جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
يقول تعالى ذكره : لهؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناتُ عدن، يعني بساتين إقامة في الآخرة. تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأنهَارُ يقول : تجري من دونهم ومن أيديهم الأنهار. وقال جلّ ثناؤه : من تحتهم، ومعناه : من دونهم وبين أيديهم، يُحَلّوْنَ فِيها مِنْ أساوِرَ يقول : يلبسون فيها من الحليّ أساور من ذهب، والأساور : جمع أسوار.
وقوله : يَلْبَسُونَ ثِيابا خُضْرا مِنْ سُنْدُسٍ والسندس : جمع واحدها سندسة، وهي ما رقّ من الديباج : والاستبرق : ما غلظ منه وَثخُن وقيل : إن الاستبرق : هو الحرير ومنه قول المرَقّش :
| تَرَاهُنّ يَلْبَسْنَ المَشاعِرَ مَرّةً | واسْتَبْرَقَ الدّيباجِ طَوْرا لِباسُها |
وقوله : متكئين فِيها على الأرَائِكِ يقول : متكئين في جنات عدن على الأرائك، وهي السّرُر في الحِجال، واحدتها : أريكة ومنه قول الشاعر :
| خُدُودا جَفَتْ في السّيْرِ حتى كأنّما | يُباشِرْنَ بالمَعْزاءِ مَسّ الأرَائِك |
| بينَ الرّوَاقِ وجانِبٍ مِنْ سِتْرِها | مِنْها وبينَ أرِيكَةٍ الأنْضادِ |
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله عَلَى الأرَائِكِ قال : هي الحجال. قال معمر، وقال غيره : السرر في الحجال.
وقوله : نِعْمَ الثّوَابُ يقول : نعم الثواب جنات عدن، وما وصف جلّ ثناؤه أنه جعل لهؤلاء الذين آمنوا وعلموا الصالحات وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقا يقول : وحسُنت هذه الأرائك في هذه الجنان التي وصف تعالى ذكره في هذه الآية متكأ. وقال جلّ ثناؤه : وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقا فأنث الفعل بمعنى : وحسنت هذه الأرائك مرتَفَقا، ولو ذكر لتذكير المرتفق كان صوابا، لأن نِعْم وبِئْس إنما تدخلهما العرب في الكلام لتدلا على المدح والذمّ لا للفعل، فلذلك تذكرهما مع المؤنث، وتوحّدهما مع الاثنين والجماعة.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (٣١)﴾
يقول تعالى ذكره: لهؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناتُ عدن، يعني بساتين إقامة في الآخرة، (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأنْهَارُ) يقول: تجري من دونهم ومن بين أيديهم الأنهار،
وقال جلّ ثناؤه: من تحتهم، ومعناه: من دونهم وبين أيديهم، (يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ) يقول: يلبسون فيها من الحلي أساور من ذهب، والأساور: جمع إسوار.
وقوله: (وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ)
والسندس: جمع واحدها سندسة، وهي ما رقّ من الديباج، والإستبرق: ما غلظ منه وثخُن، وقيل: إن الإستبرق: هو الحرير، ومنه قول المُرقش:
| تَرَهُنَّ يَلْبَسْنَ المَشاعِرَ مَرَّةٌ | وإسْتَبْرَقَ الدّيباجِ طَوْرًا لِباسُها (١) |
وقوله: (مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأرَائِكِ) يقول: متكئين في جنات عدن على الأرائك، وهي السرر في الحِجال، واحدتها: أريكة، ومنه قول الشاعر:
| خُدُودا جَفَتْ في السَّيْرِ حتى كأنَّما | يُبًاشرن بالمَعْزاءِ مَسّ الأرَائك (٢) |
| بينَ الّرَواق وجانِبِ مِن سِتْرها | مِنْها وبين أرِيكَةِ الأنْضَادِ (٣) |
(٢) البيت لذي الرمة (ديوانه طبع كيمبردج سنة ١٩١٩ ص ٤٢٢) وقبله قوله:
| إذا وَقَعُوا وَهْنا كَسَوْا حَيْثُ مَوَّتَتْ | مِنَ الجَهْدِ أنْفاسُ الرّياحِ الحَوَاشِكِ |
(٣) البيت لم أجده في ديوان الأعشى ميمون، ولا سائر أشعار العشى الملحقة به، إنما وجدت بيتين اثنين من وزنه وقافيته، ص ٢٤٥ طبعة الدكتور محمد حسين بالقاهرة. ولم أجد غيرها. والرواق، بضم الراء المشددة وكسرها: الخيمة. والبيت شاهد كالذي قبله، على أن معنى الأرائك: السرر في الحجال، وأن واحدتها: أريكة. والأنضاد: جمع نضد بالتحريك، وهو ما نضد من متاع البيت، وجعل بعضه فوق بعض.