جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
يقول تعالى ذكره : قد نجح وأدرك طلبته من تطهّر من الكفر ومعاصي الله، وعمل بما أمره الله به، فأدّى فرائضه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : قَدْ أفْلَحَ مَنْ تَزَكّى يقول : من تَزَكّى من الشرك.
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، قال : حدثنا هشام، عن الحسن، في قوله قَدْ أفْلَحَ مَنْ تَزَكّى قال : من كان عمله زاكيا.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة قَدْ أفْلَحَ مَنْ تَزَكّى قال : يعمل وَرِعا.
حدثني سعد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال : حدثنا حفص بن عُمر العَدَنيّ، عن الحكم، عن عكرِمة، في قوله : قَدْ أفْلَحَ مَنْ تَزَكّى من قال : لا إله إلاّ الله.
وقال آخرون : بل معنى ذلك : قد أفلح من أدّى زكاة ماله. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا مهران، عن سفيان، عن عليّ بن الأقمر، عن أبي الأحوص قَدْ أفْلَحَ مَنْ تَزَكّى قال : من استطاع أن يرضَخَ فليفعل، ثم ليقم فليصلّ.
حدثنا محمد بن عمارة الرازي، قال : حدثنا أبو نعيم، قال : حدثنا سفيان، عن عليّ بن الأقمر، عن أبي الأحوص قَدْ أفْلَحَ مَنْ تَزَكّى قال : من رَضَخ.
حدثنا محمد بن عمارة، قال : حدثنا عثمان بن سعيد بن مرّة، قال : حدثنا زهير، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، قال : إذا أتى أحدكم سائل وهو يريد الصلاة، فليقدّم بين يدي صلاته زكاته، فإن الله يقول : قَدْ أفْلَحَ مَنْ تَزَكّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبّهِ فَصَلّى فمن استطاع أن يقدّم بين يدي صلاته زكاةً فليفعل.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : قَدْ أفْلَحَ مَنْ تَزَكّى تزكى رجل من ماله، وأرضى خالقه.
وقال آخرون : بل عنى بذلك زكاة الفطر. ذكر من قال ذلك :
حدثني عمرو بن عبد الحميد الأملي، قال : حدثنا مروان بن معاوية، عن أبي خلدة، قال : دخلت على أبي العالية، فقال لي : إذا غَدَوت غدا إلى العيد فمرّ بي، قال : فمررت به، فقال : هل طَعِمت شيئا ؟ قلت : نعم، قال : أَفَضْت على نفسك من الماء ؟ قلت : نعم، قال : فأخبرني ما فعلت بزكاتك ؟ قلت : قد وجّهتها، قال : إنما أردتك لهذا، ثم قرأ : قَدْ أفْلَحَ مَنْ تَزَكّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبّهِ فَصَلّى وقال : إن أهل المدينة لا يَرَون صدقة أفضل منها، ومن سِقاية الماء.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
وقوله: (ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا) يقول: ثم لا يموت في النار الكبرى ولا يحيا، وذلك أن نفس أحدهم تصير فيها في حلقه، فلا تخرج فتفارقه فيموت، ولا ترجع إلى موضعها من الجسم فيحيا. وقيل: لا يموت فيها فيستريح، ولا يحيا حياة تنفعه.
وقال آخرون: قيل ذلك؛ لأن العرب كانت إذا وصفت الرجل بوقوع في شدة شديدة، قالوا: لا هو حيّ، ولا هو ميت، فخاطبهم الله بالذي جرى به ذلك من كلامهم.