ﭑﭒﭓﭔ

بسم الله
أستعين وأبدأ دائما بالله الذي لا يعبد بحق سواه، وهو المتصف بكل جلال. ولعله اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى.
وقيل : كانت أمرا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإلى أتباعه. فالباء : إما متعلقة بفعل تقديره أبدأ باسم، وبمثله جاءت الآية الكريمة : اقرأ باسم ربك الذي خلق (١)
وإما متعلقة باسم تقديره ابدأ باسم الله ابتدائي. منه قوله تعالى : وقال اركبوا فيها باسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم (٢).
والاسم غير الذات بدليل قوله تعالى : ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها.. (٣). وقول النبي صلى الله عليه وسلم :( إن لله تسعة وتسعين اسما )(٤)، فهذه أسماء كثيرة والمسمى واحد وهو الله عز وجل ؛ وقوله تعالى .. فادعوه بها.. أي فادعوا الله بأسمائه، وذلك دليل على أنها غيره.
والله علم على الرب تبارك وتعالى، ويقال : أنه الاسم الأعظم لأنه يوصف بجميع الصفات كما قال الله عز وجل : هو الله الخالق البارئ المصور.. (٥)، وهو اسم لم يسم به غير الله عز شأنه.
وإلى هذا اتجه أبو الفداء إسماعيل بن كثير. ونحا نحوه صاحب تفسير روح المعاني حيث قال ما ملخصه : الباء للاستعانة أو المصاحبة.. متعلقة بفعل تقديره أبدأ يفيد التجدد الاستمراري. واسم من السمو " العلو " أو من السمة العلامة ويطلق على الذات والحقيقة ؛ ومنه قوله تعالى سبح اسم ربك.. (٦) إذ التسبيح، إنما يتوجه إلى الذات الأقدس ؛ وإنما يغاير الاسم المسمى في المعلومات التي تغيب عنا فتكون الأسماء دليلا عليها. وليس من الأسماء الحسنى – التسعة والتسعين – ما لفظه اسم فلا يحسن إلا أن يراد به الذات.
( الله ) يفرق بينه وبين الإله بأنه لا يطلق على غير المولى جل شأنه. وهو للذات الجامعة لسائر الصفات.
بينما ذهب أبو عبد الله محمد القرطبي إلى أن معنى ( بسم الله ) قسم بالاسم الذي يدل على الذات والصفات. أو : بخلق الله وتقديره يوصل إلى ما وصل إليه.
وقيل : الباء للأمر أي : ابدأ باسم الله. أو على معنى الخبر أي : ابتدأت باسم الله.
وقيل في معنى اسم : لما علا على الأحرف والفعل سمى اسما.
( الله ) الاسم الأعظم : لا يثنى ولا يجمع.
ومن قبلهم ذهب أبو جعفر محمد ابن جرير الطبري إلى ما اقتبسوا بعضه(٧) وتفرد بما أورده عن ابن عباس رضي الله عنهما في تأويلهما : اقرأ بذكر ربك.. وقم واقعد بذكر الله. ١ه. و( الله ) هو الذي يؤلهه كل شيء ويعبده كل شيء.
الرحمن الرحيم
اسمان مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة(٨).
و( الرحمان ) ربما كان المقصود به مفيض الرحمة في الدنيا والآخرة يختص بها أهل الإيمان، مصداقا لوعده الحق : .. وكان بالمؤمنين رحيما. تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم أجرا كريما (٩).
قال أبو جعفر(١٠) : إن الله تعالى ذكره، وتقدست أسماؤه، أدب نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بتعليم تقديم ذكر أسمائه الحسنى أمام جميع أفعاله.. وجعل ما أدبه به من ذلك وعمله إياه منه لجميع خلقه سنة يستنون بها، وسبيلا يتبعونه عليها في افتتاح أوائل منطقتهم، وصدور رسائلهم وكتبهم وحاجاتهم. اه.
نقول : ومن هذا ما علم الله نوحا عليه السلام من ذكر اسمه سبحانه في بداية ارتحاله وقال اركبوا فيها باسم الله مجراها ومرساها.. (١١) وكذا ما علم الله سليمان النبي الملك من تصدير رسالته إلى ملكة سبأ بذكر الله العظيم قالت يأيها الملأ إني ألقي إلى كتاب كريم. إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمان الرحيم. أن لا تعلوا علي وائتوني مسلمين (١٢) ؛ كما وجهنا القرآن الكريم إلى ذكر الله على ما نطعم : فكلوا مما ذكر اسم الله عليه.. (١٣). وأرشدنا النبي الكريم إلى ذكر البسملة في أول كل فعل من أكل أو شرب أو ارتحال أو استشفاء أو استمتاع.. إلى غير ذلك من الأفعال. روى مسلم في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( إن الشيطان يستحل الطعام أن لا يذكر اسم الله عليه ). كما روى عمر بن أبي سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( يا غلام سم الله، وكل بيمينك وكل مما يليك ). وكذا روي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال : باسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره شيطان أبدا ). وروى مسلم بسنده أن عثمان ابن أبي العاص شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم :( ضع يدك على الذي تألم من جسدك وقل باسم الله ثلاثا وقل سبع مرات : أعوذ بعزة الله من شر ما أجد وأحاذر ).
وروى البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه قال : باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فاغفر لها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين )(١٤).

١ سورة العلق الآية ١..
٢ سورة هود الآية ٤١..
٣ سورة الأعراف من الآية ١٨٠..
٤ من حديث في الصحيحين؛ صحيحي البخاري ومسلم رواه أبو هريرة..
٥ سورة الحشر من الآية ٢٤..
٦ سورة الأعلى من الآية ١..
٧ في كتاب جامع البيان في تفسير القرآن الذي قال فيه الإمام جلال الدين السيوطي وكاتبه أي الطبري أجل التفاسير وأعظمها فإنه يتعرض لتوجيه الأقوال وترجيح بعضها على بعض والإعراب والاستنباط وقال النوري أجمعت الأمة على أنه لم يصنف مثل تفسير الطبري و عن أبي حامد الاسفرانييني أنه قال لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصل له تفسير بان جرير لم يكن ذلك كثيرا.( المطبعة الأميرية من ص ٣٨ إلى ص ٤٦)..
٨ إذ سمى الفاعل في رحم راحم هذا والرحمة الرفق وقد جاء في الحديث (إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على اللطف ما لا يعطي على العنف).
٩ سورة الأحزاب من الآية ٤٣ والآية ٤٤..
١٠ هو محمد ابن جرير الطبري المتوفى سنة ٣١٠هـ.
١١ سورة هود من الآية ٤١..
١٢ سورة النمل الآيات ٢٩. ٣٠. ٣١..
١٣ سورة الأنعام من الآية ١١٨..
١٤ روى أحمد في مسنده عن عاصم قال سمعت أبا تميمة يحدث عن رديف النبي صلى الله عليه و سلم قال: عثر بالنبي صلى الله عليه وسلم فقلت تعس الشيطان فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( لا تقل تعس الشيطان فإنك إذا قلت تعس الشيطان تعاظم وقال بقوتي صرعته وإذا قلت باسم الله تصاغر حتى يصير مثل الذباب)..

فتح الرحمن في تفسير القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

تعيلب

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير