محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٣٤ من سورة النّور في ١٠٠ كتاب من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و١٧ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٣٤ من سورة النّور

١٠٠ كتاب من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مّبَيّنَاتٍ وَمَثَلاً مّنَ الّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لّلْمُتّقِينَ﴾.


يقول تعالى ذكره : ولقد أنزلنا إليكم أيها الناس دِلالات وعلامات مبيّنات يقول : مفصّلاتٍ الحقّ من الباطل، وموضّحات ذلك.
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة وبعض الكوفيين والبصريين :«مُبَيّناتٍ » بفتح الياء : بمعنى مفصّلات، وأن الله فصّلَهن وبيّنَهنّ لعباده، فهنّ مفصّلات مبيّنات. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة : مُبَيّناتٍ بكسر الياء، بمعنى أن الآيات هن تبين الحقّ والصواب للناس وتهديهم إلى الحقّ.
والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان معروفتان، وقد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرّاء، متقاربتا المعنى. وذلك أن الله إذ فصّلها وبيّنها صارت مبيّنة بنفسها الحقّ لمن التمسه من قِبَلها، وإذا بيّنت ذلك لمن التمسه من قَبِلها فيبين الله ذلك فيها. فبأيّ القراءتين قرأ القارئ فمصيب في قراءته الصواب.
وقوله : وَمَثَلاً مِنَ الّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ من الأمم، وموعظة لمن اتقى الله، فخاف عقابه وخشي عذابه.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
لهنّ يعني إذا أكرهن.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ) على الزنا، قال: عبد الله بن أُبي ابن سلول أمر أمة له بالزنا، فجاءته بدينار أو ببرد "شكّ أبو عاصم" فأعطته، فقال: ارجعي فازني بآخر، فقالت: والله ما أنا براجعة، فالله غفور رحيم للمكرهات على الزنا، ففي هذا أنزلت هذه الآية.
حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، نحوه. إلا أنه قال في حديثه: أمر أمة له بالزنا، فزنت فجاءته ببرد فأعطته، فلم يشك.
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ) يقول: على الزنا (فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ) يقول: غفور لهنّ، للمكرهات على الزنا.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال: ابن زيد، في قوله: (وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ) قال: غفور رحيم لهنّ حين أكرهن وقسرن على ذلك.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، قال: كانوا يأمرون ولائدهم يباغين يفعلن ذلك، فيصبن، فيأتينهم بكسبهنّ، فكانت لعبد الله بن أُبي ابن سلول جارية، فكانت تباغي. فكرهت وحلفت أن لا تفعله، فأكرهها أهلها، فانطلقت فباغت ببرد أخضر، فأتتهم به، فأنزل الله تبارك وتعالى: (وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ)... الآية.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنزلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٣٤)﴾
يقول تعالى ذكره: ولقد أنزلنا إليكم أيها الناس دلالات وعلامات مبينات: يقول مفصلات الحقّ من الباطل، وموضحات ذلك.
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة، وبعض الكوفيين والبصريين "مُبَيَّنَاتٍ" بفتح الياء: بمعنى مفصلات، وأن الله فصلهن وبينهنّ لعباده، فهنّ مفصلات مبينات. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة: (مُبَيِّنَاتٍ) بكسر الياء، بمعنى أن الآيات هن تبين

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
رسول الله ﷺ يقول وَهُوَ خَارِجٌ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَقَدِ اخْتَلَطَ الرِّجَالُ مَعَ النِّسَاءِ فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلنِّسَاءِ «اسْتَأْخِرْنَ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكُنَّ أَنْ تَحْقُقْنَ الطَّرِيقَ، عَلَيْكُنَّ بِحَافَّاتِ الطَّرِيقِ» فَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تُلْصَقُ بِالْجِدَارِ حَتَّى إِنَّ ثَوْبَهَا لِيَتَعَلَّقُ بِالْجِدَارِ مِنْ لُصُوقِهَا بِهِ.
وَقَوْلُهُ تعالى: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ أَيْ افْعَلُوا مَا آمُرُكُمْ بِهِ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ الْجَمِيلَةِ وَالْأَخْلَاقِ الْجَلِيلَةِ وَاتْرُكُوا مَا كَانَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الْأَخْلَاقِ وَالصِّفَاتِ الرَّذِيلَةِ، فَإِنَّ الْفَلَاحَ كُلَّ الْفَلَاحِ فِي فِعْلِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ وَتَرْكِ مَا نهيا عنه، والله تعالى هو المستعان.

[سورة النور (٢٤) : الآيات ٣٢ الى ٣٤]

وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢) وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣) وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَمَثَلاً مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٣٤)
اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ الْكَرِيمَاتُ الْمُبِينَةُ عَلَى جُمَلٍ مِنَ الْأَحْكَامِ الْمُحْكَمَةِ وَالْأَوَامِرِ الْمُبْرَمَةِ، فَقَوْلُهُ تعالى: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ إلى آخره، هَذَا أَمْرٌ بِالتَّزْوِيجِ. وَقَدْ ذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى وُجُوبِهِ عَلَى كُلِّ مَنْ قَدَرَ عليه. واحتجوا بظاهر قوله عليه السلام «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» «١»، أخرجاه في الصحيحين من حديث ابن مسعود.
وقد جاء فِي السُّنَنِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ «تَزَوَّجُوا تَوَالَدُوا تَنَاسَلُوا فَإِنِّي مُبَاهٍ بِكُمُ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» «٢». وَفِي رِوَايَةٍ: «حَتَّى بِالسِّقْطِ»، الْأَيَامَى جَمْعُ أَيِّمٍ، وَيُقَالُ ذَلِكَ لِلْمَرْأَةِ الَّتِي لَا زَوْجَ لها وللرجل الذي لا زوجة له، سواء كَانَ قَدْ تَزَوَّجَ ثُمَّ فَارَقَ أَوْ لَمْ يَتَزَوَّجْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، حَكَاهُ الْجَوْهَرِيُّ عَنْ أَهْلِ اللغة، يقال رجل أيم وامرأة أيم.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ الْآيَةَ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: رَغَّبَهُمُ اللَّهُ فِي التَّزْوِيجِ وَأَمَرَ بِهِ الْأَحْرَارَ وَالْعَبِيدَ وَوَعَدَهُمْ عَلَيْهِ الْغِنَى، فَقَالَ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ الْأَزْرَقُ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ عَنْ سَعِيدٍ- يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ- قال: بلغني أن أبا بكر الصديق
(١) أخرجه البخاري في الصوم باب ١٠، ومسلم في النكاح حديث ١.
(٢) أخرجه أبو داود في النكاح باب ٣.
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أَطِيعُوا اللَّهَ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ مِنَ النِّكَاحِ يُنْجِزْ لَكُمْ مَا وعدكم من الغنى قال تَعَالَى: إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: الْتَمِسُوا الْغِنَى فِي النِّكَاحِ.
يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَذَكَرَ الْبَغَوِيُّ عَنْ عُمَرَ بِنَحْوِهِ.
وَعَنِ اللَّيْثِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمْ: النَّاكِحُ يُرِيدُ الْعَفَافَ، وَالْمُكَاتَبُ يُرِيدُ الْأَدَاءَ، وَالْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ» «١» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. وقد زوج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ الرَّجُلَ الَّذِي لم يجد عليه إِلَّا إِزَارَهُ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى خَاتَمٍ مِنْ حَدِيدٍ، وَمَعَ هَذَا فَزَوَّجَهُ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ وَجَعَلَ صداقها عليه أن يعلمها ما معه مِنَ الْقُرْآنِ. وَالْمَعْهُودُ مِنْ كَرَمِ اللَّهِ تَعَالَى ولطفه أن يرزقه ما فيه كفاية لها وله، وأما مَا يُورِدُهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ عَلَى أَنَّهُ حَدِيثُ «تَزَوَّجُوا فُقَرَاءَ يُغْنِكُمُ اللَّهُ» فَلَا أَصْلَ لَهُ وَلَمْ أَرَهُ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ وَلَا ضَعِيفٍ إِلَى الْآنَ، وَفِي الْقُرْآنِ غَنِيَّةٌ عَنْهُ، وَكَذَا هذه الأحاديث التي أوردناها، ولله الحمد والمنة.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هَذَا أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِمَنْ لَا يَجِدُ تَزْوِيجًا بالتعفف عن الحرام كما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» الحديث، وَهَذِهِ الْآيَةُ مُطْلَقَةٌ، وَالَّتِي فِي سُورَةِ النِّسَاءِ أخص منها وهي قوله وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ- إلى قوله- وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ [النِّسَاءِ: ٢٥] أَيْ صَبْرُكُمْ عن تزوج الإماء خير لكم، لِأَنَّ الْوَلَدَ يَجِيءُ رَقِيقًا وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ قَالَ عِكْرِمَةُ فِي قَوْلِهِ وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكاحاً قَالَ: هُوَ الرَّجُلُ يَرَى الْمَرْأَةَ فَكَأَنَّهُ يَشْتَهِي، فَإِنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ فَلْيَذْهَبْ إِلَيْهَا وَلْيَقْضِ حَاجَتَهُ مِنْهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ له امرأة فلينظر في ملكوت السموات والأرض حتى يغنيه الله.
وقوله تعالى: وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً هَذَا أَمْرٌ مِنَ الله تعالى للسادة إذا طلب عبيدهم منهم الكتابة أن يكاتبوهم بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ لِلْعَبْدِ حِيلَةٌ وَكَسْبٌ يُؤَدِّي إِلَى سَيِّدِهِ الْمَالَ الَّذِي شَارَطَهُ عَلَى أَدَائِهِ، وَقَدْ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ أَمْرُ إِرْشَادٍ وَاسْتِحْبَابٍ، لَا أَمْرَ تَحَتُّمٍ وَإِيجَابٍ، بَلِ السَّيِّدُ مُخَيَّرٌ إِذَا طَلَبَ مِنْهُ عَبْدُهُ الْكِتَابَةَ، إِنْ شَاءَ كَاتَبَهُ وَإِنْ شاء لم يكاتبه قال الثَّوْرِيُّ عَنْ جَابِرٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ: إِنْ شَاءَ كاتبه وإن شاء لم يكاتبه. وكذا قال ابْنِ وَهْبٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ رَجُلٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ: إِنْ يشأ يكاتبه وإن يَشَأْ لَمْ يُكَاتِبْهُ. وَكَذَا قَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حيان والحسن البصري، وذهب آخرون إلى
(١) أخرجه الترمذي في فضائل الجهاد باب ٢٠، والنسائي في الجهاد باب ١٢، والنكاح باب ٥، وابن ماجة في العتق باب ٣، وأحمد في المسند ٢/ ٢٥١، ٤٣٧.
أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ إِذَا طَلَبَ مِنْهُ عَبْدُهُ ذَلِكَ أَنْ يُجِيبَهُ إِلَى مَا طَلَبَ أخذا بظاهر هذا الأمر.
وقال الْبُخَارِيُّ: وَقَالَ رَوْحٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَوَاجِبٌ عَلَيَّ إِذَا عَلِمْتُ لَهُ مَالًا أَنْ أُكَاتِبَهُ، قَالَ: مَا أَرَاهُ إِلَّا وَاجِبًا. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَتَأْثِرُهُ عَنْ أَحَدٍ؟ قَالَ: لَا، ثُمَّ أَخْبَرَنِي أَنَّ مُوسَى بْنَ أَنَسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ سِيرِينَ سَأَلَ أَنَسًا الْمُكَاتَبَةَ، وَكَانَ كَثِيرَ الْمَالِ فَأَبَى، فَانْطَلَقَ إلى عمر رضي الله عنه، فَقَالَ: كَاتِبْهُ، فَأَبَى فَضَرَبَهُ بِالدُّرَّةِ، وَيَتْلُو عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً فَكَاتَبَهُ «١» هَكَذَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا، وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا ابْنُ جِرَيْجٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَوَاجِبٌ عَلَيَّ إِذَا عَلِمْتُ لَهُ مَالًا أَنْ أُكَاتِبَهُ؟ قَالَ: مَا أَرَاهُ إِلَّا وَاجِبًا.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ «٢» : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ سِيرِينَ أَرَادَ أَنْ يُكَاتِبَهُ، فَتَلَكَّأَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لِتُكَاتِبَنَّهُ، إِسْنَادٌ صَحِيحٌ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: حَدَّثَنَا هُشَيْمُ بْنُ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحَّاكِ قال: هي عزمة، وهذا القول القديم من قولي الشافعي، وَذَهَبَ فِي الْجَدِيدِ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ لقوله عليه السلام «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبٍ مِنْ نَفْسِهِ». وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: قَالَ مَالِكٌ: الأمر عندنا أنه لَيْسَ عَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ أَنْ يُكَاتِبَهُ إِذَا سَأَلَهُ ذَلِكَ، وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنَ الْأَئِمَّةِ أَكْرَهَ أَحَدًا عَلَى أَنْ يُكَاتِبَ عَبْدَهُ. قَالَ مالك: وإنما ذلك أمر من الله تعالى وَإِذَنٌ مِنْهُ لِلنَّاسِ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ. وَكَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَغَيْرُهُمْ، وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ قَوْلَ الوجوب لظاهر الآية.
وقوله تعالى: إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً قَالَ بَعْضُهُمْ: أَمَانَةً، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: صِدْقًا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَالًا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: حِيلَةً وَكَسْبًا. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً قَالَ «إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ حِرْفَةً، وَلَا تُرْسِلُوهُمْ كَلًّا عَلَى الناس»، وقوله تعالى: وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ اخْتَلَفَ المفسرون فيه، فقال بعضهم: مَعْنَاهُ اطْرَحُوا لَهُمْ مِنَ الْكِتَابَةِ بَعْضَهَا، ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ: مِقْدَارَ الرُّبْعِ، وَقِيلَ الثُّلُثُ، وَقِيلَ النِّصْفُ، وَقِيلَ جُزْءٌ مِنَ الْكِتَابَةِ مِنْ غَيْرِ حد.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ هُوَ النَّصِيبُ الذي فرض الله لهم من أموال الزكاة، وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَأَبِيهِ وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ فِي قَوْلِهِ وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ قَالَ: حث الناس عليه مولاه وغيره، وكذا قَالَ بُرَيْدَةُ بْنُ الْحُصَيْبِ الْأَسْلَمِيُّ وَقَتَادَةُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَرَ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُعِينُوا فِي الرِّقَابِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(١) أخرجه البخاري في المكاتب باب ١.
(٢) تفسير الطبري ٩/ ٣١٢.
أَنَّهُ قَالَ «ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمْ» فَذَكَرَ مِنْهُمُ الْمُكَاتَبَ يُرِيدُ الْأَدَاءَ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَشْهَرُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنِ ابْنِ شَبِيبٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عُمَرَ: أَنَّهُ كَاتَبَ عَبْدًا لَهُ يُكَنَّى أَبَا أُمَيَّةَ، فَجَاءَ بِنَجْمِهِ حِينَ حُلَّ فَقَالَ: يَا أَبَا أمية اذهب فاستعن به في مكاتبتك، فقال: يا أمير المؤمنين، ولو تَرَكْتُهُ حَتَّى يَكُونَ مِنْ آخِرِ نَجْمٍ؟
قَالَ: أخاف أن لا أُدْرِكَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَرَأَ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ قال عكرمة: فكان أَوَّلَ نَجْمٍ أُدِّيَ فِي الْإِسْلَامِ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ «١» : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ عَنْبَسَةَ عَنْ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا كَاتَبَ مُكَاتَبَهُ لَمْ يَضَعْ عَنْهُ شَيْئًا مِنْ أَوَّلِ نُجُومِهِ مَخَافَةَ أَنْ يَعْجَزَ فَتَرْجِعَ إِلَيْهِ صَدَقَتُهُ، وَلَكِنَّهُ إِذَا كَانَ فِي آخِرِ مُكَاتَبَتِهِ وَضَعَ عَنْهُ مَا أَحَبَّ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الآية وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ قَالَ: يعني ضعوا عنهم في مكاتبتهم، وكذا قَالَ مُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ وَالْقَاسِمُ بْنُ أَبِي بَزَّةَ وَعَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ مَالِكٍ الْجَزَرِيُّ وَالسُّدِّيُّ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ فِي قَوْلِهِ: وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ كَانَ يُعْجِبُهُمْ أَنْ يَدَعَ الرَّجُلُ لِمُكَاتَبِهِ طَائِفَةً مِنْ مُكَاتَبَتِهِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ شَاذَانَ الْمُقْرِئُ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُنْدَبٍ أَخْبَرَهُ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ «رُبْعُ الْكِتَابَةِ» وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَرَفْعُهُ مُنْكَرٌ وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَمَا رَوَاهُ عَنْهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ رحمه الله.
وقوله تعالى: وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ الْآيَةَ، كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا كَانَ لِأَحَدِهِمْ أَمَةٌ أَرْسَلَهَا تَزْنِي، وَجَعَلَ عَلَيْهَا ضَرِيبَةً يَأْخُذُهَا مِنْهَا كُلَّ وَقْتٍ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ نَهَى الله المؤمنين عَنْ ذَلِكَ، وَكَانَ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ الكريمة، فيما ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ فِي شَأْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ ابن سلول، فَإِنَّهُ كَانَ لَهُ إِمَاءٌ، فَكَانَ يُكْرِهْهُنَّ عَلَى الْبِغَاءِ طَلَبًا لِخَرَاجِهِنَّ، وَرَغْبَةً فِي أَوْلَادِهِنَّ وَرِئَاسَةً منه فيما يزعم.
ذِكْرُ الْآثَارِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ الْبَزَّارُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي مَسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو اللَّخْمِيُّ يَعْنِي مُحَمَّدَ بْنَ الْحَجَّاجِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: كَانَتْ جَارِيَةٌ لعبد الله بن أبيّ ابن سلول، يقال لها معاذة يكرهها على الزنا، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ نَزَلَتْ وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ الآية، وقال الأعمش عن أبي
(١) تفسير الطبري ٩/ ٣١٦.
سفيان عن جابر في هذه الآية، قَالَ: نَزَلَتْ فِي أَمَةٍ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبيّ ابن سَلُولٍ يُقَالُ لَهَا مُسَيْكَةُ، كَانَ يُكْرِهُهَا عَلَى الْفُجُورِ، وَكَانَتْ لَا بَأْسَ بِهَا فَتَأْبَى، فَأَنْزَلَ الله هَذِهِ الْآيَةِ وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ- إِلَى قَوْلِهِ- وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَرَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ نَحْوَهُ.
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، حَدَّثَنِي أَبُو سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ ابن سَلُولٍ، جَارِيَةٌ يُقَالُ لَهَا مُسَيْكَةُ، وَكَانَ يُكْرِهُهَا عَلَى الْبِغَاءِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ- إِلَى قَوْلِهِ- وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ صَرَّحَ الأعمش بالسماع من أبي سفيان بن طَلْحَةَ بْنِ نَافِعٍ، فَدَلَّ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ مَنْ قَالَ: لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ إِنَّمَا هُوَ صحيفة حكاه البزار. وقال أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُعَاذٍ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ جَارِيَةً لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ كَانَتْ تزني في الجاهلية فولدت أولادا من الزنا، فقال لها مالك: لا تزنين، قالت: وَاللَّهِ لَا أَزْنِي، فَضَرَبَهَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجل وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ رَجُلًا مَنْ قُرَيْشٍ أُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ وَكَانَ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ أَسِيرًا، وَكَانَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ جَارِيَةٌ يُقَالُ لَهَا مُعَاذَةُ وَكَانَ الْقُرَشِيُّ الْأَسِيرُ يُرِيدُهَا عَلَى نَفْسِهَا وَكَانَتْ مُسْلِمَةً وَكَانَتْ تَمْتَنِعُ مِنْهُ لِإِسْلَامِهَا، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ يُكْرِهُهَا عَلَى ذلك ويضربها رجاء أن تحمل من القرشي فَيَطْلُبَ فِدَاءَ وَلَدِهِ، فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى:
وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: أُنْزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ رَأْسِ الْمُنَافِقِينَ وَكَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ تُدْعَى مُعَاذَةُ وَكَانَ إِذَا نَزَلَ بِهِ ضَيْفٌ أَرْسَلَهَا إِلَيْهِ لِيُوَاقِعَهَا إِرَادَةَ الثَّوَابِ مِنْهُ وَالْكَرَامَةِ لَهُ.
فَأَقْبَلَتِ الْجَارِيَةُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عنه فشكت إليه فَذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَهُ بِقَبْضِهَا فَصَاحَ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ أبيّ من يعذرنا مِنْ مُحَمَّدٍ يَغْلِبُنَا عَلَى مَمْلُوكَتِنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ فهيم هذا، وقال مقاتل بن حيان: بلغني- وَاللَّهُ أَعْلَمُ- أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي رَجُلَيْنِ كَانَا يُكْرِهَانِ أَمَتَيْنِ لَهُمَا إِحْدَاهُمَا اسْمُهَا مسيكة وكانت للأنصار، وَكَانَتْ أُمَيْمَةُ أُمُّ مُسَيْكَةَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وَكَانَتْ مُعَاذَةُ وَأَرْوَى بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ، فَأَتَتْ مُسَيْكَةُ وَأُمُّهَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَتَا ذَلِكَ لَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ يعني الزنا.
وقوله تعالى: إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً هَذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ، وقوله تعالى:
لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا أَيْ مِنْ خَرَاجِهِنَّ وَمُهُورِهِنَّ وَأَوْلَادِهِنَّ وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ وَمَهْرِ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ «١»، وَفِي رِوَايَةٍ «مَهْرُ الْبَغِيِّ خبيث وكسب الحجام
(١) أخرجه البخاري في البيوع باب ١١٣، والإجارة، باب ٢٠، والطب باب ٤٦، ومسلم في المساقاة حديث ٣٩.

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
{ ٣٤ } ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾
هذا تعظيم وتفخيم لهذه الآيات، التي تلاها على عباده، ليعرفوا قدرها، ويقوموا بحقها فقال :﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾ أي : واضحات الدلالة، على كل أمر تحتاجون إليه، من الأصول والفروع، بحيث لا يبقى فيها إشكال ولا شبهة، ﴿و﴾ أنزلنا إليكم أيضا ﴿مثلا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ من أخبار الأولين، الصالح منهم والطالح، وصفة أعمالهم، وما جرى لهم وجرى عليهم تعتبرونه مثالا ومعتبرا، لمن فعل مثل أفعالهم أن يجازى مثل ما جوزوا.
﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي : وأنزلنا إليكم موعظة للمتقين، من الوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، يتعظ بها المتقون، فينكفون عما يكره الله إلى ما يحبه الله.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{٣٤} ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾.
هذا تعظيم وتفخيم لهذه الآيات، التي تلاها على عباده، ليعرفوا قدرها، ويقوموا بحقها فقال: ﴿وَلَقَدْ أَنزلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾ أي: واضحات الدلالة، على كل أمر تحتاجون إليه، من الأصول والفروع، بحيث لا يبقى فيها إشكال ولا شبهة، ﴿و﴾ أنزلنا إليكم أيضا ﴿مثلا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ من أخبار الأولين، الصالح منهم والطالح، وصفة أعمالهم، وما جرى لهم وجرى عليهم تعتبرونه مثالا ومعتبرا، لمن فعل مثل أفعالهم أن يجازى مثل ما جوزوا.
﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: وأنزلنا إليكم موعظة للمتقين، من الوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، يتعظ بها المتقون، فينكفون عما يكره الله إلى ما يحبه الله.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٠٠ كتاب)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير يحيى بن سلام — يحيى بن سلام معاني القرآن — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى تفسير التستري — سهل التستري تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن — زكريا الأنصاري فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — المراغي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب أضواء البيان — محمد الأمين الشنقيطي تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — دروزة التفسير الحديث — محمد عزة دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

تذكرة الأريب في تفسير الغريب
ومثلا من الذين خلوا
شبها من حالهم بحالكم

إعراب الآية ٣٤ من سورة النّور

من كتاب: إعراب القرآن

بنفسها» «١» من هذا بعينه. وجمع أيّم أيامى وأيايم وإيام مثل جيّد وجياد، وجمع أمة في التكسير إماء وآم، وفي النصب رأيت آميا وإموان مثل أخ وإخوان، لأن الأصل في أمة أموة وفي المسلّم أموات. قال أبو جعفر: وسمعت علي بن سليمان يقول: حكى هشام أميات. قال: وهذا خطأ لأنها من ذوات الواو. وقرأ الحسن والصّالحين من عبيدكم «٢» و «عبيد» اسم للجمع، وليس بجمع مستتبّ، والجمع المستتبّ أعبد وعباد، ونظير عبيد في أنه اسم للجمع قولهم: معبوداء وعبدّى. قال الفراء «٣» : ويجوز والصالحين من عبادكم وإماءكم بالنصب يردّه على الصّالحين. إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ شرط وجوابه. قيل: يغنهم بالتزويج وهذا صحيح في اللغة لأن فقيرا إنما يعرف بالإضافة فيقال: فقير إلى الطّعام، وفقير إلى اللباس، وفقير إلى التزويج.

[سورة النور (٢٤) : آية ٣٣]

وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣)
وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ في موضع رفع بالابتداء وفي موضع نصب عند الخليل وسيبويه على إضمار فعلا لأن بعده أمرا.

[سورة النور (٢٤) : آية ٣٥]

اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥)
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مبتدأ وخبره. وتقديره: الله ذو نور السّموات والأرض مثل وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢]. مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ مبتدأ وخبره أيضا.
وقد ذكرنا معناه، وقد روى شمر بن عطية»
عن كعب في قول الله جلّ وعزّ مَثَلُ نُورِهِ
(١) أخرجه الترمذي في سننه ٥/ ٢٥، وابن ماجة في سننه باب ١١ حديث ١٨٧٠، والدارمي في سننه ٢/ ١٣٨، ومالك في الموطّأ باب ٢ الحديث رقم ٤.
(٢) وهذه قراءة مجاهد أيضا، بالياء مكان الألف وفتح العين، انظر البحر المحيط ٦/ ٤١٥، ومختصر ابن خالويه ١٠٢. [.....]
(٣) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٥١.
(٤) شمر بن عطية: روى عن أبي وائل وزرّ، وعنه الأعمش وقيس بن الربيع، وكان عثمانيا غاليا، ترجمته في ميزان الاعتدال ٢/ ٢٨٠.
قال: نوره محمد صلّى الله عليه وسلّم. قال أبو جعفر: لأن محمدا صلّى الله عليه وسلّم في تبيانه للناس بمنزلة النور الذي يضيء لهم. قال كعب: كَمِشْكاةٍ، ككوّة فيها مصباح قال: الْمِصْباحُ قلب محمد صلّى الله عليه وسلّم فِي زُجاجَةٍ قال: الزُّجاجَةُ صدره كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ لصدره ثم رجع إلى المصباح الذي هو في القلب فقال: يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ قال لم تصبها شمس المشرق ولا شمس المغرب. شَرْقِيَّةٍ نعت لزيتونة. وَلا ليست تحول بين النعت والمنعوت وَلا غَرْبِيَّةٍ عطف. يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ قال كعب:
يكاد محمد صلّى الله عليه وسلّم يستبين لمن يراه أنّه نبيّ وإن لم ينطق لما جعل عليه صلّى الله عليه وسلّم من الدلائل، كما يكاد هذا الزيت يضيء ولو لم تمسّه نار. وقد قرئ دري «١» على أربعة أوجه:
قرأ الحسن وأهل الحرمين كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ بضم الدال وتشديد الياء إلّا أن سعيد ابن المسيّب قرأ هو وأبو رجاء العطارديّ ونصر بن عاصم وقتادة كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ بفتح الدال وتشديد الياء وقرأ أبو عمرو والكسائي كأنّها كوكب درء بكسر الدال والهمز، وقرأ حمزة كأنّها كوكب درّيء بضم الدال والهمز. فهذه أربع قراءات، وحكى الفراء «٢» أنّه يقال: درّي بكسر الدال وتشديد الياء بغير همز. قال أبو جعفر:
القراءة الأولى بيّنة نسب الكوكب إلى الدّرّ. فإن قال قائل: فالكوكب نورا من الدّرّ قيل له: إنما المعنى أنّ هذا الكوكب فضله على الكواكب كفضل الدّرّ على سائر الحبّ.
والقراءة الثانية بهذا المعنى فأبدل من الضمّة فتحة لأن النسب باب تغيير. والقراءة الثالثة أبي عمرو والكسائي ضعّفها أبو عبيد تضعيفا شديدا لأنه تأولها من درأت أي دفعت أي كوكب يجري من الأفق إلى الأفق فإن كان التأويل على ما تأوّله لم يكن في الكلام فائدة ولا كان لهذا الكوكب مزيّة على أكثر الكواكب. ألا ترى أنّه لا يقال: جاءني إنسان من بني آدم، ولا ينبغي أن يتأوّل لمثل أبي عمرو والكسائي رحمهما الله مع محلّهما وجلالهما هذا التأويل البعيد، ولكن التأويل لهما على ما روي عن محمد بن يزيد أن معناهما في ذلك كوكب مندفع بالنور كما يقال: اندرأ الحريق، أي اندفع، وهذا تأويل صحيح لهذه القراءة. وحكى الأخفش سعيد بن مسعدة أنه يقال: درأ الكوكب بضوئه إذا امتدّ ضوءه وعلا. فأما قراءة حمزة فأهل اللغة جميعا إلا أقلّهم يقولون: هي لحن لا يجوز لأنه ليس في كلام العرب اسم على فعّيل، وقد اعترض أبو عبيد في هذا فاحتج لحمزة فقال: ليس هو فعّل إنما هو فعّول مثل سبّوح أبدل من الواو ياء كما قالوا: عتيّ. قال أبو جعفر وهذا الاعتراض والاحتجاج من أعظم الغلط وأشدّه
(١) انظر القراءات جميعها في البحر المحيط ٦/ ٤١٩، ومعاني الفراء ٢/ ٢٥٢، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٤٥٥.
(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٥٢.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

القراءات في الآية ٣٤ من سورة النّور

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

مُّبَيِّنَاتٍ وَمَثَلاً

(مُبَيَّنَاتٍ وَمَثَلاً) بفتح الياء وإدغام التنوين في الواو بغنة

ورش عن نافع البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو قالون عن نافع شعبة عن عاصم روح عن يعقوب رويس عن يعقوب ابن جمّاز عن أبي جعفر ابن وردان عن أبي جعفر

(مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلاً) بكسر الياء وإدغام التنوين في الواو بغنة

إدريس عن خلف إسحاق عن خلف الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة حفص عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر

(مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلاً) بكسر الياء وإدغام التنوين في الواو بلا غنة

خلف عن حمزة
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ٣٤ من سورة النّور

٥ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

١٧ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

١٦ قولًا
١
عن محمد بن إسحاق – من طريق سلمة-، ﴿وموعظة للمتقين﴾، قال: لِمَن أطاعني، وعرف أمري١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٨‏/‏٢٥٩٣.
٢
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- ﴿ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات﴾: وهو هذا القرآنُ فيه حلالُ الله، وحرامُ الله، وموعظةُ الله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٨‏/‏٢٥٩٢.
٣
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات﴾، يعني: الحلال والحرام، والحدود، وأمره ونهيه، مِمّا ذُكِر في هذه السورة إلى هذه الآية١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏١٩٨.
٤
عن مقاتل [بن حيّان] -من طريق بُكَيْر بن معروف- ﴿ولقد أنزلنا اليكم آيات مبينات﴾: يعني: ما فُرِض عليهم في هذه السورة مِن أولها إلى آخرها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٨‏/‏٢٥٩٢.
٥
قال يحيى بن سلّام: ﴿ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات﴾ الحلال والحرام، والأمر والنهي، والأحكام١
التخريج
  1. ١تفسير يحيى بن سلّام ١‏/‏٤٤٨.
٦
عن أبي مالك غزوان الغفاري -من طريق السدي- قوله: ﴿ومثلا من الذين خلوا﴾: يعني: مَضَوْا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٨‏/‏٢٥٩٢.
٧
قال إسماعيل السُّدِّيّ: سنن العذاب في الأُمَم الخالية١
التخريج
  1. ١علَّقه يحيى بن سلّام ١‏/‏٤٤٨.
٨
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ومثلا من الذين خلوا من قبلكم﴾، يعني: سنن العذاب في الأمم الخالية، حين كذَّبوا رسلهم١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏١٩٨.
٩
قال يحيى بن سلّام: ﴿ومثلا من الذين خلوا من قبلكم﴾ أخبار الأمم السالفة١
التخريج
  1. ١تفسير يحيى بن سلّام ١‏/‏٤٤٨.
١٠
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- ﴿وموعظة للمتقين﴾: الذين مِن بعدهم إلى يوم القيامة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٨‏/‏٢٥٩٢.
١١
عن أبي العالية الرِّياحِيِّ -من طريق الربيع- ﴿وموعظة للمتقين﴾، قال: موعظة للمتقين خاصَّةً١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٨‏/‏٢٥٩٣.
١٢
عن قتادة بن دعامة، نحو ذلك١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ٨‏/‏٢٥٩٣.
١٣
عن عامر الشعبي -من طريق بيان- قوله: ﴿وموعظة﴾، قال: موعظة مِن الجهل١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٨‏/‏٢٥٩٢.
١٤
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قوله: ﴿وموعظة للمتقين﴾، قال: هو مَوْعِظةُ اللهِ لِمَن اتَّعظ به١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٨‏/‏٢٥٩٣.
١٥
قال قتادة بن دعامة: ﴿وموعظة للمتقين﴾ وهو القرآن١
التخريج
  1. ١علَّقه يحيى بن سلّام ١‏/‏٤٤٨.
١٦
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وموعظة﴾ يعني: وعِظَة ﴿للمتقين﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏١٩٨.

آثار متعلقة بالآية

قول واحد
١
عن أبي الدَّرداء -من طريق أبي قلابة- قال: نزل القرآن على سِتِّ آيات: آية مُبَشِّرة، وآية مُنذِرة، وآية فريضة، وآية قصص وإخبار، وآية تأمرك، وآية تنهاك١
التخريج
  1. ١أخرجه يحيى بن سلّام ١‏/‏٤٤٨.
التفسير بالمأثور لسورة النّور كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٣٤ من سورة النّور

٧ وقفات في هذه الآية

  • تعظِّم الأمة آيات الله فـ لا تضل الطريق، وتعتبر بالتاريخ فـ تتعظ. ( ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين )

    — رقية المحارب

  • وقفات مع سورة النور(سورة النور آية 34)

    — عبدالله بلقاسم

  • قوله {ولقد أنزلنا إليكم آيات} وبعده {لقد أنزلنا آيات} لأن اتصال الأول بما قبله أشد فإن قوله {وموعظة للمتقين} محمول ومصروف إلى قوله {وليستعفف} وإلى قوله {فكاتبوهم} {ولا تكرهوا} فاقتضى الواو ليعلم أنه عطف على الأول واقتضى بيانه بقوله {إليكم} ليعلم أن المخاطبين بالآية الثانية هم المخاطبون بالآية الأولى وأما الثانية فاستئناف كلام فخص بالحذف.

    — كتاب أسرار التكرار للكرماني

  • مسألة: قوله تعالى: (ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات) وقال تعالى بعده: (لقد أنزلنا آيات مبينات)) بحذف " الواو " و " إليكم "؟ جوابه: أن الأولى بعد ما قدمه قبلها من المواعظ والآداب والأحكام، فناسب العطف عليه " بالواو": و "إلى" ثم ابتدأ كلاما مستأنفا بعد ما قدمه من عظيم آياته بإرسال الرياح والمطر وإنزال الماء والبرد قوله تعالى: " إليكم " في الأولى دون الثانية لأنها عقيب تأديب المؤمنين وإرشادهم فكأنها خاصة بهم. والثانية عامة لأن آيات القدرة للكل غير خاصة، ولذلك قال تعالى بعده: (والله يهدي من يشاء) .

    — كتاب كشف المعاني / لابن جماعة

  • آية (34): *ما الفرق بين آيات بينات وآيات مبيّنات؟(د.فاضل السامرائي) آيات بيّنات أي واضحات، أمر بيّن يعني واضح، أما مبين أي موضح أنت تبين لغيرك (وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ (18) النور) يعني يوضح لك، بيّن يعني هو واضح ظاهر الدلالة أما مبيّن موضح للدلالة أنت تبين (يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ (26) النساء) لكن الأمر واضح.

    — فاضل السامرائي

  • قوله تعإلى: (وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثلاً مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ. .) . قاله هنا بذكرِ الواوِ، و " إليكمْ " وقاله بعدُ بحذفهما، لأن اتصال ما هنا بما قبله أشدًّ؟ إذ قوله بعدُ " ومَوْعِظَةً للمتَّقِينَ " مصروفٌ الى الجُمَل السابقة من قوله: " وَلْيَسْتَعْفِف الّذينَ لا يجدونَ نكاحاً " إلى آخره، وفيه معطوفان بالواو، فناسبَ ذكرُها العطف، وذكرَ " إليكم " ليُفيد أنّ الآياتِ المبيِّناتِ، نزلتْ في المخاطبينَ في الجُمَل السَّابقة، وما ذُكِرَ بعدُ خالٍ عن ذلك، فناسبَهُ الاستئنافُ والحذفُ.

    — كتاب فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن

  • الأمثال في القران الكريم أمثال الذين خلو في القران الكريم سورة النور آية 34

    — عبدالله الشثري

ترجمات معاني الآية ٣٤ من سورة النّور

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(34) And We have certainly sent down to you distinct verses[995] and examples from those who passed on before you and an admonition for those who fear Allāh.
[995]- i.e., rulings and ordinances, in particular those in this sūrah.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال