي أَنْ أُخْبِرَكُمْ أَنَّ هَذَا كَائِنٌ وَوَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ فَاحْذَرُوهُ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ أي وَإِنَّمَا عَلَيَّ الْبَلَاغُ وَقَدْ أَدَّيْتُهُ إِلَيْكُمْ.
قَالَ تَعَالَى: فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا أَيْ لَمَّا قَامَتِ الْقِيَامَةُ وَشَاهَدَهَا الْكُفَّارُ وَرَأَوْا أَنَّ الْأَمْرَ كَانَ قَرِيبًا لِأَنَّ كُلَّ مَا هُوَ آتٍ آتٍ وَإِنْ طَالَ زَمَنُهُ، فَلَمَّا وَقَعَ مَا كَذَّبُوا بِهِ سَاءَهُمْ ذَلِكَ لِمَا يَعْلَمُونَ مَا لَهُمْ هُنَاكَ مِنَ الشَّرِّ أَيْ فَأَحَاطَ بِهِمْ ذَلِكَ وَجَاءَهُمْ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِي بَالٍ وَلَا حِسَابٍ وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ مَا كَسَبُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ [الزُّمَرِ: ٤٧- ٤٨] وَلِهَذَا يُقَالُ لَهُمْ عَلَى وَجْهِ التَّقْرِيعِ وَالتَّوْبِيخِ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ أَيْ تستعجلون.
[سورة الملك (٦٧) : الآيات ٢٨ الى ٣٠]
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٢٨) قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ (٣٠)
يَقُولُ تَعَالَى: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ الْجَاحِدِينَ لِنِعَمِهِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ أَيْ خَلِّصُوا أَنْفُسَكُمْ فَإِنَّهُ لَا مُنْقِذَ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ إِلَّا التَّوْبَةُ وَالْإِنَابَةُ وَالرُّجُوعُ إِلَى دِينِهِ وَلَا يَنْفَعُكُمْ وُقُوعُ مَا تَتَمَنَّوْنَ لَنَا مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ، فَسَوَاءٌ عَذَّبَنَا اللَّهُ أَوْ رَحِمَنَا فَلَا مَنَاصَ لَكُمْ مِنْ نَكَالِهِ وَعَذَابِهِ الْأَلِيمِ الواقع بكم.
ثم قال تعالى: قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا أي آمنا برب العالمين الرّحمن الرّحيم
(١) المسند ٣/ ١٦٧.
(٢) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٢٥، باب ١، ومسلم في المنافقين حديث ٥٤.
(٢) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٢٥، باب ١، ومسلم في المنافقين حديث ٥٤.
تقدم القراءة
تم عرض جميع الآيات
6 مقطع من التفسير