ﭑﭒﭓﭔ

قوله تعالى : بسم الله الرحمن الرحيم١
[ ٤ ] : مسألة : في البسملة هل هي آية من الفاتحةَ ؟
قال ابن حزم :
من كان يقرأ برواية من عد من القراء بسم الله الرحمن الرحيم آية من [ أم ] (١) القرآن ؛ لم تجزه الصلاة إلا بالبسملة وهم : عاصم بن أبي النجود، وحمزة، والكسائي، وعبد الله بن كثير(٢)، وغيرهم من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم.
ومن كان يقرأ برواية من لا يعدها من أم القرآن : فهو مخير بين أن يبسمل، وبين أن لا يبسمل وهم : ابن عامر، وأبو عمرو، ويعقوب، وفي بعض الروايات عن نافع(٣).
وقال مالك : لا يبسمل المصلي إلا في صلاة التراويح في أول ليلة من الشهر
وقال الشافعي : لا تجزئ صلاة إلا ب بسم الله الرحمن الرحيم .
قال ابن حزم : وأكثروا من الاحتجاج بما لا حجة لأي من الطائفتين فيه.
مثل الرواية عن أنس : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، وعمر، وعثمان، يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم لا قبلها ولا بعدها(٤) وعن أبي هريرة مثل هذا(٥).
قال ابن حزم : وهذا كله لا حجة فيه، لأنه ليس في شيء من هذه الأخبار نهي من رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قراءة بسم الله الرحمن الرحيم وإنما فيها : أنه عليه السلام كان لا يقرؤها.
وقد عارضت هذه الأخبار أخبار أخر منها :
١ ما روينا من طريق أحمد بن حنبل : حدثنا وكيع، ثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس قال : صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، فكانوا لا يجهرون ب بسم الله الرحمن الرحيم (٦)
٢ ورويناه أيضا : فلم يجهروا ب بسم الله الرحمن الرحيم
فهذا يوجب أنهم كانوا يقرءونها ويسرون بها، وهذا أيضا الإيجاب فيه لقراءتها.
وكذلك سائر الأخبار.
قال ابن حزم : والحق من هذا أن النص قد صح بوجوب قراءة أم القرآن فرضا، ولا يختلف اثنان من أهل الإسلام في أن هذه القراءات حق كلها مقطوع به، مبلغة كلها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن جبريل عليه السلام، عن الله عز وجل بنقل الملوان(٧)، فقد وجب إذ كلها حق أن يفعل الإنسان في قراءته أي ذلك شاء ؛ وصارت بسم الله الرحمن الرحيم في قراءة صحيحة آية من أم القرآن، وفي قراءة صحيحة ليست آية من أم القرآن.
مثل لفظة هو في قوله تعالى في سورة الحديد : هو الغني الحميد (٨) وكلفظة من في قوله تعالى : من تحتها الأنهار (٩) في سورة ( براءة ) على رأس المائة آية هما من السورتين في قراءة من قرأ بهما، وليستا من السورتين في قراءة من لم يقرأ بهما.
ومثل هذا في القرآن وارد في ثمانية مواضع، ذكرناها في كتاب القراءات(١٠)، وآيات كثيرة وسائر ذلك من الحروف يطول ذكرها. كزيادة ميم منها في سورة الكهف(١١)، وفي حم عسق : فبما كسبت (١٢)
وهاءات في مواضع كثيرة في يس : وما علمناه (١٣)، وفي الزخرف : تشتهيه الأنفس (١٤)، و لم يتسنه (١٥)، وغير ذلك.
والقرآن أنزل على سبعة أحرف، كلها حق، وهذا كله حق، وهذا كله من تلك الأحرف بصحة الإجماع المتيقن على ذلك وبالله تعالى التوفيق(١٦).

١ هذه الزيادة ليست في الأصل، وأثبتها بدلالة سياق الكلام الآتي بعدها.
٢ التيسير في القراءات السبع (٢٦) والنشر في القراءات العشر (٢٥٩/١).
٣ (٣) التيسير في القراءات السبع (٢٦) والنشر في القراءات العشر (٢٥٩/١).
٤ أخرجه مسلم في كتاب الصلاة باب حجة من قال لا يجهر بالبسملة، حديث (٣٩٩).
٥ عن نعيم المجمر قال: صليت وراء أبي هريرة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ثم قرأ بأم القرآن حتى إذا بلغ غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقال: آمين فقال الناس: آمين ويقول كلما سجد: الله أكبر وإذا قام من الجلوس في الاثنتين قال: الله أكبر وإذا سلم قال: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم
أخرجه النسائي في كتاب الافتتاح باب قراءة بسم الله الرحمن الرحيم حديث (٩٠٤).

٦ رجال الإسناد:
ـ وكيع ابن الجراح بن مليح الرؤاسي أبو سفيان الكوفي، ثقة حافظ عابد، روى له الجماعة مات سنة ١٩٧ هـ التقريب (٣٣٨/٢)
ـ شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي، مولاهم أبو بسطام الواسطي، ثم البصري، ثقة حافظ متقن أمير المؤمنين في الحديث، وهو أول من جرح وعدل، توفي سنة ١٦٠هـ انظر: سير أعلام النبلاء (٢٠٢/٧) التقريب (٣٣٨/١)
ـ قتادة بن دعامة بن قتادة السدوسي، أبو الخطاب البصري، ثقة ثبت، يقال: ولد أكمه، روى له الجماعة، مات سنة مائة وبضع عشرة التقريب (١٢٩/٢ـ١٣٠)
تخريج الحديث:
أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٤٤٨/١) والإمام أحمد في مسنده، حديث (١٢٨٢٩) (٢٢٦/٣) والدارقطني في سننه (٣١٥/١) وابن عبد البر في الإنصاف (٢١٦ـ ٢١٧) جميعهم من طريق وكيع عن شعبة، عن قتادة، به
وأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/٢٠٣) من طريق الأعمش عن شعبة، به
وأخرجه النسائي في كتاب الافتتاح، باب ترك الجهر بـ بسم الله الرحمن الرحيم حديث (٩٠٦) وابن الجارود في المنتقى (٧١/١) كلاهما من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة به
وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه (٢٥٠/١) والطحاوي في شرح معاني الآثار (٢٠٣/١) والطبراني في الكبير (٢٢٨/١) وأبو نعيم في الحلية (١٧٩/٦) جميعهم من طريق الحسن، عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر، وعمر رضي الله عنهم كانوا يسرون بسم الله الرحمن الرحيم
درجة الحديث:
قال الزيلعي في نصب الراية (٤٤٨، ٤٤٥/١) رجال هذه الروايات كلهم ثقات مخرج لهم في الصحيح أ هـ وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي (٢٢٢/١).

٧ الملوان: تعاقب الليل والنهار، يقال: لا أفعله ما اختلف الملوان، أي: الليل والنهار مختار الصحاح (٢٦٤/١) لسان العربة (١٩٠/١٣).
٨ الآية: ٢٤ قرأ أبو جعفر، ونافع، وابن عامر: فإن الله الغني الحميد بغير هو وقرأ الباقون: فإن الله هو الغني الحميد بزياد هو انظر: المبسوط في القراءات العشر (٣٦٣)ةة.
٩ التوبة ١٠٠ قرأ ابن كثير وحده وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار بزيادة من وقرأ الباقون بغير زيادة من المبسوط في القراءات العشر (١٩٦) والتيسير في القراءات السبع (٩٧).
١٠ لم أجدها في الكتاب المذكور.
١١ قرأ أبو جعفر ونافع، وابن كثير، وابن عامر: لأجدن خيرا منها منقلبا [الكهف: ٣٦] بزيادة الميم على التثنية، وقرأ الباقون بغير ميم انظر: المبسوط في القراءات العشر (٢٣٥) والتيسير في القراءات السبع (١١٧).
١٢ الآية ٣٠: قرأ أبو جعفر ونافع، وابن عامر: وما أصابكم من مصيبة بما كسبت أيديكم بغير فاء، وقرأ الباقون: فبما كسبت أيديكم بالفاء انظر: المبسوط في القراءات العشر (٣٣٢) والتيسير في القراءات السبع (١٥٨).
١٣ الآية ٦٩: ولم أقف على القراءات فيها.
١٤ الآية ٧١: قرأ أبو جعفر ونافع، وابن عامر، وحفص، عن عاصم: وفيها ما تشتهيه الأنفس بزيادة هاء في آخره وقرأ الباقون ما تشتهي الأنفس بغير هاء، انظر : المبسوط في القراءات العشر (٣٣٦)والتيسير في القراءات السبع (١٦٠).
١٥ البقرة: ٢٥٩ قرأ حمزة والكسائي، ويعقوب وخلف: لم يتسنه بحذف الهاء في الوصل، وقرأ الباقون بإثبات الهاء إذا وصلوا انظر: المبسوط في القراءات العشر (١٣٣ـ ١٣٤).
١٦ المحلى (٢٨٣/٢ـ ٢٨٥).

آراء ابن حزم الظاهري في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير