ﭑﭒﭓﭔ

فصل في اشتقاق البسملة
البسملة : مصدر " بسمل "، أي : قال :" بسم الله، نحو :" حوقل، وهيلل، وحمدَل، وحيعل "، أي قال : لا حول ولا قوة إلا بالله، ولا إله إلا الله، والحمد لله، وحي على الصلاة ومثله " الحسبلة " وهي قوله :" حسبنا الله "، و " السبحلة " وهي قول :" سبحان الله " و " الجعفلة " (١١٧) : قول " جعلت فداك "، و " الطلبقة والدمعزة " حكاية قولك :" أطال الله تعالى بقاءك، وأدام عزك ".
وهذا شبيه بباب النحت في النسب، أي أنهم يأخذون اسمين، فينحتون منهما لفظا واحدا ؛ فينسبون إليه ؛ كقولهم :" حضرمي، وعبقسين وعبشمي " نسبة إلى " حضرموت "، وعبد قيس " (١١٨)وعبد شمس " ؛ قال الشاعر(١١٩) :[ الطويل ]

٦-
وتضحك مني شيخة عبشمية *** كأن لم ترى قبلي أسيرا يمانيا(١٢٠)
وهو غير مقيس، فلا جرم أن بعضهم قال في :" بسمل، وهيلل " : إنهما لغة مولدة.
قال الماوردي(١٢١) رحمه الله تعالى : يقال لمن قال :" بسم الله " :" مُبسمل " وهي لغة مولدة ؛ وقد جاءت في الشعر ؛ قال عمر بن أبي ربيعة(١٢٢) :[ الطويل ].

٧-
لقد بسملت ليلى غداة لقيتها فيا حبذا ذاك الحبيب المبسمل(١٢٣)
وغيره من أهل اللغة نقلها، ولم يقل إنها مولدة كـ " ثعلب " (١٢٤)و " المطرزي " (١٢٥).
" بسم الله " : جار ومجرور، والباء متعلق بمضمر، فنقول : هذا المضمر يحتمل أن يكون اسما، وأن يكون فعلا، وعلى التقديرين ؛ فيجوز أن يكون متقدما ومتأخرا، فهذه أقسام أربعة.
أما إذا كان متقدما، وكان فعلا ؛ فكقولك : أبدأ ببسم الله.
وإن كان متقدما، وكان اسما ؛ فكقولك : ابتدائي ببسم الله.
وإن كان متأخرا، وكان فعلا ؛ فكقولك : بسم الله أبدأ.
وإن كان متأخرا، وكان اسما ؛ كقولك : بسم الله ابتدائي.
وأيهما أولى التقديم أم التأخير ؟
قال ابن الخطيب : كلاهما ورد في القرآن الكريم، أما التقديم، فكقوله بسم الله مجراها ومرساها [ هود : ٤١ ] وأما التأخير ؛ فكقوله تعالى : اقرأ باسم ربك [ العلق : ١ ] وأقول : التقديم أولى ؛ لأنه-تعالى- قديم واجب الوجود لذاته، فيكون وجوده سابقا على وجود غيره، لأن السبق بالذات يستحق السبق في الذكر ؛ قال تبارك وتعالى : هو الأول والآخر [ الحديد : ٣ ] وقال تعالى : لله الأمر من قبل ومن بعد [ الروم : ٤ ] وقال تعالى : إياك نعبد وإياك نستعين [ الفاتحة : ٥ ].
قال أبو بكر الرازي(١٢٦)-رحمه الله تعالى- إضمار الفعل أولى من إضمار الاسم ؛ لأن نسق تلاوة القرآن يدل على أن المضمر هو الفعل، وهو الأمر، لأنه –تبارك وتعالى- قال : إياك نعبد وإياك نستعين فكذا قوله تعالى بسم الله الرحمان الرحيم التقدير : قولوا : بسم الله.
وأقول : لقائل أن يقول : بل إضمار الاسم أولى ؛ لأنا إذا قلنا : تقدير الكلام : بسم الله ابتداء كل شيء، كان هذا إخبارا عن كونه مبدأ في ذاته لجميع الحوادث، ومخالفا لجميع الكائنات، سواء قاله قائل، أو لم يقله، ولا شك أن هذا الاحتمال أولى، وتمام الكلام يأتي في بيان أن الأولى أن يقال : الحمد لله وسيأتي لذلك زيادة بيان في الكلام في الاسم إن شاء الله تعالى.

فصل فيما يحصل به الجر



الجر يحصل بشيئين :

أحدهما بالحرف ؛ كما في قوله تعالى :" بسم الله ".
والثاني : بالإضافة ؛ كما في قوله تعالى :" الله " من قوله " بسم الله ".
وأما الجر الحاصل في لفظة " الرحمان الرحيم " فإنما حصل، لكون الوصف ثابتا للموصوف في الإعراب، فها هنا أبحاث :
أحدها : أن حروف الجر لم اقتضت الجر ؟
وثانيهما : أن الإضافة لم اقتضت الجر ؟
وثالثها : أن اقتضاء الحروف أقوى، أم اقتضاء الإضافة ؟
ورابعها : أن الإضافة بين الجزء والكل، أو بين الشيء الخارج عن ذات الشيء المنفصل ؟
قال مكي(١٢٧)-رحمه الله تعالى- كُسرت الباء من " بِسم الله " ؛ لتكون حركتها مشبهة لعملها ؛ وقيل : كسرت ليفرق بين ما يخفض، ولا يكون إلا حرفا ؛ نحو : الباء، واللام، وبين ما يخفض، وقد يكون اسما نحو : الكاف.
وإنما عملت الباء وأخواتها الخفض ؛ لأنها لا معنى لها إلا في الأسماء، فعملت الإعراب الذي لا يكون إلا في الأسماء، وهو الخفض، وكذلك الحروف التي تجزم الأفعال، إنما عملت الجزم ؛ لأنها لا معنى لها إلا في الأفعال، فعملت الإعراب الذي لا يكون إلا في الأفعال، وهو الجزم.
والباء-هنا- للاستعانة ؛ كـ " عملت بالقدوم " لأن المعنى : أقرأ مستعينا بالله، ولها معان أخر تقدم الوعد بذكرها وهي :
الإلصاق : حقيقة أو مجازا نحو : مسحت برأسي، " مررت بزيد ".
قال ابن الخطيب(١٢٨) –رحمه الله تعالى- فرّع أصحاب أبي حنيفة –رحمه الله- على " باء " الإلصاق مسائل :
إحداها : قال محمد –رحمه الله تعالى- في " الزيادات " : إذا قال لامرأته : أنت طالق بمشيئة الله، لا يقع الطلاق ؛ وهو كقوله : أنت طالق إن شاء الله، ولو قال : لم يشأ الله يقع ؛ لأنه أخرج مخرج التعليل، وكذلك أنت طالق بمشيئة(١٢٩) الله تعالى لا يقع الطلاق، ولو قال أو بإرادة(١٣٠)الله لا يقع، [ ولو قال لإرادة الله يقع ](١٣١)أما إذا قال : أنت طالق بعلم الله، أو لعلم الله، فإنه يقع في الوجهين، ولا بد من الفرق.
وثانيهما : في باب الأيمان لو قال : إن خرجت من هذه الدار إلا بإذني، فأنت طالق، تحتاج في كل مرة إلى إذنه، ولو قال : إن خرجت إلا أن آذن لك، فأذن لها مرة كفى، ولا بد من الفرق.
وثالثها : لو قال : طلقي نفسك ثلاثا بألف، فطلقت نفسها واحدة، وقعت بثلث الألف، وذلك أن الباء تدل على البدلية، فيوزع البدل على المبدل، فصار بإزاء كل طلقة ثلث الألف، ولو قال : طلقي نفسك ثلاثا على ألف، فطلقت نفسها واحدة، لم يقع عند أبي حنيفة ؛ لأن لفظة " على " كلمة شرط(١٣٢) ولم يوجد الشرط، وعند صاحبيه يقع واحدة بثلث الألف دلت وها هنا مسائل متعلقة بالباء.
قال أبو حنيفة رضي الله عنه : الثمن إنما يتميز عن المثمّن بدخول " الباء " عليه، فإذا قلت : بِعت كذا بكذا، فالذي دخل عليه " الباء " هو الثمن وعلى هذا تبنى مسألة البيع الفاسد، فإذا قال بعت هذا الكرباس من الخمر صح البيع، والعقد فاسد.
وإذا قال : بعث هذا الخمر، فالكرباس لم يصح، وله الفرق في الصورة الأولى : أن الخمر ثمن، وفي الثانية الحمر مثمن، وجعل الخمر مثمنا لا يجوز.
ومنها قال الشافعي-رضي الله تعالى عنه- : إذا قال : بعتك هذا الثوب بهذا الدرهم تعين ذلك الدرهم.
وعند أبي حنيفة –رحمه الله- لا يتعين.
والسببية : فبظلم من الذين هادوا حرمنا [ النساء : ١٦٠ ] أي : بسبب ظلمهم.
والمصاحبة : نحو :" خرج زيدٌ بثيابه " أي : مصاحبا لها.
والبدل : كقوله –عليه الصلاة والسلام- :" ما يسرني بها حمر النعم " (١٣٣)، أي : بدلها ؛ وكقول الآخر :[ البسيط ].

٨-
فليت لي بهم قوما إذا ركبوا شنوا الإغارة فرسانا وركبانا(١٣٤)
أي بدلهم.
والقسم :" أحلف بالله لأفعلن ".
والظرفية : نحو :" زيد بمكة " أي : فيها.
والتعدية : نحو ذهب الله بنورهم [ البقرة : ١٧ ].
والتبعيض : كقول الشاعر في هذا البيت :[ الطويل ].

٩-
شرِبْنَ بماء البحر ثم ترفعت متى لجج خضر، لهن نئيج(١٣٥)
أي : من مائه.
والمقابلة :" اشتريت بألف " أي : قابلته بهذا الثمن.
والمجاوزة : نحو قوله تعالى : ويوم تشقق السماء بالغمام [ الفرقان : ٢٥ ]، ومنهم من قال : لا يكون كذلك إلا مع السؤال خاصة ؛ نحو : فاسأل به خبيرا [ الفرقان : ٥٩ ] أي : عنه، وقول علقمة(١٣٦) :[ الطويل ]

١٠-
فإن تسألوني بالنساء فإنــني خبير بأدواء النساء طبيب
إذا شاب رأس المرء [ أو ](١٣٧) قلّ ماله فليس له في ودهن نصيب(١٣٨)
والاستعلاء : كقوله تعالى : من إن تأمنه بقنطار [ آل عمران : ٧٥ ]، أي : على قنطار.
وبمعنى " إلى " : كقوله وقد أحسن بي [ يوس : ١٠٠ ].
والجمهور يأبون جعلها إلا للإلصاق، أو التعدية، ويردون جميع المواضع المذكورة إليهما، وليس هذا موضع استدلال.

وقد تزاد مطردة، وغير مطردة :

فالمطردة : في فاعل " كفى " نحو : كفى بالله [ العنكبوت : ٥٢ ] أي : كفى الله. بدليل سقوطها في قول الشاعر :[ الطويل ].

١١-
......................... كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا(١٣٩)
وفي خبر " ليس " و " ما " أختها غير موجب بـ " إلا " ؛ كقوله تعالى : أليس الله بكاف عبده [ الزمر : ٣٦ ] وما ربك بغافل [ الأنعام : ١٣٢ ]، وفي " بحسبك زيد ".
وغير مطردة : في مفعول " كفى " ؛ كقوله :[ الكامل ].

١٢-
فكفى بنا فضلا على من غيرنا حب النبي محمد إيانا(١٤٠)
أي : كفانا، وفي البيت كلام آخر، وفي المبتدإ غير " حسب ".
ومنه في أحد القولين : بأييّكم المفتون [ القلم : ٦ ].
[ أي : أيكم المفتون ](١٤١) وقيل : المفتون مصدر كالمعقول والميسور، فعلى هذا ليست زائدة.
وفي خبر " لا " أخت " ليس " ؛ كقول الشاعر :[ الطويل ]

١٣-
وكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة بمغن فتيلا عن سواد بن قارب(١٤٢)
أي : مغنيا.
وفي خبر " كان " منفية ؛ نحو :[ الطويل ].

١٤-
وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن بأعجلهم إذا أجشع القوم أعجل(١٤٣)
أي : لم أكن أعجلهم.
وفي الحال، وثاني مفعولي " ظن " منفيين أيضا ؛ كقول القائل في ذلك البيت :[ الوافر ].

١٥-
فما رجعت بخائبة ركاب حكيم بن المسيب منتهاها(١٤٤)
وقال الآخر :[ الطويل ]

١٦-
دعاني أخي والخيل بيني وبينه فلما دعاني لم يجدني بقعدد(١٤٥)
أي : ما رجعت ركاب خائبة، ولم يجدني قعددا.
وفي خبر " إنَّ " ؛ كقول امرئ القيس(١٤٦) :[ الطويل ].

١٧-
فإن تنأ عنها حقبة لا تلاقها فإنك مما أحدثت بالمجرب(١٤٧)
أي : فإنك المجرب.
وفي أولم يروا أن الله [ الإسراء : ٩٩ ].
والاسم لغة : ما أبان عن مسمى، واصطلاحا : ما دل على معنى في نفسه فقط غير متعرض ببنيته لزمان، ولا دال جزء من أجزائه على جزء من أجزاء معناه.
وبهذا القيد الأخير خرجت الجملة الاسمية، والتسمية : جعل اللفظ دالا على ذلك المعنى.
قال أبو عبيدة :-رحمه الله تعالى- : ذكر الاسم في قوله تعالى :" بسم الله " صلة زائدة، والتقدير :" بالله "، وإنما ذكر لفظة " الاسم " : إما للتبرك، وإما أن يكون فرقا بينه وبين القسم.
قال ابن الخطيب(١٤٨)-رحمه الله تعالى- : وأقول : المراد من قوله تعالى :" بسم الله " ابدءوا بـ " بسم الله "، وكلام أبي عبيدة ضعيف، لأن الله أمرنا بالابتداء، فهذا الأمر إنما يتناول فعلا من أفعالنا، وذلك الفعل، هو لفظنا وقولنا، فوجب أن يكون المراد : ابدءوا بـ " بسم الله ".
وقال صاحب " البحر المحيط " : اختلف الناس : هل الاسم عين المسمى، أو غيره ؟ وهي مسألة طويلة تكلم الناس فيها قديما وحديثا، وسيأتي إن شاء الله تعالى.
واستشكلوا على كونه هو المسمى إضافته إليه ؛ فإنه يلزم منه إضافة الشيء إلى نفسه. وأجاب أبو البقاء(١٤٩)-رحمه الله- عن ذلك بثلاثة أجوبة :
أجودها : أن الاسم -هنا- بمعنى التسمية، والتسمية غير الاسم ؛ لأن التسمية هي : اللفظ بالاسم، والاسم هو : اللازم للمسمى ؛ فتغايرا.
الثاني : أن في الكلام حذف مضاف تقدير : بسم مسمى الله.
الثالث : أن لفظ " اسم " زائد ؛ كقوله :[ الطويل ].

١٨-
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر(١٥٠)
أي : السلام عليكما.
وقول ذي الرمة(١٥١) :[ البسيط ].

١٩-
لا ينعش الطرف إلا ما تخونه داع يناديه باسم الماء مبغوم(١٥٢)
وإليه ذهب أبو عبيدة(١٥٣)، والأخفش(١٥٤) وقطرب(١٥٥) -رحمهم الله- واختلفوا في معنى الزيادة :
فقال الأخفش :" ليخرج من حكم القسم إلى قصد التبرك ".
وقال قطرب :" زي
فصل في بيان هل التسمية آية من الفاتحة أم لا ؟
قال الشافعي - رضي الله عنه - : التّسمية آية من الفاتحة، ويجب قراءتها مع الفاتحة، وقال مالك والأوزاعي، - رضي الله تعالى عنهما - : إنها ليست من القرآن إلاّ في سورة النَّمل، ولا يجب قراءتها سرّا ولا جهراً، إلاّ في قيام شهر رمضان، فإنه يقرؤها.
وأما أبو حنيفة - رحمه الله - فلم ينص عليها، وإنما قال : يقول : بسم الله الرحمن الرحيم ويُسِرّ بها، ولم يقل : إنها آية من أول السورة أم لا.
قال : سُئل محمد بن الحسن - رحمه الله - عن " بسم الله الرحمن الرحيم " فقال : ما بين الدّفَّتَيْنِ كلام الله - عز وجل - القرآن.
قلت : فَلِمَ يُسَرّ بها ؟ فلم يجبني.
وقال الكَرْخي(٤١) - رحمه الله تعالى - : لا أعرف هذه المسألة بعينها لمتقدّمي أصحابنا، إلا أن أمرهم بإخفائها يدل على أنها ليست من السورة.
وقال بعض الحنفية - رحمهم الله - : تورّع أبو حنيفة وأصحابه - رحمهم الله - عن الوقوع في هذه المسألة ؛ لأن الخوض في أن التسمية من القرآن، أو ليست من القرآن أمر عظيم، فالأولى السّكوت عنه.

حُجّة من قال : إن التسمية من الفاتحة :

روى الشافعي عن مسلم عن ابن جريج(٤٢) عن ابن أبي مُلَيْكة(٤٣) عن أم سلمة - رضي الله عنها - أنها قالت :
قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتحة الكتاب، فعد بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيم آية منها والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ آية، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ آية، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ آية، إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعِينُ آية، اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ آية، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ آية " (٤٤)، وهذا نَصّ صريح.
وروى الثعلبي في تفسيره بإسناده عن أبي بريدة(٤٥) عن أبيه قال :" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ألا أُخْبِرُكَ بآية لم تنزل على أَحَدٍ بعد سُلَيْمَانَ بن داود - عليهما السلام - غيري " ؟ فقلت : بلى قال :
" بأي شيء يُفْتَتَحُ القرآن إذا افتتحت الصَّلاَة ؟ " قلت : ببسم الله الرحمن الرحيم قال :" هِيَ هِي " (٤٦) وهذا يدل على أنَّ التسمية من القرآن.
وروى الثَّعْلبي بإسناده عن جعفر بن مُحَمَّدٍ عن أبيه عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - " أنّ النبي - عليه الصّلاة والسلام - قال له :" كيف تَقُول إذا قُمْتَ إلى الصَّلاة " ؟ قال : أقول : الحمد لله رب العالمين، قال :" قل : بسم الله الرحمن الرحيم " (٤٧).
وروى أيضاً بإسناده عن سعيد بن جُبَيْرٍ عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله تبارك وتعالى : آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ [ الحجر : ٨٧ ] قال : فاتحة الكتاب، فقيل للنابغة(٤٨)، أين السَّابعة ؟ فقال : بسم الله الرحمن الرحيم .
وبإسناده عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال :" كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد، والنبي يحدث أصحابه، إذ دخل رجل يصلّي، فافتتح الصَّلاة وتعوّذ، ثم قال : الحمد لله رب العالمين، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا رجل، قَطَعْتَ عَلى نَفْسِكَ الصَّلاة، أما علمت أن بسم الله الرَّحمن الرحيم من الحَمْد ؟ من تركها فقد تَرَكَ آيةً منها، ومن ترك أيةً منها فقد قطع عليه صلاته، فإنه لا صَلاَةَ إلا بِهَا " (٤٩).
وروى بإسناده عن طَلْحَةَ بن عبيد الله(٥٠) - رضي الله تعالى عنهما - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم :" مَنْ تَرَكَ بسم الله الرَّحْمَن الرَّحيم، فقد تَرَكَ آية من كِتاب الله تَعَالَى ".
وروي أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبيّ بن كَعب - رضي الله عنهما - :" " مَا أعظم آيَةٍ في كِتَابِ الله تَعَالى " ؟ فقال : بسم الله الرحمن الرحيم، فصدقه النبي صلى الله عليه وسلم ".
ومعلوم أنها ليست آيةً تامّة في النمل، فتعيّن أن تكون آية تامةً في أوّل الفاتحة.
وروي أن معاوية(٥١) - رضي الله عنه - لما قدم " المدينة " فصلّى بالناس صَلاَةً يجهر فيها، فقرأ أمّ القرآن، ولم يقرأ " بسم الله الرحمن الرحيم " (٥٢)، فلما قضى صلاته نَادَاهُ المُهَاجرون والأنصار من كل ناحية أنسيت ؟ أين بسم الله الرحمن الرحيم حين اسْتَفْتَحْتَ القرآن ؟
فأعاد معاوية الصَّلاة ؟ وقرأ بسم الله الرحمن الرحيم.
وهذا يدلّ على إجماع الصَّحَابة على أنها من القُرْآن ومن الفاتحة، وعلى أن الأولى الجَهْرُ بقراءتها.

فصل في بيان عدد آيات الفاتحة


حكي عن الزَّمخشري : الاتفاق على كَوْن الفاتحة سَبْعَ آيات.

وحكى ابن عطية قولين آخرين :

أحدهما : هي ستّ آيات، فأسقط البَسْمَلَة، وأسقط " أنعمت عليهم ".
والثاني : أنها ثماني آيات فأثبتهما.
قال ابن الخطيب - رحمه الله تعالى - : رأيت في بعض الروايات الشَّاذة أن الحسن البَصْري - رضي الله تعالى عنه - كان يقول : إنّ هذه السورة ثماني آيات، فأما الرواية المشهورة التي عليها الأكثرون أنها سبع آيات، وبه فسّروا قوله تعالى : وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ الْمَثَانِي [ الحجر : ٨٧ ].
إذا ثبت هذا، فنقول : إنَّ الذين قالوا : إن البَسْمَلَة آية من الفاتحة قالوا : قوله تعالى : صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [ الفاتحة : ٧ ] إلى آخرها آية تامة منها.
وأما أبو حنيفة - رضي الله عنه - فإنه لما أسقط البَسْمَلَة قال : قوله تعالى : صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ آية، وقوله : غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّآلِّينَ آية أخرى.
ودليل الشَّافعي - رضي الله تعالى عنه - أن مقطع قوله تعالى : صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ لا يشابه مقطع الآيات المتقدمّة، ورعاية التَّشابه في المَقَاطع لازم، لأنَّا وجدنا مقاطع القرآن على ضربين : مُتَقَاربة، ومُتَشَاكلة. فالمتقاربة كَسُورَةِ " ق ".
والمُتشَاكلَة في سورة " القمر "، وقوله تعالى : أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ليس من القسمين، فامتنع جعله من المَقَاطع.
وأيضاً إذا جعلنا قوله تعالى : غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ابتداء آية، فقد جعلنا أول الآية لفظ " غير "، وهذا اللفظ إمّا أن يكون صفةً لما قبله، أو استثناء مما قبله، والصّفة مع الموصوف كالشَّيءِ الواحد، وكذلك المستثنى مع المستثنى منه كالشيء الواحد، وإيقاع الفَصْل [ بينهما ](٥٣) على خلاف الدليل، أما إذا جعلنا قوله تعالى : صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ إلى آخر السورة آية واحدة [ كُنّا قَدْ جعلنا الموصوف مع الصّفة، وكذلك المستثنى مع المستثنى منه كلاماً واحداً، وآية واحدة ](٥٤)، وذلك أقرب إلى الدّليل.
فَصْلٌ هل البَسْمَلَةُ آية من أوائل السور أم لا ؟

وللشافعي قولان :

قال ابن الخطيب :" والمُحَقّقون من أصحابنا(٥٥) اتفقوا على أن بسم الله قرآن من سائر السّور، وجعلوا القولين في أنها هل هي آية تامة وحدها من كل سورة، أو هي مع ما بعدها آية ".
وقال بعض الحنفية : إنّ الشّافعي خالف الإجماع في هذه المسألة ؛ لأن أحداً ممن قبله لم يقل : إن بسم الله آية من أوائل سائر السُّور.
ودليلنا أن بسم الله مكتوب في أوائل السور بخطّ القرآن، فوجب كونه قرآناً، واحتج المخالف بما روى أبو هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال في سورة " الملك " إنها ثلاثون آية، وفي سورة " الكوثر " إنها ثلاث آيات، ثم أجمعوا على أنَّ هذا العدد حاصل بدون التسمية، فوجب ألاّ تكون التسمية آية من هذه السّور.
والجَوَاب أنا إذا قلنا : بسم الله الرحمن الرحيم مع ما بعدها آية واحدة، فالإشْكَال زائل.
فإن قالوا : لما اعترفتم بأنها آية تامةٌ من أول الفاتحة، فكيف يمكنكم أن تقولوا : إنها بعض آية من سائر السور ؟
قلنا : هذا غير بعيدٍ، ألا ترى أن قوله تعالى : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ آية تامة ؟ ثم صار مجموع قوله تعالى : وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [ يونس : ١٠ ] آية واحدة، فكذا ها هنا.
وأيضاً فقوله : سورة " الكوثر " ثلاث آيات يعني ما هو خاصية هذه السورة ثلاث آيات، وأما التسمية فهي كالشّيء المشترك فيه بين جميع السُّور، فسقط هذا السُّؤال، والله أعلم.

فصل في الجهر بالتسمية والإسرار بها


يروى عن أحمد بن حَنْبَل - رضي الله عنه - أن التسمية آية من الفاتحة إلاّ أنه يُسرّ بها في كل ركعة.
وأما الشافعي - رضي الله تعالى عنه - فإنه قال : ليست آية من الفاتحة ويجهر بها.
وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه : ليست آية من الفاتحة، ولا يجهر بها.
والاستقراء دلّ على أن السورة الواحدة، إما أن تكون بتمامها سريةً أو جهريةً، وإما أن يكون بعضها سرياً، وبعضها جهرياً، فهذا مفقودٌ في جميع السور، وإذا ثبت هذا كان الجَهْرُ بالتسمية شروعاً في القراءة الجهرية.
وقالت الشِّيعة : السُّنة هي الجَهْر بالتسمية، سواء كانت الصلاة [ جهرية أو سرية ](٥٦).
والذين قالوا : إن التسمية ليست من أوائل السور اختلفوا في سبب إثباتها في المُصْحَف في أول كل سورة، وفيه قولان :
الأول : أن التسمية ليست من القرآن، وهؤلاء فريقان :
منهم من قال : كُتِبَتْ لِلْفَصْلِ بين السُّور، وهذا الفصل قد صار الآن معلوماً، فلا حاجة إلى إثبات التسمية، فعلى هذا لو لم تكتب لَجَازَ.
ومنهم من قال : إنه يجب إثباتها في المُصْحف، ولا يجوز تركها أبداً.
والقول الثاني : أنها من لقرآن، وقد أنزلها الله تعالى، ولكنها آية مستقلة بنفسها، وليست بآية من السورة، وهؤلاء أيضاً فريقان :
منهم من قال : إن الله - تعالى - كان ينزلها في أول كل سورة على حِدَةٍ.
ومنهم من قال : لا، أنزلها مرة واحدة، وأمَرَ بإثباتها في [ أول ](٥٧) كل سورة.
والذي يدلّ على أن الله - تعالى - أنزلها، وعلى أنها من القرآن ما روي عن أم سلمة - رضي الله تعالى عنها - أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعد " بسم الله الرحمن الرحيم " آية فاصلةً.
وعن إبراهيم بن يزيد قال : قلت لعمرو بن دينار(٥٨) : إنّ الفضل الرقاشي يزعم أن " بسم الله الرحمن الرحيم " ليست من القرآن، فقال : سبحان الله ما أَجْرَأَ هذا الرجل ! سمعت سعيد بن جُبَيْرٍ يقول : سمعت ابن عباس - رضي الله عنهما - يقول : كان النبي - عليه الصلاة والسلام - إذا أنزل عليه " بسم الله الرحمن الرحيم " علم أن تلك السُّورة ختِمَتْ وفُتِحَ غيرها.
وعن عبد الله بن المُبارك أنه قال : من ترك " بسم الله الرحمن الرحيم " فقد ترك مائةً وثلاث عشرة آيةً.

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية