محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٤٦ من سورة غافر في ١٠١ كتاب من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و١٨ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٤٦ من سورة غافر

١٠١ كتاب من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوَاْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدّ الْعَذَابِ﴾.


يقول تعالى ذكره مبينا عن سوء العذاب الذي حلّ بهؤلاء الأشقياء من قوم فرعون ذلك الذي حاق بهم من سوء عذاب الله النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها إنهم لها هلكوا وغرّقهم الله، جُعلت أرواحهم في أجواف طير سود، فهي تعرض على النار كلّ يوم مرتين غُدُوّا وَعَشِيّا إلى أن تقوم الساعة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن أبي قيس، عن الهذيل بن شرحبيل، قال : أرواح آل فرعون في أجواف طير سود تغدو وتروح على النار، وذلك عرضها.
حدثنا محمد، قال : حدثنا أحمد، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، قال : بلغني أن أرواح قوم فرعون في أجواف طير سود تعرض على النار غدوّا وعشيّا، حتى تقوم الساعة.
حدثنا عبد الكريم بن أبي عمير، قال : حدثنا حماد بن محمد الفزاري البلخي، قال : سمعت الأوزاعيّ وسأله رجل فقال : رحمك الله، رأينا طيورا تخرج من البحر تأخذ ناحية الغرب بيضا، فوجا فوجا، لا يعلم عددها إلا الله، فإذا كان العشيّ رجع مثلُها سُوْدا، قال : وفَطَنتم إلى ذلك ؟ قالوا : نعم، قال : إن تلك الطيور في حواصلها أرواح آل فرعون يعرضون على النار غدوّا وعشيّا، فترجع إلى وكورها وقد احترقت رياشها، وصارت سوداء، فتنبت عليها من الليل رياش بيض، وتتناثر السود، ثم تغدو، ويُعرضون على النار غدوّا وعشيّا، ثم ترجع إلى وكورها، فذلك دَأْبُها في الدنيا فإذا كان يوم القيامة، قال الله : أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدّ العَذَابِ قالوا : وكانوا يقولون : إنهم ستّ مئة ألف مقاتل.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : ثني حرملة، عن سليمان بن حميد، قال : سمعت محمد بن كعب القرظى يقول : ليس في الآخرة ليل ولا نصف نهار، وإنما هو بُكْرة وعشيّ، وذلك في القرآن في آل فرعون يُعْرَضُونَ عَلَيْها غَدُوّا وَعَشِيّا وكذلك قال لأهل الجنة لَهمْ رزْقُهُمْ فيها بُكْرَةً وَعَشِيّا.
وقيل : عني بذلك : أنهم يعرضون على منازلهم في النار تعذيبا لهم غدوّا وعشيّا. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوّا وَعَشَيّا قال : يُعرضون عليها صباحا ومساء، يقال لهم : يا آل فرعون هذه منازلكم، توبيخا ونقمة وصغارا لهم.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : غُدُوّا وَعَشِيّا قال : ما كانت الدنيا.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال : إن الله أخبر أن آل فرعون يعرضون على النار غدوّا وعشيا. وجائز أن يكون ذلك العرض على النار على نحو ما ذكرناه عن الهذيل ومن قال مثل قوله، وإن يكون كما قال قتادة، ولا خبر يوجب الحجة بأن ذلك المعنيّ به، فلا في ذلك إلا ما دلّ عليه ظاهر القرآن، وهم أنهم يعرضون على النار غدوّا وعشيا، وأصل الغدوّ والعشيّ مصادر جعلت أوقاتا.
وكان بعض نحويي البصرة يقول في ذلك : إنما هو مصدر، كما تقول : أتيته ظلاما جعله ظرفا وهو مصدر. قال : ولو قلت : موعدك غدوة، أو موعدك ظلام، فرفعته، كما تقول : موعدك يوم الجمعة، لم يحسن، لأن هذه المصادر وما أشبهها من نحو سحر لا تجعل إلا ظرفا قال : والظرف كله ليس بمتمكن وقال نحويو الكوفة : لم يسمع في هذه الأوقات، وإن كانت مصادر، إلا التعريب : موعدك يوم موعدك صباح ورواح، كما قال جلّ ثناؤه : غُدُوّها شَهُرٌ وَرَوَاحُها شَهْرٌ فرفع، وذكروا أنهم سمعوا : إنما الطيلسان شهران، قالوا : ولم يسمع في الأوقات النكرات إلا الرفع إلا قولهم : إنما سخاؤك أحيانا، وقالوا : إنما جاز ذلك لأنه بمعنى : إنما سخاؤك الحين بعد الحين، فلما كان تأويله الإضافة نصب.
وقوله : وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدّ العَذَابِ اختلفت القراء في قراءة ذلك فقرأته عامة قرّاء أهل الحجاز والعراق سوى عاصم وأبي عمرو وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ بفتح الآلف من أدخلوا في الوصل والقطع بمعنى : الأمر بإدخالهم النار. وإذا قُرىء ذلك كذلك، كان الاَل نصبا بوقوع أدخلوا عليه، وقرأ ذلك عاصم وأبو عمرو :«وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوا » يوصل الألف وسقوطها في الوصل من اللفظ، وبضمها إذا ابتدئ بعد الوقف على الساعة، ومن قرأ ذلك كذلك، كان الاَل على قراءته نصبا بالنداء، لأن معنى الكلام على قراءته : ادخلوا يا آل فرعون أشدّ العذاب.
والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال إنهما قراءتان معروفتان متقاربتا المعنى قد قرأ بكل واحدة منهما جماعة من القرّاء، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. فمعنى الكلام إذن : ويوم تقوم الساعة يقال لاَل فرعون : ادخلوا يا آل فرعون أشدّ العذاب، فهذا على قراءة من وصل الألف من ادخلوا ولم يقطع، ومعناه على القراءة الأخرى، ويوم تقوم الساعة يقول الله لملائكته أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدّ العَذَابِ.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
تفسير سورة الأحقاف بسم الله الرحمن الرحيم
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿حم (١) تَنزيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (٣)﴾
قد تقدم بياننا في معنى قوله (حم تَنزيلُ الْكِتَابِ) بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
وقوله (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلا بِالْحَقِّ) يقول تعالى ذكره: ما أحدثنا السموات والأرض فأوجدناهما خلقا مصنوعا، وما بينهما من أصناف العالم إلا بالحقّ، يعني: إلا لإقامة الحقّ والعدل في الخلق.
وقوله (وَأَجَلٌ مُسَمًّى) يقول: وإلا بأجل لكل ذلك معلوم عنده يفنيه إذا هو بلغه، ويعدمه بعد أن كان موجودا بإيجاده إياه.
وقوله (وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ) يقول تعالى ذكره: والذين جحدوا وحدانية الله عن إنذار الله إياهم معرضون، لا يتعظون به، ولا يتفكرون فيعتبرون.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤)﴾
يقول تعالى ذكره: قل يا محمد لهؤلاء المشركين بالله من قومك: أرأيتم أيها القوم الآلهة والأوثان التي تعبدون من دون الله، أروني أيّ شيء خلقوا من الأرض، فإن ربي خلق الأرض كلها، فدعوتموها من أجل خلقها ما خلقت من ذلك آلهة وأربابا، فيكون لكم بذلك في عبادتكم إياها حجة، فإن من حجتي على عبادتي إلهي، وإفرادي له الألوهة، أنه خلق الأرض فابتدعها من غير أصل.
وقوله (أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ) يقول تعالى ذكره: أم لآلهتكم التي تعبدونها أيها الناس، شرك مع الله في السموات السبع، فيكون لكم أيضًا بذلك حجة في عبادتكموها، فإن من حجتي على إفرادي العبادة لربي، أنه لا شريك له في خلقها، وأنه المنفرد بخلقها دون كلّ ما سواه.
وقوله (اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا) يقول تعالى ذكره: بكتاب جاء من عند الله من قبل هذا القرآن الذي أُنزل عليّ، بأن ما تعبدون من الآلهة والأوثان خلقوا من الأرض شيئًا، أو أن لهم مع الله شركًا في السموات، فيكون ذلك حجة لكم على عبادتكم إياها، لأنها إذا صحّ لها ذلك صحت لها الشركة في النِّعم التي أنتم فيها، ووجب لها عليكم الشكر، واستحقت منكم الخدمة، لأن ذلك لا يقدر أن يخلقه إلا الله.
وقوله (أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ) اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الحجاز والعراق (أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ) بالألف، بمعنى: أو ائتوني ببقية من علم. ورُوي عن أبي عبد الرحمن السلميّ أنه كان يقرؤه "أَوْ أَثَرَةٍ مِنْ عِلْمٍ"، بمعنى: أو خاصة من علم أوتيتموه، وأوثرتم به على غيركم، والقراءة التي لا أستجيز غيرها (أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ) بالألف، لإجماع قرّاء الأمصار عليها.
واختلف أهل التأويل في تأويلها، فقال بعضهم: معناه: أو ائتوني بعلم بأن آلهتكم خَلَقت من الأرض شيئا، وأن لها شرك في السموات من قبل الخطّ الذي تخطونه في الأرض، فإنكم معشر العرب أهل عيافة وزجر وكهانة.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر بن آدم، قال: ثنا أبو عاصم، عن سفيان، عن صفوان بن سليم، عن أبي سلمة، عن ابن عباس (أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ) قال: خط كان يخطه العرب في الأرض.
حدثنا أبو كُرَيْب، قال: قال أَبو بكر: يعني ابن عياش: الخط: هو العيافة.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أو خاصة من علم.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتاده (أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ) قال: أو خاصة من علم.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ) قال: أي خاصة من علم.
حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: ثني أبي، عن الحسين، عن قتادة (أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ) قال: خاصة من علم.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أو علم تُشيرونه فتستخرجونه.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن، في قوله: (أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ) قال: أثارة شيء يستخرجونه فِطْرة.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أو تأثرون ذلك علمًا عن أحد ممن قبلكم؟
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛
وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعًا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد (أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ) قال: أحد يأثر علما.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أو ببينة من الأمر.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس (أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ) يقول: ببينة من الأمر.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ببقية من علم.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا أبو كُريب، قال: سُئل أَبو بكر، يعني ابن عياش عن (أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ) قال: بقية من علم.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: الأثارة: البقية من علم، لأن ذلك هو المعروف من كلام العرب، وهي مصدر من قول القائل: أثر الشيء أثارة، مثل سمج سماجة، وقبح قباحة، كما قال راعي الإبل:
وذاتِ أثارةٍ أكَلَتْ عَلَيْها[نَبَاتًا فِي أكمِتِهِ قَفَارا] (١)
يعني: وذات بقية من شحم، فأما من قرأه (أَوْ أَثَرَةٍ) فإنه جعله أثرة من الأثر،
(١) هذا بيت من قصيدة للراعي، مدح بها سعد بن عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد، عدتها سبعة وخمسون بيتا. وقوله " ذات آثارة " أي رب ناقة ذات سمن. والأثارة، بفتح الهمزة: شحم متصل بشحم آخر، ويقال هي بقية من الشحم العتيق، يقال: سمنت الناقة على أثارة، أي على بقية شحم. وأكمته: غلفه، جمع كمام، وهو جمع كم بكسر الكاف، وهو غطاء النور وغلافه. وقفارًا وقفارة: وصف للنبات: أي رعته خاليًا لها من مزاحمة غيرها في رعيه. وأصله من قولهم طعام قفار: أي أكل بلا إدام. (انظر خزانة الأدب الكبرى للبغدادي ٤: ٢٥١) واستشهد بالبيت أبو عبيدة في مجاز القرآن (الورقة ٢٢٢). عند قوله تعالى: " أو أثارة من علم " أي بقية من شحم أكلت عليه. ومن قال: " أثرة " فهو مصدر أثره يأثره: يذكره. وفي (اللسان: أثر) : وأثرة العلم وأثرته وأثارته، بقية منه تؤثر فتذكر. وقال الزجاج أثاره: في معنى علامة. ويجوز أن يكون على معنى بقية من علم ونسب البيت للشماخ.
أمامك، فيقول له المؤمن: وهل أمامي إلا البحر؟ فيقول موسى: لا والله ما كَذبتُ ولا كُذبتُ، ثم يسير ساعة ويقول: أين أمرت يا نبيّ الله؟ فيقول: أمامك، فيقول: وهل أمامي إلا البحر، فيقول: لا والله ما كذبت، ولا كذبت، حتى أتى على البحر فضربه بعصاه، فانفلق اثني عشر طريقا، لكل سبط طريق.
وقوله: (وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ) يقول: وحل بآل فرعون ووجب عليهم; وعني بآل فرعون في هذا الموضع تباعه وأهل طاعته من قومه.
كما حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ في قول الله: (وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ) قال: قوم فرعون.
وعني بقوله: (سُوءَ الْعَذَابِ) : مأ ساءهم من عذاب الله، وذلك نار جهنم.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾
يقول تعالى ذكره مبيِّنا عن سوء العذاب الذي حلّ بهؤلاء الأشقياء من قوم فرعون ذلك الذي حاق بهم من سوء عذاب الله (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا) إنهم لما هلكوا وغرقهم الله، جعلت أرواحهم في أجواف طير سود، فهي تعرض على النار كلّ يوم مرتين (غُدُوًّا وَعَشِيًّا) إلى أن تقوم الساعة.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي قيس، عن الهذيل بن شرحبيل، قال: أرواح آل فرعون في أجواف طير سود تغدو وتروح على النار، وذلك عرضها.
حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال: بلغني أن أرواح قوم فرعون في أجواف طير سود تعرض على النار غدوّا وعشيًّا،
حتى تقوم الساعة.
حدثنا عبد الكريم بن أبي عمير، قال: ثنا حماد بن محمد الفزاري البلخي، قال: سمعت الأوزاعيّ وسأله رجل فقال: رحمك الله، رأينا طيورا تخرج من البحر تأخذ ناحية الغرب بيضا، فوجا فوحا، لا يعلم عددها إلا الله، فإذا كان العشيّ رجع مثلُها سُودا، قال: وفطنتم إلى ذلك؟ قالوا: نعم، قال: إن تلك الطيور في حواصلها أرواح آل فرعون يُعرضون على النار غدوّا وعشيًّا، فترجع إلى وكورها وقد احترقت رياشها، وصارت سوداء، فتنبت عليها من الليل رياض بيض، وتتناثر السود، ثم تغدو، ويُعرضون على النار غدوّا وعشيا، ثم ترجع إلى وكورها، فذلك دَأبُها في الدنيا; فإذا كان يوم القيامة، قال الله (أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) قالوا: وكانوا يقولون: إنهم ستّ مئة ألف مقاتل.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني حرملة، عن سليمان بن حميد، قال: سمعت محمد بن كعب القرظي يقول: ليس في الآخرة ليل ولا نصف نهار، وإنما هو بُكرة وعشيّ، وذلك في القرآن في آل فرعون (يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا) وكذلك قال لأهل الجنة (وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا).
وقيل: عنى بذلك: أنهم يعرضون على منازلهم في النار تعذيبا لهم غدوّا وعشيّا.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا) قال: يعرضون عليها صباحا ومساء، يقال لهم: يا آل فرعون هذه منازلكم، توبيخا ونقمة وصغارا لهم.
حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح،
عن مجاهد، قوله: (غُدُوًّا وَعَشِيًّا) قال: ما كانت الدنيا.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر أن آل فرعون يعرضون على النار غدوّا وعشيّا. وجائز أن يكون ذلك العرض على النار على نحو ما ذكرناه عن الهذيل ومن قال مثل قوله، وأن يكون كما قال قتادة، ولا خبر يوجب الحجة بأن ذلك المعني به، فلا في ذلك إلا ما دل عليه ظاهر القرآن، وهم أنهم يعرضون على النار غدوا وعشيا، وأصل الغدو والعشي مصادر جعلت أوقاتا.
وكان بعض نحويي البصرة يقول في ذلك: إنما هو مصدر، كما تقول: أتيته ظلاما; جعله ظرفا وهو مصدر. قال: ولو قلت: موعدك غدوة، أو موعدك ظلام، فرفعته، كما تقول: موعدك يوم الجمعة، لم يحسن، لأن هذه المصادر وما أشبهها من نحو سحر لا تجعل إلا ظرفا; قال: والظرف كله ليس بمتمكن; وقال نحويو الكوفة: لم يسمع في هذه الأوقات، وإن كانت مصادر، إلا التعريب: موعدك يوم موعدك صباح ورواح، كما قال جلّ ثناؤه: (غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ) فرفع، وذكروا أنهم سمعوا: إنما الطيلسان شهران (١) قالوا: ولم يسمع في الأوقات النكرات إلا الرفع إلا قولهم: إنما سخاؤك أحيانا، وقالوا: إنما جاز ذلك لأنه بمعنى: إنما سخاؤك الحين بعد الحين، فلما كان تأويله الإضافة نصب.
وقوله: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) اختلفت القرّاء في قراءة ذلك فقرأته عامة قرّاء أهل الحجاز والعراق سوى عاصم وأبي عمرو (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ) بفتح الألف من أدخلوا في الوصل والقطع بمعنى: الأمر بإدخالهم النار. وإذا قُرئ ذلك كذلك، كان الآل نصبا بوقوع أدخلوا عليه، وقرأ ذلك عاصم وأبو عمرو:"وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أُدْخِلُوا" بوصل الألف وسقوطها في الوصل من اللفظ، وبضمها إذا ابتدئ بعد الوقف على
(١) الطيلسان: شيء كان يضعه العلماء والكبراء حول أعناقهم وعلى أكتافهم اتقاء البرد. يريد أن مدة لبس الطيلسان شهران.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ وهو : الغرق في اليم، ثم النقلة منه إلى الجحيم. فإن أرواحهم تعرض على النار صباحا ومساءً إلى قيام الساعة، فإذا كان يوم القيامة اجتمعت أرواحهم وأجسادهم في النار ؛ ولهذا قال :﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ أي : أشده ألما وأعظمه نكالا.
وهذه الآية أصل كبير في استدلال أهل السنة على عذاب البرزخ في القبور، وهي قوله :﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾.
ولكن هاهنا سؤال، وهو أنه لا شك أن هذه الآية مكية، وقد استدلوا بها على عذاب القبر في البرزخ، وقد قال الإمام أحمد :
حدثنا هاشم - هو ابن القاسم أبو النضر - حدثنا إسحاق بن سعيد (١) - هو ابن عمرو بن سعيد بن العاص - حدثنا سعيد - يعني أباه - عن عائشة ؛ أن يهودية كانت تخدمها فلا تصنع عائشة إليها شيئا من المعروف إلا قالت لها اليهودية : وقاك الله عذاب القبر. قالت : فدخل رسول الله ﷺ عليّ فقلت : يا رسول الله، هل للقبر عذاب قبل يوم القيامة ؟ قال :" لا وعم ذلك ؟ " قالت : هذه اليهودية، لا نصنع إليها شيئا من المعروف إلا قالت : وقاك الله عذاب القبر. قال :" كذبت يهود(٢). وهم على الله أكذب، لا عذاب دون يوم القيامة ". ثم مكث بعد ذلك ما شاء الله أن يمكث، فخرج ذات يوم نصف النهار مشتملا بثوبه، محمرة عيناه، وهو ينادي بأعلى صوته :" القبر كقطع الليل المظلم أيها الناس، لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا وضحكتم قليلا. أيها الناس، استعيذوا بالله من عذاب القبر، فإن عذاب القبر حق " (٣).
وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم، ولم يخرجاه.
وروى أحمد : حدثنا يزيد، حدثنا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة - قال : سألتها امرأة يهودية فأعطتها، فقالت لها : أعاذك الله من عذاب القبر. فأنكرت عائشة ذلك، فلما رأت رسول الله ﷺ قالت له، فقال :" لا ". قالت عائشة : ثم قال لنا رسول الله ﷺ بعد ذلك :" وإنه أوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم ".
وهذا أيضا على شرطهما(٤).
فيقال : فما الجمع بين هذا وبين كون الآية مكية، وفيها الدليل على عذاب البرزخ ؟ والجواب : أن الآية دلت على عرض الأرواح إلى النار غدوا وعشيا في البرزخ، وليس فيها دلالة على اتصال تألمها بأجسادها في القبور، إذ قد يكون ذلك مختصا بالروح، فأما حصول ذلك للجسد وتألمه بسببه، فلم يدل عليه إلا السنة في الأحاديث المرضية الآتي ذكرها.
وقد يقال إن هذه الآية إنما دلت على عذاب الكفار في البرزخ، ولا يلزم من ذلك أن يعذب المؤمن في قبره بذنب، ومما يدل على هذا ما رواه الإمام أحمد :
حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا يونس، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله ﷺ دخل عليها وعندها امرأة من اليهود، وهي تقول : أشعرت أنكم تفتنون في قبوركم ؟ فارتاع رسول الله ﷺ وقال :" إنما يفتن يهود " قالت عائشة : فلبثنا ليالي، ثم قال رسول الله ﷺ :" أشعرت أنه أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور ؟ " وقالت عائشة : سمعت رسول الله ﷺ بعد يستعيذ من عذاب القبر.
وهكذا رواه مسلم، عن هارون بن سعيد وحرملة، كلاهما عن ابن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن الزهري، به(٥).
وقد يقال : إن هذه الآية دلت على عذاب الأرواح في البرزخ، ولا يلزم من ذلك أن يتصل بالأجساد في قبورها، فلما أوحي إليه في ذلك بخصوصيّته استعاذ منه، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وقد روى البخاري من حديث شعبة، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن أبيه، عن مسروق، عن عائشة(٦)، رضي الله عنها، أن يهودية دخلت عليها فقالت : أعاذك الله من عذاب القبر(٧). فسألت عائشة (٨) رسول الله ﷺ عن عذاب القبر ؟ فقال :" نعم عذاب القبر حق ". قالت عائشة : فما رأيت رسول الله ﷺ بعدُ صلى صلاة إلا تعوّذ من عذاب القبر (٩).
فهذا يدل على أنه بادر إلى تصديق اليهودية في هذا الخبر، وقرر عليه. وفي الأخبار المتقدمة : أنه أنكر ذلك حتى جاءه الوحي، فلعلهما قضيتان، والله أعلم، وأحاديث عذاب القبر كثيرة جدا.
وقال قتادة في قوله :﴿غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ صباحا ومساء، ما بقيت الدنيا، يقال لهم : يا آل فرعون، هذه منازلكم، توبيخا ونقمة وصَغَارا لهم.
وقال ابن زيد : هم فيها اليوم يُغدَى بهم ويراح إلى أن تقوم الساعة.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد، حدثنا المحاربي، حدثنا ليث، عن عبد الرحمن بن ثروان، عن هذيل، عن عبد الله بن مسعود(١٠)، رضي الله عنه، قال : إن أرواح الشهداء في أجواف طير خضر تسرح بهم في الجنة حيث شاءوا، وإن أرواح ولدان المؤمنين في أجواف عصافير تسرح في الجنة حيث شاءت، فتأوي إلى قناديل معلقة في العرش، وإن أرواح آل فرعون في أجواف طير سود تغدو على جهنم وتروح عليها، فذلك عرضها.
وقد رواه الثوري عن أبي قيس عن الهُزَيل ابن شرحبيل، من كلامه في أرواح آل فرعون. وكذلك قال السدي.
وفي حديث الإسراء من رواية أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، عن رسول الله ﷺ قال فيه :" ثم انطلق بي إلى خلق كثير من خلق الله، رجالٌ كلُّ رجل منهم بطنه مثل البيت الضخم، مصفدون على سابلة آل فرعون، وآل فرعون يعرضون على النار غدوا وعشيا. ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ وآل فرعون كالإبل المسومة(١١) يخبطون الحجارة والشجر ولا يعقلون " (١٢).
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين، حدثنا زيد بن أخْرَم، حدثنا عامر بن مُدْرِك الحارثي، حدثنا عتبة - يعني ابن يقظان - عن قيس بن مسلم، عن طارق، عن (١٣) شهاب، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ قال :" ما أحسن محسن من مسلم أو كافر إلا أثابه الله ". قال : قلنا : يا رسول الله ما إثابة الكافر ؟ فقال :" إن كان قد وصل رحما أو تصدق بصدقة أو عمل حسنة، أثابه الله المال والولد والصحة وأشباه ذلك ". قلنا : فما إثابته في الآخرة ؟ قال :" عذابا دون العذاب " وقرأ :﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ ورواه البزار في مسنده، عن زيد بن أخْرَم، ثم قال : لا نعلم له إسنادًا غير هذا (١٤).
وقال ابن جرير : حدثنا عبد الكريم بن أبي عمير، حدثنا حماد بن محمد الفزاري البلخي قال : سمعت(١٥) الأوزاعي وسأله رجل فقال : رحمك الله. رأينا طيورًا تخرج من البحر، تأخذ ناحية الغرب بيضا، فوجا فوجا، لا يعلم عددها إلا الله، عز وجل، فإذا كان العشي رجع مثلها سودا. قال : وفطنتم إلى ذلك ؟ قال : نعم. قال : إن تلك(١٦) الطير في حواصلها أرواح آل فرعون، تعرض على النار غدوا وعشيا، فترجع إلى وكورها وقد احترقت ريَاشُها وصارت سودا، فينبت عليها من الليل ريش أبيض، ويتناثر السود، ثم تغدو على النار غدوا وعشيا، ثم ترجع إلى وكورها. فذلك دأبهم في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة قال الله تعالى :﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ قال : وكانوا
يقولون إنهم ستمائة ألف مقاتل (١٧).
وقال الإمام أحمد : حدثنا إسحاق، أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر(١٨) قال : قال رسول الله ﷺ :" إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار. فيقال : هذا مقعدك حتى يبعثك الله، عز وجل، إلى يوم القيامة ".
أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك، به (١٩).
١ - (٢) في أ: "سعد"..
٢ - (٣) في أ: "يهودية"..
٣ - (٤) المسند (٦/٨١)..
٤ - (١) المسند (٦/٢٣٨)..
٥ - (٢) المسند (٦/٢٤٨) وصحيح مسلم برقم (٥٨٤)..
٦ - (٣) في ت: "وقد روى البخاري بإسناده من عائشة"..
٧ - (٤) في ت: "القبور" وفي أ: "وقاك الله من عذاب القبر"..
٨ - (٥) في ت: "عائشة رضي الله عنها"..
٩ - (٦) صحيح البخاري برقم (١٣٧٢)..
١٠ - (١) في ت: "وروى ابن أبي حاتم بإسناده عن ابن مسعود"..
١١ - (٢) في س: "المنسومة"..
١٢ - (٣) انظر تخريج هذا الحديث عند تفسير الآية الأولى من سورة الإسراء..
١٣ - (٤) في س: "ابن"..
١٤ - (٥) مسند البزار برقم (٩٤٥) "كشف الأستار" ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٢٥٣) من طريق علي بن الحسين به، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه" وتعقبه الذهب. قلت: فيه عتبة بن يقظان وهو واه..
١٥ - (٦) في ت: "وروى ابن جرير بإسناده إلي"..
١٦ - (٧) في ت: "ذلك"..
١٧ - (١) تفسير الطبري (٢٤/٤٦)..
١٨ - (٢) في أ: "ابن عمر رضي الله عنهما"..
١٩ - (٣) المسند (٢/١١٣) وصحيح البخاري برقم (١٣٧٩) وصحيح مسلم برقم (٢٨٦٦)..

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
وفي البرزخ ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ فهذه العقوبات الشنيعة، التي تحل بالمكذبين لرسل الله، المعاندين لأمره.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{٢٣ - ٤٦} ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ إلى آخر القصة.
أي: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا﴾ إلى جنس هؤلاء المكذبين ﴿مُوسَى﴾ ابن عمران، ﴿بِآيَاتِنَا﴾ العظيمة، الدالة دلالة قطعية، على حقية ما أرسل به، وبطلان ما عليه من أرسل إليهم من الشرك وما يتبعه. ﴿وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ أي: حجة بينة، تتسلط على القلوب فتذعن لها، كالحية والعصا ونحوهما من الآيات البينات، التي أيد الله بها موسى، ومكنه مما دعا إليه من الحق.
والمبعوث إليهم ﴿فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾ وزيره ﴿وَقَارُونَ﴾ الذي كان من قوم موسى، فبغى عليهم بماله، وكلهم ردوا عليه أشد الرد ﴿فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا﴾ وأيده الله بالمعجزات الباهرة، الموجبة لتمام الإذعان، لم يقابلوها بذلك، ولم يكفهم مجرد الترك والإعراض، بل ولا إنكارها ومعارضتها بباطلهم، بل وصلت بهم الحال الشنيعة إلى أن ﴿قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ﴾ حيث كادوا هذه المكيدة، وزعموا أنهم إذا قتلوا أبناءهم، لم يقووا، وبقوا في رقهم وتحت عبوديتهم.
فما كيدهم إلا في ضلال، حيث لم يتم لهم ما قصدوا، بل أصابهم ضد ما قصدوا، أهلكهم الله وأبادهم عن آخرهم.
(١) وتدبر هذه النكتة التي يكثر مرورها بكتاب الله تعالى: إذا كان السياق في قصة معينة أو على شيء معين، وأراد الله أن يحكم على ذلك المعين بحكم، لا يختص به ذكر الحكم، وعلقه على الوصف العام ليكون أعم، وتندرج فيه الصورة التي سيق الكلام لأجلها، وليندفع الإيهام باختصاص الحكم بذلك المعين.
فلهذا لم يقل ﴿وما كيدهم إلا في ضلال﴾. بل قال: ﴿وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ﴾.
(١) في هامش الأصل (قاعدة).

﴿وقَالَ فِرْعَوْنُ﴾ متكبرًا متجبرًا مغررًا لقومه السفهاء: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ أي: زعم -قبحه الله- أنه لولا مراعاة خواطر قومه لقتله، وأنه لا يمنعه من دعاء ربه، ثم ذكر الحامل له على إرادة قتله، وأنه نصح لقومه، وإزالة للشر في الأرض فقال: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ الذي أنتم عليه ﴿أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأرْضِ الْفَسَادَ﴾ وهذا من أعجب ما يكون، أن يكون شر الخلق ينصح الناس عن اتباع خير الخلق هذا من التمويه والترويج الذي لا يدخل إلا عقل من قال الله فيهم: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾
﴿وَقَالَ مُوسَى﴾ حين قال فرعون تلك المقالة الشنيعة التي أوجبها له طغيانه، واستعان فيها بقوته واقتداره، مستعينًا بربه: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ أي: امتنعت بربوبيته التي دبر بها جميع الأمور ﴿مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ أي: يحمله تكبره وعدم إيمانه بيوم الحساب على الشر والفساد، يدخل فيه فرعون وغيره، كما تقدم قريبًا في القاعدة، فمنعه الله تعالى بلطفه من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب، وقيض له من الأسباب ما اندفع به عنه شر فرعون وملئه.
ومن جملة الأسباب، هذا الرجل المؤمن، الذي من آل فرعون، من بيت المملكة، لا بد أن يكون له كلمة مسموعة، وخصوصًا إذا كان يظهر موافقتهم ويكتم إيمانه، فإنهم يراعونه في الغالب ما لا يراعونه لو خالفهم في الظاهر، كما منع الله رسوله محمدًا ﷺ بعمه أبي طالب من قريش، حيث كان أبو طالب كبيرًا عندهم، موافقًا لهم على دينهم، ولو كان مسلمًا لم يحصل منه ذلك المنع.
فقال ذلك الرجل المؤمن الموفق العاقل الحازم، مقبحًا فعل قومه، وشناعة ما عزموا عليه: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ أي: كيف تستحلون قتله، وهذا ذنبه وجرمه، أنه يقول ربي الله، ولم يكن أيضا قولا مجردًا عن البينات، ولهذا قال: ﴿وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ لأن بينته اشتهرت عندهم اشتهارًا علم به الصغير والكبير، أي: فهذا لا يوجب قتله.
فهلا أبطلتم قبل ذلك ما جاء به من الحق، وقابلتم البرهان ببرهان يرده، ثم بعد ذلك نظرتم: هل يحل قتله إذا ظهرتم عليه بالحجة أم لا؟ فأما وقد ظهرت حجته، واستعلى برهانه، -[٧٣٧]- فبينكم وبين حل قتله مفاوز تنقطع بها أعناق المطي.
ثم قال لهم مقالة عقلية تقنع كل عاقل، بأي حالة قدرت، فقال: ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾
أي: موسى بين أمرين، إما كاذب في دعواه أو صادق فيها، فإن كان كاذبًا فكذبه عليه، وضرره مختص به، وليس عليكم في ذلك ضرر حيث امتنعتم من إجابته وتصديقه، وإن كان صادقًا وقد جاءكم بالبينات، وأخبركم أنكم إن لم تجيبوه عذبكم الله عذابًا في الدنيا وعذابًا في الآخرة، فإنه لا بد أن يصيبكم بعض الذي يعدكم، وهو عذاب الدنيا.
وهذا من حسن عقله، ولطف دفعه عن موسى، حيث أتى بهذا الجواب الذي لا تشويش فيه عليهم، وجعل الأمر دائرًا بين تينك الحالتين، وعلى كل تقدير فقتله سفه وجهل منكم.
ثم انتقل رضي الله عنه وأرضاه وغفر له ورحمه - إلى أمر أعلى من ذلك، وبيان قرب موسى من الحق فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ﴾ أي: متجاوز الحد بترك الحق والإقبال على الباطل. ﴿كَذَّابٌ﴾ بنسبته ما أسرف فيه إلى الله، فهذا لا يهديه الله إلى طريق الصواب، لا في مدلوله ولا في دليله، ولا يوفق للصراط المستقيم، أي: وقد رأيتم ما دعا موسى إليه من الحق، وما هداه الله إلى بيانه من البراهين العقلية والخوارق السماوية، فالذي اهتدى هذا الهدى لا يمكن أن يكون مسرفًا ولا كاذبًا، وهذا دليل على كمال علمه وعقله ومعرفته بربه.
ثم حذر قومه ونصحهم، وخوفهم عذاب الآخرة، ونهاهم عن الاغترار بالملك الظاهر، فقال: ﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ أي: في الدنيا ﴿ظَاهِرِينَ فِي الأرْضِ﴾ على رعيتكم، تنفذون فيهم ما شئتم من التدبير، فهبكم حصل لكم ذلك وتم، ولن يتم، ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ﴾ أي: عذابه ﴿إِنْ جَاءَنَا﴾ ؟ وهذا من حسن دعوته، حيث جعل الأمر مشتركًا بينه وبينهم بقوله: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا﴾ وقوله: ﴿إِنْ جَاءَنَا﴾ ليفهمهم أنه ينصح لهم كما ينصح لنفسه، ويرضى لهم ما يرضى لنفسه.
فـ ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ﴾ معارضًا له في ذلك، ومغررًا لقومه أن يتبعوا موسى: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ وصدق في قوله: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى﴾ ولكن ما الذي رأى؟
رأى أن يستخف قومه فيتابعوه، ليقيم بهم رياسته، ولم ير الحق معه، بل رأى الحق مع موسى، وجحد به مستيقنًا له.
وكذب في قوله: ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ فإن هذا قلب للحق، فلو أمرهم باتباعه اتباعًا مجردًا على كفره وضلاله، لكان الشر أهون، ولكنه أمرهم باتباعه، وزعم أن في اتباعه اتباع الحق وفي اتباع الحق، اتباع الضلال.
﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ﴾ مكررًا دعوة قومه غير آيس من هدايتهم، كما هي حالة الدعاة إلى الله تعالى، لا يزالون يدعون إلى ربهم، ولا يردهم عن ذلك راد، ولا يثنيهم عتو من دعوه عن تكرار الدعوة فقال لهم: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأحْزَابِ﴾ يعني الأمم المكذبين، الذين تحزبوا على أنبيائهم، واجتمعوا على معارضتهم، ثم بينهم فقال: ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي: مثل عادتهم في الكفر والتكذيب وعادة الله فيهم بالعقوبة العاجلة في الدنيا قبل الآخرة، ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ فيعذبهم بغير ذنب أذنبوه، ولا جرم أسلفوه.
ولما خوفهم العقوبات الدنيوية، خوفهم العقوبات الأخروية، فقال: ﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمِ التَّنَادِ﴾ أي: يوم القيامة، حين ينادي أهل الجنة أهل النار: ﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا﴾ إلى آخر الآيات.
﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾
وحين ينادي أهل النار مالكًا ﴿ليقض علينا ربك﴾ فيقول: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ وحين ينادون ربهم: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ فيجيبهم: ﴿اخْسؤُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ وحين يقال للمشركين: ﴿ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾
فخوفهم رضي الله عنه هذا اليوم المهول، وتوجع لهم أن أقاموا على شركهم بذلك، ولهذا قال: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِين﴾ أي: قد ذهب بكم إلى النار ﴿مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ لا من أنفسكم قوة تدفعون بها عذاب الله، ولا ينصركم من دونه من أحد ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ﴾
﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ لأن الهدى بيد الله تعالى، فإذا منع عبده الهدى لعلمه أنه غير لائق به، لخبثه، فلا سبيل إلى هدايته.
﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ﴾ بن يعقوب عليهما السلام ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ إتيان موسى بالبينات الدالة على صدقه، وأمركم بعبادة ربكم وحده لا شريك له، ﴿فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ﴾ -[٧٣٨]- في حياته ﴿حَتَّى إِذَا هَلَكَ﴾ ازداد شككم وشرككم، و ﴿قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولا﴾ أي: هذا ظنكم الباطل، وحسبانكم الذي لا يليق بالله تعالى، فإنه تعالى لا يترك خلقه سدى، لا يأمرهم وينهاهم، ويرسل إليهم رسله، وظن أن الله لا يرسل رسولا ظن ضلال، ولهذا قال: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ وهذا هو وصفهم الحقيقي الذي وصفوا به موسى ظلمًا وعلوا، فهم المسرفون بتجاوزهم الحق وعدولهم عنه إلى الضلال، وهم الكذبة، حيث نسبوا ذلك إلى الله، وكذبوا رسوله.
فالذي وصفه السرف والكذب، لا ينفك عنهما، لا يهديه الله، ولا يوفقه للخير، لأنه رد الحق بعد أن وصل إليه وعرفه، فجزاؤه أن يعاقبه الله، بأن يمنعه الهدى، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾
ثم ذكر وصف المسرف الكذاب فقال: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ التي بينت الحق من الباطل، وصارت -من ظهورها- بمنزلة الشمس للبصر، فهم يجادلون فيها على وضوحها، ليدفعوها ويبطلوها ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ أي: بغير حجة وبرهان، وهذا وصف لازم لكل من جادل في آيات الله، فإنه من المحال أن يجادل بسلطان، لأن الحق لا يعارضه معارض، فلا يمكن أن يعارض بدليل شرعي أو عقلي أصلا ﴿كَبُرَ﴾ ذلك القول المتضمن لرد الحق بالباطل ﴿مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فالله أشد بغضًا لصاحبه، لأنه تضمن التكذيب بالحق والتصديق بالباطل ونسبته إليه، وهذه أمور يشتد بغض الله لها ولمن اتصف بها، وكذلك عباده المؤمنون يمقتون على ذلك أشد المقت موافقة لربهم، وهؤلاء خواص خلق الله تعالى، فمقتهم دليل على شناعة من مقتوه، ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: كما طبع على قلوب آل فرعون ﴿يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ متكبر في نفسه على الحق برده وعلى الخلق باحتقارهم، جبار بكثرة ظلمه وعدوانه.
﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ﴾ معارضًا لموسى ومكذبًا له في دعوته إلى الإقرار برب العالمين، الذي على العرش استوى، وعلى الخلق اعتلى: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ أي: بناء عظيمًا مرتفعًا، والقصد منه لعلي أطلع ﴿إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبًا﴾ في دعواه أن لنا ربًا، وأنه فوق السماوات.
ولكنه يريد أن يحتاط فرعون، ويختبر الأمر بنفسه، قال الله تعالى في بيان الذي حمله على هذا القول: ﴿وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ فزين له العمل السيئ، فلم يزل الشيطان يزينه، وهو يدعو إليه ويحسنه، حتى رآه حسنًا ودعا إليه وناظر مناظرة المحقين، وهو من أعظم المفسدين، ﴿وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ الحق، بسبب الباطل الذي زين له. ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ﴾ الذي أراد أن يكيد به الحق، ويوهم به الناس أنه محق، وأن موسى مبطل ﴿إِلا فِي تَبَابٍ﴾ أي: خسار وبوار، لا يفيده إلا الشقاء في الدنيا والآخرة.
﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ﴾ معيدًا نصيحته لقومه: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ لا كما يقول لكم فرعون، فإنه لا يهديكم إلا طريق الغي والفساد.
﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ﴾ يتمتع بها ويتنعم قليلا ثم تنقطع وتضمحل، فلا تغرنكم وتخدعنكم عما خلقتم له ﴿وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ التي هي محل الإقامة، ومنزل السكون والاستقرار، فينبغي لكم أن تؤثروها، وتعملوا لها عملا يسعدكم فيها.
﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً﴾ من شرك أو فسوق أو عصيان ﴿فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا﴾ أي: لا يجازى إلا بما يسوءه ويحزنه لأن جزاء السيئة السوء.
﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ من أعمال القلوب والجوارح، وأقوال اللسان ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي: يعطون أجرهم بلا حد ولا عد، بل يعطيهم الله ما لا تبلغه أعمالهم.
﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ﴾ بما قلت لكم ﴿وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ بترك اتباع نبي الله موسى عليه السلام.
ثم فسر ذلك فقال: ﴿تَدْعُونَنِي لأكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ أنه يستحق أن يعبد من دون الله، والقول على الله بلا علم من أكبر الذنوب وأقبحها، ﴿وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ﴾ الذي له القوة كلها، وغيره ليس بيده من الأمر شيء. ﴿الْغَفَّار﴾ الذي يسرف العباد على أنفسهم ويتجرؤون على مساخطه ثم إذا تابوا وأنابوا إليه، كفر عنهم السيئات والذنوب، ودفع موجباتها من العقوبات الدنيوية والأخروية.
﴿لا جَرَمَ﴾ أي: حقًا يقينًا ﴿أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ﴾ أي: لا يستحق من الدعوة إليه، والحث على اللجأ إليه، في الدنيا ولا في الآخرة، لعجزه ونقصه، وأنه لا يملك نفعًا -[٧٣٩]- ولا ضرًا ولا موتًا ولا حياة، ولا نشورًا.
﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ﴾ تعالى فسيجازي كل عامل بعمله. ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ وهم الذين أسرفوا على أنفسهم بالتجرؤ (١) على ربهم بمعاصيه والكفر به، دون غيرهم.
فلما نصحهم وحذرهم وأنذرهم ولم يطيعوه ولا وافقوه قال لهم:
﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ﴾ من هذه النصيحة، وسترون مغبة عدم قبولها حين يحل بكم العقاب، وتحرمون جزيل الثواب.
﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ أي: ألجأ إليه وأعتصم، وألقي أموري كلها لديه، وأتوكل عليه في مصالحي ودفع الضرر الذي يصيبني منكم أو من غيركم. ﴿إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ يعلم أحوالهم وما يستحقون، يعلم حالي وضعفي فيمنعني منكم ويكفيني شركم، ويعلم أحوالكم فلا تتصرفون إلا بإرادته ومشيئته، فإن سلطكم علي، َّ فبحكمة منه تعالى، وعن إرادته ومشيئته صدر ذلك.
﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ أي: وقى الله القويّ الرحيم، ذلك الرجل المؤمن الموفق، عقوبات ما مكر فرعون وآله له، من إرادة إهلاكه وإتلافه، لأنه بادأهم بما يكرهون، وأظهر لهم الموافقة التامة لموسى عليه السلام، ودعاهم إلى ما دعاهم إليه موسى، وهذا أمر لا يحتملونه وهم الذين لهم القدرة إذ ذاك، وقد أغضبهم واشتد حنقهم عليه، فأرادوا به كيدًا فحفظه الله من كيدهم ومكرهم وانقلب كيدهم ومكرهم، على أنفسهم، ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ أغرقهم الله تعالى في صبيحة واحدة عن آخرهم.
وفي البرزخ ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ فهذه العقوبات الشنيعة، التي تحل بالمكذبين لرسل الله، المعاندين لأمره.
(١) في النسختين (بالتجري).
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٠١ كتاب)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير الشافعي — الشافعي معاني القرآن — الفراء معاني القرآن للفراء — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى تفسير القرآن — الصنعاني معاني القرآن — الأخفش غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي جهود ابن عبد البر في التفسير — ابن عبد البر تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني جهود الإمام الغزالي في التفسير — أبو حامد الغزالي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي تفسير سفيان الثوري — عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
غُدُوًّا وَعَشِيًّا
أَوَّلَ النَّهَارِ، وَآخِرَهُ.

إعراب الآية ٤٦ من سورة غافر

من كتاب: إعراب القرآن

[سورة غافر (٤٠) : آية ٤٣]

لا جَرَمَ أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النَّارِ (٤٣)
لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ قال أبو إسحاق: أي ليس له استجابة دعوة تنفع، وقال غيره:
ليس له دعوة توجب له الألوهة في الدنيا وفي الآخرة.

[سورة غافر (٤٠) : الآيات ٤٤ الى ٤٥]

فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (٤٤) فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ (٤٥)
فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ أي في الآخرة. وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ قيل: هذا يدلّ على أنهم أرادوا قتله. قال الكسائي: يقال: حاق يحيق حيقا وحيوقا إذا نزل ولزم.

[سورة غافر (٤٠) : آية ٤٦]

النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ (٤٦)
النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها فيه ستة أوجه تكون النار بدلا من سوء، ويكون بمعنى هو النار، وتكون بالابتداء، وقال الفرّاء «١» : تكون مرفوعة بالعائد فهذه أربعة أوجه وأجاز الفرّاء النصب لأن بعدها عائدا وقبلها ما تتّصل به وأجاز الأخفش: الخفض على البدل من العذاب، واحتجّ بعض أهل اللغة في تثبيت عذاب القبر بقوله جلّ وعزّ: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا قال فهذا في الدنيا، وفي الحديث عن ابن مسعود قال: «إن أرواح ال فرعون ومن كان مثلهم من الكفار يعرضون على النار بالغداة والعشيّ فيقال هذه داركم» «٢» وفي حديث صخر بن جويرية عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «إنّ الكافر إذا مات عرض على النار بالغداة والعشيّ ثم تلا النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وإن المؤمن إذا مات عرضت روحه على الجنة بالغداة والعشي» «٣». قال الفرّاء «٤» : في الغداة والعشيّ أي بمقادير ذلك في الدنيا. قال أبو جعفر: غدوّ مصدر جعل ظرفا على السعة وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ نصبت يوما بقوله أَدْخِلُوا «٥» وقراءة الحسن وأبي الحسن وأبي عمرو وعاصم ادخلوا آل فرعون أشد العذاب تنصب ال فرعون في هذه القراءة على النداء المضاف ومن قرأ أدخلوا ال فرعون نصبهم بوقوع الفعل عليهم وآلَ فِرْعَوْنَ من كان على دينه وعلى مذهبه وإذا كان من كان على دينه
(١) انظر معاني الفراء ٣/ ٩.
(٢) انظر الطبري ٢٤/ ٤٦، وتفسير عبد الرزاق ٣/ ١٩٢، والبغوي ٤/ ٩٩، وابن كثير ٤/ ٨٢، والدر المنثور ٥/ ٣٥٢.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه ٣/ ٢٤٣، ومسلم في صحيحه ٤/ ٢١٩٩.
(٤) انظر معاني الفراء ٣/ ٩.
(٥) انظر تيسير الداني ١٥٥.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

القراءات في الآية ٤٦ من سورة غافر

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

أَدْخِلُواْ

(أَدْخِلُوا) بهمزة قطع مفتوحة وبكسر الخاء ومد المنفصل 3 حركات

قالون عن نافع

(أَدْخِلُوا) بهمزة قطع مفتوحة وبكسر الخاء ومد المنفصل 4 أو 5 حركات

حفص عن عاصم

(أَدْخِلُوا) بهمزة قطع مفتوحة وبكسر الخاء ومد المنفصل 4 حركات

إدريس عن خلف إسحاق عن خلف الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي

(أَدْخِلُوا) بهمزة قطع مفتوحة وبكسر الخاء ومد المنفصل 6 حركات

خلف عن حمزة خلاد عن حمزة ورش عن نافع

(أَدْخِلُوا) بهمزة قطع مفتوحة وبكسر الخاء ومد المنفصل حركتين

قالون عن نافع ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر رويس عن يعقوب روح عن يعقوب

(ادْخُلُوا) بهمزة وصل وضم الخاء ومد المنفصل 3 حركات

الدوري عن أبي عمرو

(ادْخُلُوا) بهمزة وصل وضم الخاء ومد المنفصل 4 أو 5 حركات

شعبة عن عاصم

(ادْخُلُوا) بهمزة وصل وضم الخاء ومد المنفصل 4 حركات

ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر

(ادْخُلُوا) بهمزة وصل وضم الخاء ومد المنفصل حركتين

السوسي عن أبي عمرو الدوري عن أبي عمرو قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

١٨ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

١٥ قولًا
١
عن الأوزاعي -من طريق حماد بن محمد الفزاري البلخي- أنّه سأله رجلٌ: يا أبا عمرو، إنّا نرى طيرًا سودًا تخرج مِن البحر فَوْجًا فَوْجًا، لا يعلم عددُها إلا الله، فإذا كان العشيّ عاد مثلها بِيضًا. قال: وفطِنتم لذلك؟ قالوا: نَعم. قال: تلك في حواصلها أرواحُ آل فرعون، يُعرضون عليها غُدوًّا وعشيًّا، فترجع وُكُورَها وقد احترقت رِياشُها وصارت سوداء، فيَنبُت عليها ريش أبيض، وتتناثر السُّود، ثم تُعرض على النار، ثم ترجع إلى وُكورها، فذلك دأْبهم في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة قال الله: ﴿أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾. قال: وكانوا يقولون: إنهم ستمائة ألف مقاتل١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب مَن عاش بعد الموت ص٤٨، وابن جرير ٢٠‏/‏٣٣٨ بنحوه، والثعلبي ٨‏/‏٢٧٨.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختُلف في المراد بقوله: ﴿النار يعرضون عليها غدوا وعشيا﴾ على قولين: الأول: تُجعل أرواحهم في قبورهم في أجواف طير سُود، وتُعرض على النار كل يوم مرتين إلى أن تقوم الساعة. الثاني: يُعرضون في قبورهم على منازلهم في النار تعذيبًا لهم غُدوًّا وعشيًّا. ورجَّح ابنُ جرير (٢٠/٣٣٩) عدم القطع بأحدهما مع إمكان جوازهما، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يُقال: إنّ الله أخبر أنّ آل فرعون يُعرَضون على النار غُدوًّا وعشيًّا. وجائز أن يكون ذلك العرْض على النار على نحو ما ذكرناه عن الهُزيْل بن شُرحْبيل ومَن قال مثل قوله، وأن يكون كما قال قتادة، ولا خبر يوجب الحُجَّة بأن ذلك المعني به؛ فلا قول في ذلك إلا ما دل عليه ظاهر القرآن، وهم أنهم يعرضون على النار غُدوًّا وعشيًّا».
٢
عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ أحدكم إذا مات عُرض عليه مَقعده مِن الغَداة والعشيّ، إن كان مِن أهل الجنة فمِن أهل الجنة، وإن كان مِن أهل النار فمِن أهل النار، يُقال: هذا مَقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة». ثم قرأ: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٢‏/‏٩٩-١٠٠ (١٣٧٩)، ٤‏/‏١١٧ (٣٢٤٠)، ٨‏/‏١٠٧ (٦٥١٥)، ومسلم ٤‏/‏٢١٩٩ (٢٨٦٦)، كلاهما دون ذكر الآية. وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه بذكر الآية.
٣
عن أبي سعيد الخدري، أنّ رسول الله ﷺ ذكر في حديثٍ ليلة أُسري به: «أنه أتى على سابِلَة١ آلِ فرعون، حيث يُنطلَق بهم إلى النار يُعرَضون عليها غُدوًّا وعشيًّا؛ فإذا رأوها قالوا: ربَّنا، لا تقومنّ الساعة. لِما يرون من عذاب الله»٢
التخريج
  1. ١السابلة: الطَّرِيق المسلوك. المعجم الوسيط (سبل).
  2. ٢أخرجه يحيى بن سلام ١‏/‏١٠٥-١٠٨ مطولًا، وفي تفسير ابن أبي زمنين ٤‏/‏١٣٦ مختصرًا، من طريق حماد، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري به. إسناده ضعيف جدًّا؛ فيه أبو هارون العبدي، وهو عمارة بن جوين، قال عنه ابن حجر في التقريب (٤٨٤٠): «متروك، ومنهم مَن كذّبه».
٤
عن عبد الله بن مسعود -من طريق الأعمش- قال: أرواح الشهداء في أجواف طير خُضر، تسْرح بهم في الجنة حيث شاءوا، وإن أرواح وِلدان المؤمنين في أجواف عصافير، تسْرح في الجنة حيث شاءت، وإنّ أرواح آل فرعون في أجواف طير سُود، تغدو على جهنَّم وتروح، فذلك عرْضها١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏١٨٢ مختصرًا. وعزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
٥
عن عبد الله بن مسعود -من طريق هُزيل بن شُرحْبِيل- قال: إنّ أرواح آل فرعون في أجواف طير سُود، تُعرَض على النار كلَّ يوم مرتين، يُقال: يا آل فرعون، هذه داركم١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏١٨٢.
٦
عن أبي هريرة -من طريق ميمون بن أبي ميسرة-: أنّه كان له صرختان في كل يوم غُدوة وعشيّةً، كان يقول أول النهار: ذهب الليلُ وجاء النهار، وعُرِض آلُ فرعون على النار. فلا يسمع أحدٌ صوتَه إلا استعاذ بالله من النار، وإذا كان العشيُّ قال: ذهب النهارُ وجاء الليل، وعُرض آل فرعون على النار. فلا يسمع أحدٌ صوتَه إلا استعاذ بالله من النار١
التخريج
  1. ١أخرجه سعيد بن منصور في سننه -التفسير ٧‏/‏٢٢١ (١٨٨٢). وعزاه السيوطي إلى عبد بن حُمَيد، وابن المنذر، والبيهقي في شعب الإيمان.
٧
عن الهُزَيْل بن شُرَحْبِيل -من طريق أبي قيس الأودي- قال: إنّ أرواح آل فرعون في أجواف طير سُود، تغدو وتروح على النار، فذلك عرْضها، وأرواح الشهداء في أجواف طير خُضر، وأولاد المسلمين الذين لم يبلغوا الحِنث، عصافير الجنة ترعى وتسْرح١
التخريج
  1. ١أخرجه سفيان الثوري ص٢٦٣، وابن أبي شيبة ١٣‏/‏١٦٥-١٦٦، وهناد (٣٦٦)، وابن جرير ٢٠‏/‏٣٣٧. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حُمَيد.
٨
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾، قال: ما كانت الدنيا تُعْرَضُ أرواحُهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٠‏/‏٣٣٩. وذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ٤‏/‏١٣٦-. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حُمَيد، وابن المنذر.
٩
عن الضَّحّاك بن مُزاحِم، أنّه سُئِل عن أرواح الشهداء. قال: تُجعَل أرواحهم في أجواف طير خُضر، تسرح في الجنة، وتأوي بالليل إلى قناديل مِن ذهب معلّقة بالعرش، فتأوي فيها. قيل: فأرواح الكفار؟ قال: تؤخذ أرواحهم، فتُجعَل في أجواف طير سُود، تغدو وتروح على النار. ثم قرأ هذه الآية: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حُمَيد.
١٠
عن عكرمة مولى ابن عباس، ومحمد بن كعب القُرَظي: أنّ هذه الآية: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾ تدُلُّ على عذاب القبر؛ لأن الله تعالى ميَّز عذاب الآخرة فقال: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٨/ ٢٧٨.
١١
عن محمد بن كعب القُرَظي -من طريق سليمان بن حميد- يقول: ليس في الآخرة ليلٌ ولا نصف نهار، وإنما هو بُكرة وعشيّ، وذلك في القرآن في آل فرعون: ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾، وكذلك قال لأهل الجنة: ﴿ولَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ [مريم:٦٢]١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٣٣٨.
تعليقات المحققين
  1. ٢علَّق ابنُ عطية (٧/٤٤٧) على قول القرظي بأنه: «أراد: أنهم يُعرضون في الآخرة على النار على تقدير ما بين الغدو والعشي؛ إذ لا غدو ولا عشي في الآخرة، وإنما ذلك على التقدير بأيام الدنيا».
١٢
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾، قال: صباحًا ومساء، يُقال لهم: آلَ فرعونَ، هذه منازلكم، فانظروا إليها. توبيخًا، ونِقمة، وصَغارًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٠‏/‏٣٣٩. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حُمَيد، وابن المنذر.
١٣
قال قتادة بن دعامة، ومحمد بن السّائِب الكلبي: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾ تُعرض رُوح كلِّ كافر على النار بُكرةً وعشيًّا ما دامت الدنيا١
التخريج
  1. ١تفسير البغوي ٧/ ١٥١.
١٤
عن إسماعيل السُّدّيّ -من طريق أسباط- قال: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾، بلغني: أنّ أرواح قوم فرعون في أجواف طير سُود، تُعرَض على النار غُدُوًّا وعَشِيًّا، حتى تقوم الساعة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٠‏/‏٣٣٨.
١٥
قال مقاتل بن سليمان: قوله تعالى: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾ وذلك أنّ أرواح آل فرعون ورُوحَ كل كافر تُعرَض على منازلها كل يوم مرتين؛ غُدوًّا وعشيًّا، ما دامت الدنيا. ثم أخبر بمستقرّهم في الآخرة، فقال: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ﴾ يعني: القيامة، يقال: ﴿أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ يعني: أشد عذاب المشركين١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏٧١٥.

قراءات

قول واحد
١
عن عبد الله بن مسعود، قال: قرأ رسولُ الله ﷺ: ﴿أدْخِلُواْ آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ قراءة مقطوعة الألف١٢
التخريج
  1. ١سيأتي لفظه بتمامه مع تخريجه في الآثار المتعلقة بالآية. وهي قراءة متواترة، قرأ بها العشرة ما عدا ابن كثير، وأبا عمرو، وابن عامر، وأبا بكر؛ فإنهم قرؤوا: ‹ادْخُلُواْ› بوصل الهمزة، وضم الخاء. انظر: النشر ٢‏/‏٣٦٥، والإتحاف ص٤٨٦.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختُلِف في قراءة قوله: ﴿أدخلوا آل فرعون أشد العذاب﴾؛ فقرأ قوم: ﴿أدخلوا﴾ بقطع الألف، وقرأ غيرهم: ‹ادْخُلُواْ› بوصلها. وذكر ابنُ جرير (٢٠/٣٤٠) أنّ الأولى بمعنى: الأمر بإدخالهم النار، وأن الآل -على هذه القراءة- نُصب بوقوع ﴿أدخلوا﴾ عليه. وأن الآل على القراءة الثانية نُصب بالنداء؛ لأن معنى الكلام: ادخلوا -يا آل فرعون- أشد العذاب. ثم رجَّح (٢٠/٣٤١) صحة كلتا القراءتين مستندًا إلى شهرتهما، وتقارب معناهما، فقال: «والصواب من القول في ذلك عندي أن يُقال: إنهما قراءتان معروفتان، متقاربتا المعنى، قد قرأ بكل واحدة منهما جماعة من القراء؛ فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب».

تفسير الآية

قول واحد
١
قال عبد الله بن عباس: ﴿أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ يريد: ألوان العذاب غير الذي كانوا يُعذّبون به مُنذُ أُغرِقوا١٢
التخريج
  1. ١تفسير البغوي ٧‏/‏١٥١.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابنُ عطية (٧/٤٤٧) أن قوله: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ﴾ يحتمل أن يكون «يَوْمَ» عطفًا على «عَشِيًّا»، والعامل فيه ﴿يُعْرَضُونَ﴾. ويحتمل أن يكون كلامًا مقطوعًا والعامل في «يَوْمَ» ﴿أدْخِلُوا﴾، ثم قال: «والتقدير: على كل قول: يقال أدخلوا». وذكر ابنُ القيم (٢/٤٠٩) أن الصحيح في لفظة «الآل»: أنهم الأتباع.

آثار متعلقة بالآية

قول واحد
١
عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ، قال: «ما أحسن محسن، مسلم أو كافر، إلا أثابه الله». قلنا: يا رسول الله، ما إثابة الكافر؟ قال: «المال، والولد، والصِّحة، وأشباه ذلك». قلنا: وما إثابته في الآخرة؟ قال: «عذابًا دون العذاب». وقرأ رسول الله ﷺ: ﴿أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ قراءة مقطوعة الألف١
التخريج
  1. ١أخرجه الحاكم ٢‏/‏٢٧٨ (٣٠٠١). قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه». وتعقّبه الذهبي في التلخيص بقوله: «عتبة بن يقظان واهٍ». وقال البيهقي في شعب الإيمان ١‏/‏٤٤٤ (٢٧٧): «في إسناده مَن لا يُحتجّ به». وقال ابن حجر في الفتح ١١‏/‏٤٣٢: «سنده ضعيف». وقال الألباني في الضعيفة ١٤‏/‏٤٤١ (٦٧٠١): «منكر بمرة».
التفسير بالمأثور لسورة غافر كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٤٦ من سورة غافر

٤ وقفات في هذه الآية

  • قال ابن سيرين: كان أبو هريرة يأتينا بعد صلاة العصر فيقول: عرجت ملائكة، وهبطت ملائكة، وعُرض آل فرعون على النار! فلا يسمعه أحد إلا يتعوذ بالله من النار.

    — ابن سيرين

  • سلسلة ( ختمة تعارف) سورة غافر آية 46

    — حازم شومان

  • في هذه السورة إثبات عذاب القبر، قال ربنا عن آل فرعون :(النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة ادخلوا آل فرعون أشد العذاب)

    — مجالس التدبر

  • قوله تعالى : إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:146 ،145] . تأمل هاتين الآيتين العظيمتين تدرك أن الله تعالى جعل المنافقين شرا من شر الكافرين كآل فرعون ؛ لأنه جعلهم في الدرك الأسفل من النار، وجعل أولئك في أشد العذاب حيث قال : النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:46]؛ وذلك أنهم جمعوا إلى الكفر الاستهزاء بالإسلام وأهله، وبسبب أنهم لما كانوا يظهرون الإسلام يمكنهم الاطلاع على أسرار المسلمين ، ثم يخبرون الكفار بذلك ، فكانت تتضاعف المحنة من هؤلاء المنافقين، فلهذا جعل الله عذابهم أزيد من عذاب الكفار، وأغلظ في شروط توبتهم: التوبة، والإصلاح، والاعتصام بالله، وهو أن يكون ممرضه من التوبة وإصلاح العمل طلب مرضاة الله تعالى، لا طلب مصلحة الوقت ؛ لأنه لو كان مطلوبه جلب المنافع ودفع المضار لتغير عن التوبة وإصلاح العمل سريعة ، أما إذا كان مطلوبه مرضاة الله تعالى وسعادة الآخرة والاعتصام بدين الله بقي على هذه الطريقة، ولم يتغير عنها والشرط الرابع : إخلاص الدين لله ، ولم يشترط ذلك على غيرهم؛ لأن المنافقين كانوا قد أفسدوا، وخانوا الله، ولم يخلصوا دينهم لله، بل نافقوا، والنفاق ذنب القلب، والإخلاص توبه، ثم قال الله تعالى : و فأولئك مع المؤمنين ولم يقل: (فأولئك هم المؤمنون)؛ لتكون محصله أمرهم الشهادة الظاهرية لهم بالإيمان فقط. والله أعلم.

    — صالح العايد

ترجمات معاني الآية ٤٦ من سورة غافر

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(46) The Fire; they are exposed to it morning and evening.[1374] And the Day the Hour appears [it will be said], "Make the people of Pharaoh enter the severest punishment."
[1374]- From the time of their death until the Day of Resurrection, when they will be driven into it.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال