فاتحة الكتاب
قوله عز وجل (١): بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ اختلفت عبارة النحويين في تسمية هذِه الباء الجارة، فسموها مرة: حرف إلصاق، ومرة: حرف استعانة، ومرة: حرف إضافة، وكل هذا صحيح من قولهم (٢).
أما الإلصاق: فنحو قولك: تمسكت بزيد، وذلك أنك ألصقت محل قدرتك به، وبما اتصل به، فقد صح إذن معنى الإلصاق (٣).
وأما الاستعانة: فقولك: ضربت بالسيف، وكتبت بالقلم، وبريت بالمدية، أي: استعنت بهذِه الأدوات على هذِه الأفعال.
وأما الإضافة: فقولك: مررت بزيد، أضفت مرورك إلى زيد بالباء (٤).
وأما قول النحويين (٥): (الباء والكاف واللام الزوائد) فإنما قالوا فيهن:
(٢) نقل الواحدي الكلام عن (الباء) من كتاب "سر صناعة الإعراب" لأبي الفتح ابن جني ١/ ١٢٢ بالنص في الغالب، وقد يتصرف بالعبارة أحيانا. وللباء معان كثيرة أوصلها المزني إلى واحد وعشرين معنى. انظر: "الحروف" للمزني ص ٥٤، "حروف المعاني" للزجاجي ص ٤٧، ٨٦، ٨٧، "مغني اللبيب" ١/ ١٠١، "البحر المحيط" ١/ ١٤.
(٣) "سر صناعة الإعراب" ١/ ١٢٣، وفيه (ألصقت محل قدرتك أو ما اتصل بمحل قدرتك به أو بما اتصل به..). وسمى سيبويه هذا المعنى: إلزاقا واختلاطا "الكتاب" ٤/ ٢١٧، قال ابن هشام: وهو معنى لا يفارقها، ولهذا لم يذكر سيبويه غيره. "مغني اللبيب" ١/ ١٠١، ولكن نجد سيبويه ذكر معنى الإضافة في "الكتاب" ١/ ٤٢١.
(٤) "سر صناعة الإعراب" ١/ ١٢٣، انظر: "الكتاب" ١/ ١٢١، "المقتضب" ١/ ١٧٧، "مغني اللبيب" ١/ ١٠١، "البحر المحيط" ١/ ١٤.
(٥) "سر صناعة الإعراب" ١/ ١٢٠.
إنهن زوائد، لأنهن لما كن على حرف واحد، وقللن غاية القلة، واختلطن بما بعدهن خشي عليهن لقلتهن وامتزاجهن بما يدخلن عليه أن يظن بهن أنهن بعضه وأحد أجزائه، فوسموهن بالزيادة، ليعلموا (١) من حالهن أنهن لسن من أنفس ما وصلن به.
ألا ترى أن (اليوم تنساه) لا باء فيه، ولا كاف (٢).
وحذاق النحويين لا يسمونها زوائد، بل يقولون في الباء واللام: إنهما حرفا إضافة (٣)، وفي الكاف يقولون: حرف جر (٤).
وهذِه حروف أدوات عاملة (٥)، تجر ما تدخل عليه من الأسماء نحو: من وعن وفي (٦).
(٢) (اليوم تنساه) جملة يستعملها النحويون تجمع الحروف الزوائد وهي عشرة حروف، والمراد أن (الباء) و (الكاف) ليستا من الحروف الزوائد. انظر: "سر صناعة الإعراب" ١/ ١٢٠، "التبصرة والتذكرة" للصيمري ٢/ ٧٨٨.
(٣) عند أبي الفتح: (فأما حذاق أصحابنا فلا يسمونها بذلك، يقولون في الباء واللام أنهما حرفا إضافة). "سر صناعة الإعراب" ١/ ١٢١، وهذا قول سيبويه. انظر: "الكتاب" ١/ ٤٢١، وانظر: "المقتضب" ١/ ١٨٣، ٤/ ١٣٦ - ١٤٣، ووسمها ابن هشام في "مغني اللبيب" بالزيادة ١/ ١٠٦.
(٤) انظر: "الكتاب" ٤/ ٢١٧، "المقتضب" ٤/ ١٤٠، "مغني اللبيب" ١/ ١٧٦ - ١٧٩.
(٥) في (ب): (عاملات).
(٦) قوله: (وهذِه حروف أدوات..) ليس من كلام أبي الفتح والنص في "سر صناعة الإعراب": (وهذا موضع لابد فيه من ذكر العلة التي لها صارت حروف الإضافة هذِه جارة.. إلى أن قال: إنما جرت الأسماء..) ١/ ١٢٣. وعن عمل حروف الجر، وهل هي حروف أو أسماء؟. انظر: "الكتاب" ١/ ٤١٩ - ٤٢٠، "المقتضب" ٤/ ١٣٦، "الأصول في النحو" لابن السراج ١/ ٤٠٨. قال الصيمري في "التبصرة والتذكرة": الحروف تنقسم قسمين: أحدهما يستعمل حرفا وغير حرف، والآخر يكون حرفا لا غير. فأما=
وإنما جرت (١) الأسماء من قبل أن الأفعال التي قبلها ضعفت عن وصولها وإفضائها إلى الأسماء التي بعدها نحو قولك: (عجبت، ومررت، وذهبت) لو قلت: عجبت زيدًا، ومررت جعفرًا، وذهبت محمدًا، لم يجز كما بجوز ضربت زيدًا؛ لضعف هذِه الأفعال في العرف (٢) والعادة (٣) والاستعمال، فلما قصرت هذِه الأفعال عن الوصول إلى الأسماء رفدت بحرف الإضافة، فجعلت موصلة (٤) لها إليها، فقالوا: عجبت من زيد، ونظرت إلى محمد (٥)، فلما احتاجت هذِه الأفعال إلى هذِه الحروف لتوصلها إلى بعض الأسماء جعلت تلك الحروف جارة، وأعملت هي في الأسماء (٦). ولم يفض إلى الأسماء النصب الذي يأتي من الأفعال؛ لأنهم أرادوا أن يجعلوا بين الفعل الواصل بنفسه وبين الفعل الواصل بغيره فرقًا، ولما هجروا لفظ النصب لما ذكرنا، لم يبق إلى الرفع والجر. فأما الرفع فقد استولى عليه
(١) في (ج): (وإنما تدخل جرت).
(٢) في (ج): (القرن).
(٣) في (أ)، (ج): (في الاستعمال) وفي "سر صناعة الإعراب" (لضعف هذِه الأفعال في العرف والعاة والاستعمال عن إفضائها إلى هذِه الأسماء..) ١/ ١٢٤.
(٤) في (ج): (موصولة).
(٥) في "سر صناعة الإعراب": (نظرت إلى عمرو) ١/ ١٢٤.
(٦) هذا مذهب البصريين في سبب تسميتها حروف جر، أما الكوفيون فيسمونها حروف خفض، قالوا: لانخفاض الحنك الأسفل عند النطق به، انظر: "الإيضاح في علل النحو" ص ٩٣.
الفاعل، فلم يبق إذا غير الجر، فعدلوا إليه ضرورة (١) [و] (٢) الجار والمجرور جميعا في موضع نصب (٣)، ألا ترى أنهم عطفوا عليه بالنصب (٤) فقالوا: مررت بزيد ومحمدا، ونظرت إلى عمرو وخالدا، وعلى هذا (٥) ما أنشده سيبويه:
| مُعَاويَ إِنَّناَ بَشَرٌ فَأَسْجِحْ | فَلَسْنَا بِالجِبَالِ ولَا الحَدِيدَا (٦) |
(٢) الواو ساقطة من (ب).
(٣) "سر صناعة الإعراب" ١/ ١٣٠، وانظر: "المقتضب" ٤/ ٣٣، قال النحاس عند قوله بسم الله: (موضع الباء وما بعدها عند الفراء نصب، وعند البصريين رفع، وقال الكسائي: الباء لا موضع لها من الإعراب). "إعراب القرآن" ١/ ١١٦، وانظر: "مشكل إعراب القرآن" ١/ ٦، "إملاء ما من به الرحمن" ١/ ٤.
(٤) هذا أحد وجهين ذكرهما أبو الفتح للدلالة على صحة دعوى أن الفعل إذا أوصله حرف جر إلى الاسم، فإن الجار والمجرور في موضع نصب بالفعل الذي قبلهما. "سر صناعة الإعراب" ١/ ١٣٠.
(٥) (على هذا) مكرر في (ب).
(٦) البيت لـ (عقيبة الأسدي) ونسبه بعضهم لعبد الله بن الزبير، ومعنى (أسجح) سهل علينا حتى نصبر، فلسنا بجبال ولا حديد. والبيت من شواهد سيبويه، استشهد به في مواضع من كتابه ١/ ٦٧، ٢/ ٢٩١، ٢/ ٣٤٤، ٣/ ٩١، وورد في "المقتضب" ٢/ ٣٣٧، ٤/ ١١٢، ٤/ ٣٧١، "جمل الزجاجي" ص ٥٤، "شرح أبيات سيبويه" للسيرافي ١/ ٢٢، ٣٠٠، "مغني اللبيب" ٢/ ٤٧٧، "إعراب القرآن" للنحاس ٣/ ٤٤٠، "الإنصاف" ص ٢٨٤، "شرح المفصل" ٢/ ١٠٩، ٤/ ٩. والشاهد فيه: نصب الحديد، وعطفه على موضع الباء، وقد أنكر بعضهم على سيبويه استشهاده بالبيت، ورووه مجرورًا، ورد ذلك السيرافي وقال: إن البيت جاء بروايتين.
انظر: "شرح أبيات سيبويه" للسيرافي ١/ ٢٢، ٣٠٠، "الخزانة" ٢/ ٢٦٠ - ٢٦٤.
عطف الحديد على موضع بالجبال (١)، ولهذا قال سيبويه: (إنك إذا قلت: مررت بزيد [فكأنك قلت: مررت زيدا) (٢)، تريد (٣) بذلك أنه لولا الباء الجارة لانتصب زيد، وعلى ذلك أجازوا مررت بزيد] (٤) الظريفَ، تنصبه على موضع (بزيد) (٥).
(وجميع (٦) الحروف المفردة التي تقع في أوائل الكلم حكمها الفتح أبدًا. نحو (واو) العطف و (فائه) و (همزة) الاستفهام و (لام) الابتداء.
فأما (الباء) في (بزيد) فإنما كسرت لمضارعتها (اللام) الجارة (٧) في قولك: (المال لزيد) وسنذكر العلة في كسر اللام في قوله الْحَمْدُ لِلَّهِ [الفاتحة: ٢] إن شاء الله (٨) ووجه المضارعة بينهما اجتماعهما في الجر ولزوم كل واحد منهما الحرفية (٩)، وليست كذلك (كاف التشبيه)؛ لأنها قد تكون
(٢) انظر: "الكتاب" ١/ ٩٢، والنص من "سر صناعة الإعراب" ١/ ١٣١.
(٣) في "سر صناعة الإعراب" (يريد) وهذا أقرب، فأبو الفتح يقول: يريد سيبويه.
(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).
(٥) بنصه من "سر صناعة الإعراب" ١/ ١٤٤.
(٦) بنصه عن أبي الفتح من "سر صناعة الإعراب" ١/ ١٤٤.
(٧) قال الثعلبي العلة في كسرها أن (الباء) حرف ناقص ممال، والإمالة من دلائل الكسرة. "تفسير الثعلبي" ١/ ١٥.
(٨) في "سر صناعة الإعراب" وسنذكر العلة في كسر (اللام) في موضعها... ، ١/ ١٤٤، وقد تكلم الواحدي عن العلة في كسر (اللام) عند الكلام عن اللام الجارة في لفظ الجلالة في قوله الْحَمْدُ لِلَّهِ ونقل في ذلك عن أبي الفتح ابن جني.
(٩) انظر: "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٣، "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ١١٦، "تفسير الثعلبي" ١/ ١٥/ ب، "المشكل" لمكي ١/ ٥، "الكشاف" ١/ ٢٣.
اسما في بعض المواضع).
فأما المتعلق به (الباء) في قوله بِسْمِ اللَّهِ فإنه محذوف، ويستغنى عن إظهارها لدلالة الحال عليه، وهو معنى الابتداء، كأنه قيل (بدأت بسم الله) (١) (وأبدأ بسم الله) والحال تبين أنك مبتدئ فاستغنيت عن ذكره (٢).
وحذفت الألف من بسم الله؛ لأنها وقعت (٣) في موضع معروف، لا يجهل القارئ معناها، فاستخف طرحها؛ لأن من شأن العرب الإيجاز إذا عرف المعنى، وأثبتت في قوله فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [الواقعة: ٧٤، ٩٦، الحاقة: ٥٢] لأن هذا لا يكثر كثرة (بسم الله) ألا ترى أنك تقول: (بسم الله) عند ابتداء كل شيء (٤).
ولا تحذف الألف إذا أضيف (الاسم) إلى غير (٥) الله، ولا مع غير الباء من الحروف، فتقول: لاسم الله حلاوة في القلوب، وليس اسم كاسم الله، فتثبت الألف مع اللام والكاف (٦). هذا في سقوطها في الكتابة، وأما سقوطها
(٢) قال الطبري: أغنت دلالة ما ظهر من قول القائل: (بسم الله)، على ما بطن من مراده الذي هو محذوف. ومفهوم أنه مريد بذلك: (أقرأ بسم الله الرحمن الرحيم). "تفسير الطبري" ١/ ٥٠، وانظر: "معاني القرآن" للزجاج ١/ ١، "الوسيط" للواحدي ١/ ١٤، "الكشاف" ١/ ٢٦، "لباب التفسير" للكرماني ١/ ٢٦ (رسالة دكتوراه).
(٣) في (ب): (وقفت).
(٤) أخذه عن "معاني القرآن" للفراء، مع اختلاف يسير في اللفظ ص ٣٦، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ١١٧، "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٣.
(٥) في (ص): (لغير).
(٦) "معاني القرآن" للفراء ١/ ٢، وانظر: "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٣، "المشكل" لمكي ١/ ٥، "تفسير ابن عطية" ١/ ٨٤، "الكشاف" ١/ ٣٥.
في اللفظ، فلأنها (١) للوصل، وقد استغنى عنها بالباء (٢).
فأما معنى: (الاسم) واشتقاقه ومأخذه من اللغة، فقد كثر فيها الاختلاف، فقال (٣) نحويو (٤) الكوفة: (الاسم) مشتق من السمة، وهي العلامة، كالعدة والزنة من (الوزن) و (الوعد)، كذلك (السمة) من (الوسم) (٥)، ومن هذا قال أبو العباس (ثعلب): الاسم وسم وسمة توضع على الشيء يعرف به (٦).
وقال مشيخة البصرة: (الاسم) مشتق من السمو، لأنه يعلو المسمى، فالاسم: ما علا وظهر (٧)، فصار علما للدلالة على ما تحته من المعنى (٨). وقال بعضهم: العلة في اشتقاقه من السمو أن الكلام ثلاثة: اسم
(٢) "معاني القرآن" للزجاج ١/ ١، وانظر: "معاني القرآن" للأخفش ١/ ١٤٧، "إعراب القرآن" للنحاس ١١٧.
(٣) في (ب): (فقالوا).
(٤) (نحويو) مكانها بياض في (ب).
(٥) حذفت فاؤه اعتلالا على غير قياس، والأصل في اسم (وسم) فحذفت الفاء التي هي (الواو) من (وسم). انظر: "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٢، "تفسير ابن عطية" ١/ ٨٤، "الإنصاف في مسائل الخلاف" ص ٤، "البيان في غريب إعراب القرآن" ١/ ٣٢، "مشكل إعراب القرآن" ١/ ٦.
(٦) انظر: "تهذيب اللغة"، وفيه (الاسم رسم وسمة..)، (سما) ٢/ ١٧٤٨، "اللسان" (سما) ٤/ ٢١٠٩، "الإنصاف" ص ٤.
(٧) انظر: "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٢، "تهذيب اللغة" للأزهري (سما) ٢/ ١٧٤٨، "اشتقاق أسماء الله" للزجاجي ص ٢٥٥، "الإنصاف" ص ٥، "تفسير ابن عطية" ١/ ٨٤، "الكشاف" ١/ ٣٤، ٣٥، "مشكل إعراب القرآن" ١/ ٦.
(٨) هذا قول الزجاج، وفيه إشارة إلى أن الاسم هو المسمى، انظر: "معاني القرآن" ١/ ٢، "الإنصاف" ص ٥.
وفعل وحرف، فالاسم يصح أن يكون خبرا ويخبر عنه، والفعل يكون خبرا ولا يخبر عنه، والحرف لا يكون خبرا ولا يخبر عنه، فلما كان للاسم مزية على النوعين الآخرين وجب أن يشتق مما (١) ينبئ عن هذِه المزية، فاشتق من السمو ليدل على علوه وارتفاعه (٢).
وعند المتكلمين أنه اشتق من السمو؛ لأنه سما عن حد العدم إلى الوجود (٣). وقالوا: أصله سِمْو (٤)، وجمعه (أسماء) مثل قنو وأقناء (٥) وحنو وأحناء فحذفت الواو استثقالًا (٦) (٧)، ولم تحذف من نظائره؛ لأنها لم تكثر (٨) كثرته، ثم سكنوا السين استخفافًا لكثرة ما تجري على لسانهم، واجتلبت ألف الوصل ليمكن الابتداء به، وكان هذا أخف عليهم من ترك الحرف متحركا، لأن الألف تسقط في الإدراج، وكان إثبات الحرف الذي يسقط كثيرا أخف من حركة السين التي (٩) تلزم أبدا (١٠).
(٢) انظر: "الإيضاح في علل النحو" ص ٤٩، "الإنصاف" ص ٦.
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" ١/ ١٦/ ب.
(٤) أو (سمو) بالضم. انظر: "المقتضب" ١/ ٢٢٩، "مشكل إعراب القرآن" ١/ ٦.
(٥) في (ب): (فتو أفتاء).
(٦) في (ب): (استقلالا).
(٧) انظر: "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٢، "اشتقاق أسماء الله" ص ٢٥٥، "المنصف" ١/ ٦٠.
(٨) في (ب): (تكن).
(٩) في (ب): (الذي).
(١٠) انظر: "اشتقاق أسماء الله" ص ٢٥٦، ٢٥٧، "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ١١٧، "الكشاف" ١/ ٣٤، قال الزمخشري: (ومنهم من لم يزدها، أي: الألف، واستغنى عنها بتحريك الساكن فقال: (سم) و (سم).
قالوا: و (١) لا يصح مذهب الكوفيين في هذا الحرف، لأنه لا يعرف شيء حذفت منه فاء الفعل، فدخلت عليه ألف الوصل كالعدة والزنة.
وأيضا فلو كان من الوسم لكان تصغيره (وسيما)، كما يقول: (وعيدة) و (وصيلة) في تصغير: صلة وعدة (٢).
وأما معنى (الاسم) ففيه مذهبان (٣):
(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٢، "اشتقاق أسماء الله" ص ٢٥٥ - ٢٥٧، "المخصص" ١٧/ ١٣٤، "تفسير ابن عطية" ١/ ٨٤، "الإنصاف" لابن الأنباري وقد ذكر خمسة وجوه في (بيان فساد مذهب الكوفيين) ص ٤، "تهذيب اللغة" (سما) ٢/ ١٧٤٧.
(٣) ذكر الرازي وابن كثير فيه ثلاثة مذاهب وهي:
١ - الاسم نفس المسمى وغير التسمية.
٢ - الاسم غير المسمى ونفس التسمية.
٣ - الاسم غير المسمى وغير التسمية. "التفسير الكبير" للرازي ١/ ١٠٨، "تفسير ابن كثير" ١/ ٢٠، وقد كثر الخوض في هذِه المسألة، وجعل بعضهم كثرة الحديث فيها من باب العبث الذي لا طائل تحته. انظر: "تفسير الرازي" ١/ ١٠٩.
قال الطبري: (وليس هذا هو الموضع من مواضع الإكثار في الإبانة عن الاسم: أهو المسمى أم غيره، أم هو صفة له؟ فنطيل الكتابة، وإنما هذا موضع من مواضع الإنابة عن الاسم المضاف إلى الله، أهو اسم أم مصدر بمعنى التسمية؟..) ثم أخذ ابن جرير يرد على أبي عبيدة قوله: إن الاسم هو المسمى بتقريع مرير. وقد علق الأستاذ (محمود شاكر) على كلام الطبري بكلام جيد. انظر: "تفسير الطبري" ١/ ١٨٨ - ١٢٢. (تحقيق محمود شاكر) كما تكلم عن هذا ابن عطية في تفسير "المحرر الوجيز" ١/ ٨٥. وقد أوضح العلامة ابن أبي العز في شرح "العقيدة الطحاوية" المنهج الصحيح في هذا حيث قال: قولهم: الاسم عين المسمى أو غيره؟ وطالما غلط كثير من الناس في ذلك، وجهلوا الصواب فيه، فالاسم يراد به المسمى تارة، ويراد به اللفظ الدال عليه أخرى، فإذا قلت: قال الله كذا، أو سمع الله لمن حمده، ونحو ذلك. فهذا المراد به المسمى=
أحدهما: أنه بمعنى التسمية (١)، وعلى هذا قول القائل: بسم الله: أي: بتسمية الله أفتتح تيمنا وتبركا.
والثاني وهو الصحيح: أن الاسم هو المسمى (٢) كقوله (٣) تعالى: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [النساء: ٥٩] فلو كان الاسم غير المسمى وجب أن يكون المأمور بطاعته غير الله وغير الرسول، وإذا قال القائل: رأيت زيدا، وجب أن يكون لم ير شخص زيد.
وسئل أحمد بن يحيى (٤) عن الاسم أهو المسمى أو غيره؟ فقال: قال أبو عبيدة: الاسم هو المسمى (٥)، وقال سيبويه: الاسم غير المسمى. قيل
(١) قال الرازي: قالت المعتزلة: الاسم غير المسمى ونفس التسمية، ١/ ١٠٨، وانظر: "تفسير ابن كثير" ١/ ٢٠.
(٢) وبه أخذ شيخه الثعلبي في تفسيره "الكشف والبيان" ١/ ١٦/ أ، وقرره أبو عبيدة في "مجاز القرآن" ١/ ١٦، والزجاج في "معاني القرآن" ١/ ٢. وقد رد الطبري هذا القول كما سبق، كما رد عليه ابن جني في كتابه "الخصائص" حيث أبان في (باب في إضافة الاسم إلى المسمى، والمسمى إلى الاسم) قال: (فيه دليل نحوي غير مدفوع يدل على فساد قول من ذهب إلى أن الاسم هو المسمى). "الخصائص" ٣/ ٢٤، والصحيح هنا أنه لا يقال: الاسم هو المسمى ولا غيره، بل قد يكون هو المسمى في موضع وغيره في موضع آخر، كما سبق في بيان كلام ابن أبي العز في "شرح الطحاولة".
(٣) في (ب): (لقوله).
(٤) المعروف بـ (ثعلب).
(٥) انظر: "مجاز القرآن" ١/ ١٦.
له: فما قولك؟ فقال: ليس لي فيه قول (١).
وإذا كان الاسم هو المسمى فمعنى قول القائل: (بسم الله) أي بالله، ومعناه بالله أفعل، أي بتوفيقه، أو بالله تكونت الموجودات، أو ما أشبه هذا من الإضمار (٢).
وأدخل الاسم ليكون فرقا بين اليمين والتيمن (٣).
وأكثر ما يستعمل الاسم يستعمل بمعنى التسمية (٤)، وإذا استعمل بمعنى التسمية فهو كلمة تدل على المعنى دلالة الإشارة دون دلالة الإفادة (٥)، وذلك أنك إذا قلت: زيد (٦)، فكأنك قلت: هذا، وإذا قلت: الرجل، فكأنك قلت: ذاك.
ودلالة الإفادة هو ما أفاد السامع معنى، كقولك: قام وذهب (٧)، ووزن (الاسم) يصلح أن يكون (فِعْل)، ويصلح فيه (فُعْل) (٨) لأنهم أنشدوا:
(٢) ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" ١/ ١٦/ أ.
(٣) ذلك أن قولك (بالله) يمين، وقولك: (باسم الله) تيمن. انظر: "تفسير الثعلبي" ١/ ١٦/ أ.
(٤) سبق قريبًا اختيار الواحدي أن الاسم هو المسمى وليس بمعنى التسمية.
(٥) قال ابن سيده في "المخصص": (والاسم كلمة تدل على المسمى دلالة الإشارة دون الإفادة.. الخ بنصه) ١٧/ ١٣٤. والإشارة عند الأصوليين: دلالة اللفظ على المعنى من غير سياق الكلام له مثل قوله تعالى: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة: ٢٣٣] ففي قوله له إشارة إلى أن النسب للأب. انظر: "التعريفات" للجرجاني ص ٢٧، "كشاف اصطلاحات الفنون" للتهانوي ١/ ٧٥٠.
(٦) في (ب): (زيدًا).
(٧) في "المخصص" بعد هذا الكلام: (.. فأما الأول -يريد دلالة الإشارة- فإنما الغرض فيه أن تشير إليه ليتنبه عليه..) ١٧/ ١٣٤.
(٨) انظر: "المقتضب" ١/ ٢٢٩، "المخصص" ١٧/ ١٣٥.
باسم الذي في كل سورة سمه (١)
بالكسر والضم
وقوله (٢): أما أصل هذِه الكلمة (٣)، فقد حكى أصحاب سيبويه عنه فيه (٤) قولين:
أحدهما: قال: كان أصل هذا الاسم إلاها (٥)، ففاؤها (همزة)، وعينها (لام)، و (الألف) ألف فعال الزائدة، واللام (هاء)، ثم حذف (الفاء) حذفا
| أَرْسَلَ فِيَهِا بَازِلا يُقرِّمه | وَهْو بِهَا يَنْحو طَرِيقًا يَعْلَمْه |
"نوادر أبي زيد" ص ٤٦١، ٤٦٢.
ومعنى الرجز: يقول أرسل الراعي في الإبل للضراب بعيرا في التاسعة من عمره محجوزًا عن العمل ليقوى على الضِرَاب، أرسله باسم الله الذي يُذكر اسمه في كل سورة. ورد البيت في "المقتضب" ١/ ٢٢٩، "معاني القرآن" للزجاج ١/ ١، "تهذيب اللغة" (سما) ٢/ ١٧٤٧، "المنصف" ١/ ١٦، "المخصص" ١٧/ ١٣٥، "الإنصاف" ١/ ١٢، "اللسان" (سما) ٤/ ٢١٠٧.
(٢) أي: قول الله عز وجل.
(٣) تكلم أبو علىِ الفارسي عن أصل لفظ الجلالة (الله) وأطال في كتابه "الإغفال" متعقبا الزجاج فيما ذكره في "معاني القرآن" ونقل عنه الواحدي ذلك مع تصرف يسير في العبارة، ولم يعزه له، ونقل كلام أبي علي ابن سيده في "المخصص" وعزاه له. "الإغفال" ص ٤ - ٤٩ (محقق رسالة ماجستير)، وانظر: "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٥، "المخصص" ١٧/ ١٣٦ - ١٥١.
(٤) في "الإغفال" ص ١١: فقد حمله سيبويه على ضربين، "المخصص" ١٧/ ١٣٨، وذكر الزجاج فيه أربعة أقوال، أحدها: أنه غير مشتق، وعن الخليل: أن أصله (ولاه) من الوله والتحير، وقولان مثل قولي سيبويه. "اشتقاق أسماء الله" ص ٢٣.
(٥) "الكتاب" ٢/ ١٩٥.
لا على التخفيف القياسي في مثل قولك: (الخب) (١) في (الخبء)، و (ضو) في (ضَوْء)، لأنه لو كان كذلك (٢) لما لزم أن يكون منها عوض؛ لأنها إذا حذفت على حد التخفيف كانت ملقاةً في اللفظ مبقاةً في النية، ومعاملةً معاملة المثبتة غير المحذوفة، يدلك على ذلك تركهم (الياء) مصححة في قولهم (جَيْأَل) (٣) إذا خففوا قالوا: جَيَل، ولو كانت محذوفة في التقدير كما أنها محذوفة في اللفظ للزم قلب (الياء) (ألفا) ولما كانت (الياء) في نية السكون (٤) لم تقلب.
ويدل عليه (٥) أيضًا تثبيتهم (٦) (للواو) في (نُوْي) إذا خفف (نُؤي) (٧)، ولولا نية الهمزة لقلبت (ياء) وأدغمت (٨) كما فعل في (مَرْمِيٍّ) وبابه (٩).
وفي تعويضهم من همزة (إلاه) ما يدل على أن حذفها ليس على حد
(٢) أي: على التخفيف القياسي، اختصر الواحدي كلام الفارسي، حيث افترض أن سائلا يسأل لماذا كان على هذا التقدير؟ ولم يكن على التخفيف، فأجاب عنه بما محصله ما ذكر. انظر: "الإغفال" ص ١١.
(٣) (الجَيْأَل) الضبع. انظر: "معجم مقاييس اللغة" (جيل) ١/ ٤٩٩.
(٤) أي على نية بقائها ساكنة كما كانت قبل التخفيف (جَيْأَل).
(٥) ترك بعض حجج الفارسي. انظر: "الإغفال" ص ١٢.
(٦) في "المخصص" (تبينهم) ١٧/ ١٣٨.
(٧) في (ج): (بدون همز).
(٨) في (ب): (أودعت).
(٩) في (ب): (ربابه) وباب مَرْمِي هو كل كلمة التقت فيها الواو والياء والأولى منهما ساكنة، تقلب فيها (الواو) (ياء) وتدغم في (الياء). انظر: "أوضح المسالك" ص ٣١٠.
القياس (١)، وذلك العوض هو (الألف واللام)، والدلالة على أنها عوض استجازتهم قطع الهمزة الموصولة الداخلة على (لام التعريف) في (القسم (٢) و (النداء) مثل: أَفَأَللهِ لَتَفْعَلَنَّ، ويا أَللهُ اغفر لي (٣).
فلو كانت غير عوض لم تثبت كما لم تثبت في غير هذا الاسم، ولما اختص هذا الاسم بقطع الهمزة فيه عَلِمنا أن ذلك لمعنى ليس في غيره، وهو كونها عوضا من المحذوف الذي هو (الفاء).
ألا ترى أنك إذا أثبت الهمزة في (الإله) لم تكن (الألف واللام) فيه على حدهما في قولنا: (الله) لأن قطع همزة الوصل لا يجوز في (الإله)، كما جاز في قولنا: (الله) لأنهما ليسا بعوض من شيء (٤).
القول الثاني: في أصل هذِه الكلمة: أن أصله (لَاهٌ) ووزنه على هذا (فَعْلٌ) (٥) (اللام) فاء الفعل، و (الألف) منقلبة عن الحرف الذي هو العين، و (الهاء) لام، والذي دلّه (٦) على ذلك قول بعضهم: (لَهْيَ أبوك) بمعنى: لله أبوك، قال سيبويه: فقلب العين وجعل اللام ساكنة، وهو (الهاء) (٧) إذا صارت
(٢) في (ج): (القيم).
(٣) انظر: "الكتاب" ٢/ ١٩٥.
(٤) قوله: (ألا ترى.. إلى شيء) ورد في "الإغفال" في موضع آخر بعيدا عما قبله. وانظر: "الإغفال" ص ٣٥، "المخصص" ١٧/ ١٤٦.
(٥) "الإغفال" ص ٢٦، "المخصص" ١٧/ ١٤٣، "اشتقاق أسماء الله" ص ٢٧.
(٦) أي سيبويه فهذا قوله الثاني، قال في "الإغفال": (فأما القول الآخر الذي قاله سيبويه في اسم الله تعالى فهو أن الاسم أصله (لاه).. والذي دله على ذلك أن بعضهم يقول: (لَهْيَ أبوك)،... "الإغفال" ص ٢٦، وانظر: "الكتاب" ٣/ ٤٩٨.
(٧) في (ج): (الاها).
مكان العين، كما كانت العين ساكنة في (لاه) (١)، وترك آخر الاسم مفتوحًا كما تركوا آخر (أين) مفتوحًا (٢)، وإنما فعلوا ذلك به حيث غيروه لكثرته في كلامهم، فغيروا إعرابه كما غيروه (٣).
فالألف -على هذا القول- في الاسم منقلبة عن (الياء) لظهورها في موضع (اللام) المقلوبة إلى موضع (العين) وهي في (٤) القول الأول زائدة لفعال غير منقلبة عن شيء. واللفظتان على هذا مختلفتان، وان كان في كل واحدة منهما بعض حروف الأخرى (٥).
وحكى أبو بكر محمد بن السري (٦) أن أبا العباس محمد بن يزيد، اختار القول الثاني (٧) من القولين اللذين ذكرهما سيبويه.
وأما اشتقاق هذا الاسم من اللغة فذهبت طائفة منهم الخليل (٨)، وابن
(٢) مبنية على الفتح، انظر: "المسائل الحلبيات" ص ١٠٣.
(٣) انتهى كلام سيبويه، "الكتاب" ٣/ ٤٩٨، "الإغفال" ص ٢٦، "المخصص" ١٧/ ١٤٣، "المسائل الحلبيات" للفارسي ص١٠١، "المسائل البصريات" للفارسي ٢/ ٩٠٩.
(٤) في (ب): (من).
(٥) انظر بقية كلام أبي علي الفارسي في "الإغفال" ص ٢٦ وما بعدها.
(٦) في "الإغفال" (أبو بكر بن السراج) ص ٣٤، وفي "المخصص" (أبو بكر) ١٧/ ١٤٥. وابن السراج: هو أبو بكر محمد بن السري بن السراج النحوي.
(٧) في (ب): (الأول) ولم يرد لفظ (الأول) أو (الثاني) في "الإغفال" وإنما فيه (اختار في هذا الاسم أن يكون أصله لاها....) وهذا هو القول الثاني لسببويه. "الإغفال" ص ٣٤، "المخصص" ١٧/ ١٤٥، وقد أورد المبرد في "المقتضب" القول الأول لسيبويه ٤/ ٢٤٠، وانظر: "اشتقاق أسماء الله" للزجاجي ص ٢٥، "الخزانة" ٢/ ٢٦٦، ٢٦٧.
(٨) هو أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفراهيدي، البصري، صاحب العربية والعروض (١٠٠ - ١٧٥ هـ). انظر ترجمته في: "معجم الأدباء" ٣/ ٣٠٠، "طبقات النحويين =
كيسان (١) وأبو بكر القفال (٢)، والحسين (٣) بن الفضل (٤) إلى أنه ليس بمشتق، وأنه اسم تفرد به الباري سبحانه وتعالى، يجري في وصفه مجرى الأسماء الأعلام، لا يشركه فيه أحد، قال الله عز وجل: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم: ٦٥] (٥) وأما الذين قالوا: إنه مشتق فاختلفوا، فذهب عُظْمُ أهل اللغة إلى أن معناه المستحق للعبادة، وذو العبادة الذي إليه تُوَجَّه، وبها يُقْصَد (٦).
ورُويَ عن ابن عباس أنه كان يقرأ (ويذرك وإِلاهَتَك) [الأعراف: ١٢٧]
(١) هو أبو الحسين محمد بن أحمد بن كيسان، النحوي، كان يجمع بين المذهبين البصري والكوفي، وإلى مذهب البصريين أميل، توفي سنة تسع وتسعين ومائتين.
انظر ترجمته في "طبقات النحويين" للزبيدي ص ١٣٩، "تاريخ بغداد" ١/ ٣٣٥، "إنباه الرواة" ٣/ ٥٧.
(٢) هو محمد بن علي بن إسماعيل، أبو بكر الشاشي القفال، أحد أعلام المذهب الشافعي، يتكرر ذكره في التفسير والحديث والأصول والكلام، توفي سنة خمس وستين وثلاثمائة على الصحيح.
انظر ترجمته في "الأنساب" ٧/ ٢٤٤، "وفيات الأعيان" ٤/ ٢٠٠، "طبقات الشافعية" لابن قاضي شهبة ١/ ١٤٨.
(٣) في (ب): (الحسن).
(٤) الحسين بن الفضل، هو أبو علي الحسين بن الفضل بن عمير البجَلِي الكوفي ثم النيسابوري، المفسر، توفي سنة اثنتين وثمانين ومائتين.
انظر ترجمته في: "العبر" ١/ ٤٠٦، "طبقات المفسرين" للداودي ١/ ١٥٩.
(٥) انظر: "تفسير أسماء الله" للزجاجي، وانظر: "اشتقاق اسماء الله" للزجاجي: ص ٢٨ "تفسير الثعلبي" ١/ ١٨ أ "الزينة" ٢/ ١٢.
(٦) انظر: "الإغفال" ص ٥، "المخصص" ١٧/ ١٣٦، "تفسير الثعلبي" ١/ ١٨/ أ، "تفسير أسماء الله" ص ٢٦، "اشتقاق أسماء الله" ص ٣٠٢٣، "تهذيب اللغة" (الله) ١/ ١٨٩.
قال معناه: عبادتك (١). وقال أبو زيد (٢): تَأله الرجل إذا نسك (٣)، وأنشد:
سَبَّحْنَ واسْتَرْجَعْنَ (٤) مِنْ تَأَلُّهِي (٥)
وقد سَمَّت (٦) العرب الشمس لما عبدت (إِلاهَةَ)، و (الإلاهة) قال عتيبة بن الحارث اليربوعي (٧):
(٢) هو سعيد بن أوس بن ثابت، أبو زيد الأنصاري، صاحب النحو واللغة، مات سنة خمس عشرة ومائتين.
انظر ترجمته في مقدمة "تهذيب اللغة" ١/ ٣٤ - ٣٥، "تاريخ بغداد" ٩/ ٧٧، "طبقات النحويين واللغويين" ص ١٦٥، "إنباه الرواة" ٢/ ٣٠.
(٣) "الإغفال" ص ٦، "المخصص" ١٧/ ١٣٦.
(٤) في (ج): (استرحبن).
(٥) البيت لرؤبة وقبله: لله دَرُّ الغَانِيَاتِ المُدَّهِ.
(المُدَّه) جمع مَادِه، بمعنى المادح، يقول: إن هؤلاء سبحن: وقلن إنا لله وإنا إليه راجعون، يقلنها حسرة كيف تنسك وهجر الدنيا.
ورد البيت في "الطبري" ١/ ٥٤، "الإغفال" ص ٦، "المخصص" ١٧/ ١٣٦، "المحتسب" ١/ ٢٥٦، "تفسير أسماء الله" للزجاج ص ٢٦، "اشتقاق أسماء الله" ص ٢٤، "التهذيب" (الله) ١/ ١٨٩، "شرح المفصل" ١/ ٣، "زاد المسير" ١/ ٩، وابن عطية ١/ ٥٧، "تفسير الثعلبي" ١/ ١٨/ أ، "ديوان رؤبة" ص ١٦٥.
(٦) في (ج): (سمعت).
(٧) نسبه الطبري لبنت عتيبة ٩/ ٢٦، ونسبه بعضهم لـ (مية) وهو اسمها وكذا (أم البنين) وقيل: لنائحة عتيبة، والأقرب أنه لبنت عتيبة ترثي أباها حين قتله (بنو أسد) يوم (خَوّ) مع أبيات أخرى ذكرها في "معجم البلدان" ٥/ ١٨.
| تَرَوَّحْنَا مِنَ اللعْبَاءِ أَرْضًا | وأَعْجَلْنَا الإلاَهَةَ أَنْ تَؤُوبَا (١) |
وعلى ذلك نهاهم الله وأمرهم بالتوجه في العبادة إليه في قوله جل وعلا: لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ [فصلت: ٣٧] [فصلت: ٣٧] الآية (٢)، وكذلك أيضًا كانوا يدعون معبوداتهم من الأصنام والأوثان (آلهة)، وهي جمع (إلاه) (٣) كإزار وآزرة، وإناء وآنية.
قال الله تعالى: وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ [الأعراف: ١٢٧] وهي أصنام كان يعبدها (٤) قوم فرعون معه (٥)، وعلى هذا قال قائلهم:
| كَحَلْفَةٍ مِنْ أَبِي رِيَاحٍ | يَسْمَعُهَا لاَهُهُ (٦) الكُبارُ (٧) |
(٢) انظر: "الإغفال" ص ٩.
(٣) في (ب): (الإله).
(٤) في (ب): (كانوا يعبدوها).
(٥) انظر: "الإغفال" ص ١٠، ١١، "تهذيب اللغة" ١/ ١٩٠.
(٦) في (ب): (لأهه)
(٧) من قصيدة للأعشى، قالها فيما كان بينه وبين بني جحدر، و (أبو رياح) رجل من بني ضبيعة، قتل جارا لبني سعد بن ثعلبة، فسألوه الدية، فحلف لا يفعل، ثم قُتِل بعد حلفته، و (لاهه): الهه، (الكبار): العظيم، ويروى (بحلفة) ويروى (كدعوة).
انظر: "ديوان الأعشى" ص ٧٢، "الجمهرة" ١/ ٣٢٧، "اشتقاق أسماء الله" ص ٢٧، "تفسير الثعلبي" ١/ ١٧ ب، "الزينة" ٢/ ١٨، "معاني القرآن" للفراء ١/ ٢٠٧، والقرطبي ٤/ ٥٣، "اللسان" (أله) ١/ ١١٦، و (لوه) ٧/ ٤١٠٧، "شرح المفصل" ١/ ٣، "الخزانة" ٧/ ١٧٦.
يريد: الصنم، وهذا البيت حجة للقول الثاني (١) من قول سيبويه.
قالوا: وهو (٢) اسم حدث، ثم جرى صفة للقديم سبحانه، ونظير هذا قولنا: (السلام)، والسلام من سَلَّم كالكلامِ من كَلَّم، والمعنى ذو السلام، أي: يُسَلم من عذابه من يشاء من عباده، كما أن المعنى في الأول أن العبادة تجب له (٣)، فهذا وجه، وهو طريقة أهل اللغة (٤).
وأخبرني أبو الفضل أحمد بن محمد بن عبد الله العروضي -رحمه الله- قال: أبنا (٥) أبو منصور أحمد بن محمد الأزهري (٦)، أبنا (٧) أبو الفضل المنذري (٨)، قال: سألت أبا الهيثم خالد بن يزيد الرازي، عن اشتقاق اسم (الله) في اللغة، فقال (الله) أصله (إلاه)، قال الله جل ذكره: وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ [المؤمنون: ٩١] ولا يكون إلهًا حتى يكون معبودًا، وحتى يكون لعابده (٩) خالقًا، ورازقًا، ومدبرًا، وعليه مقتدرًا، فمن لم يكن كذلك فليس بإله، وإن عَبِدَ ظلما، بل هو مخلوق (١٠) ومتعبد،
(٢) في (ب): (وهم).
(٣) بنصه في "الإغفال" ص ٦، "المخصص" عن "الإغفال" ١٧/ ١٣٦.
(٤) انظر: "تهذيب اللغة" ١/ ١٨٩، "معجم مقاييس اللغة" (أله) ١/ ١٢٧، "الصحاح" (أله) ٦/ ٢٢٢٣، "اللسان" (أله) ١/ ١١٤.
(٥) (أبنا) ساقط من (ج).
(٦) صاحب "تهذيب اللغة" سبقت ترجمته.
(٧) في (ج): (أن).
(٨) هو محمد بن أبي جعفر المنذري اللغوي (أبو الفضل) يروي عن أبي العباس ثعلب، وأبي الهيثم الرازي، روى عنه الأزهري كثيرًا. انظر مقدمة "تهذيب اللغة" ١/ ٣٠، ٤١، "اللباب" ٣/ ٢٦٢.
(٩) في (ب): (لعباده).
(١٠) في (ب): (وهو مخلوق).
قال: وأصل (إلاه) (ولاه) فقلبت الواو همزة، كما قالوا: للوشاح: إشاح، ولِلْوِجَاح: إِجَاح (١)، ومعنى وِلاه: أن الخلق يَوْلَهون إليه في حوائجهم، ويضرعون إليه فيما ينوبهم، ويفزعون إليه في كل ما يصيبهم كما يَوْلَه كل طفل إلى أمه (٢).
وحكي عن أبي عمرو بن العلاء أنه مشتق من أَلِهْت في الشيء آلَهُ إلها إذا تحيرت فيه (٣).
وتسمى المفازة ميلها.
وقال الأعشى (٤):
| وَبَهْمَاءَ تِيهٍ تَأْلهَ العَيْنُ وَسْطَهَا | وَتَلْقَى بِهَا بَيْضَ النَّعَام تَرَائِكَا (٥) |
(٢) كلام أبي الهيثم ورد في "التهذيب" ضمن كلام طويل له قال الأزهري: (وأخبرني المنذري عن أبي الهيثم أنه سأله عن اشتقاق اسم الله في اللغة فقال..) ثم ذكره، "التهذيب" (الله والإله) ١/ ١٨٩، وانظر: "اللسان" (أله) ١/ ١١٤.
(٣) ذكره الثعلبي ١/ ١٨ أ.
(٤) هو أبو بَصير، ميمون بن قيس، من فحول شعراء الجاهلية، ويدعى (الأعشى الكبير) تمييزًا له عن غيره ممن سمي (الأعشى)، أدرك الإسلام آخر عمره، وعزم على الدخول فيه، فصدته قريش في قصة مشهورة. انظر ترجمته في "الشعر والشعراء" ص ١٥٤، "معاهد التنصيص" ١/ ١٩٦، "خزانة الأدب" ١/ ١٧٥.
(٥) في (ج): (برائكا). البيت في وصف صحراء مطموسة المعالم، (ترائكا) متروكة، ورواية الشطر الأول في الديوان: وَيَهْمَاءَ قَفْرٍ تَخْرُجْ العَيْنَ وَسْطَهَا. وعليه فلا شاهد في البيت هنا. (الديوان) ص ١٣٠، والثعلبي بعد أن ذكر قول أبي عمرو ابن العلاء استشهد بقول زهير: =
ومعناه: أن العقول تتحير في كنه صفته وعظمته (١).
وعند متكلمي أصحابنا (٢): أن الإله من الإلَهية، والإلَهِية القدرة على اختراع الأعيان (٣).
وقد أشار أبو الهيثم إلى هذا فيما ذكر، قالوا: وانما سَمَّت العرب معبوداتهم آلهة (٤)؛ لأنهم اعتقدوا فيها صفة التعظيم، واستحقاق هذا الاسم فأصابوا في الجملة، وأخطؤوا في التعيين.
والإمالة في اسم الله تعالى جائزة في قياس العرب (٥)، والدليل على
| = وَبَيْدَاء تِيهٍ تَألْهُ العَيْنُ وَسْطَهَا | مُخَفَّقةٍ غَبْرَاءَ صَرْمَاءَ سَمْلَقِ |
(١) الثعلبي ١/ ١٨ ب، وانظر: "الزينة" ٢/ ١٩.
(٢) هم المتكلمون من الأشاعرة، الذين تكلموا في العقائد بالطرق العقلية. انظر: "درء تعارض العقل والنقل" ١/ ٢٨، ٣٨، "الرسالة التدمرية" لابن تيمية ص ١٤٧.
(٣) هذا التفسير لمعنى الإلَهية هو منهج المتكلمين، وعند أهل السنة هو المستحق للعبادة. قال ابن تيمية: (وليس المراد بـ) بالإله (هو القادر على الاختراع كما ظنه من ظنه من أئمة المتكلمين.. بل الإله الحق هو الذي يستحق أن يعبده فهو إله بمعنى مألوه لا إله بمعنى آله..)، "الرسالة التدمرية" ص ١٨٦.
(٤) مرَّ كلام أبي الهيثم قريبا، وليس فيه دليل على أن الإلهية: القدرة على الاختراع، بل يدل على المعنى الثاني وهو أن الإلهية؛ استحقاق العبادة، وقوله: (لأنهم اعتقدوا فيها صفة التعظيم..). ليس من كلام أبي الهيثم، انظر: "تهذيب اللغة" أله ١/ ١٨٩.
(٥) الكلام عن إمالة (الألف) من لفظ الجلالة نقله عن أبي علي الفارسي من "الإغفال" ص ٤٦، قال الفارسي: (فأما الإمالة في الألف من اسم الله تعالى فجائزة في قياس العربية، والدليل على جوازها..). ونقل ابن سيده كلام الفارسي. "المخصص" ١٧/ ١٥٠. ومعنى الإمالة: هو تقريب الألف نحو الياء والفتحة التي قبلها نحو الكسرة وهناك ثلاث علل للإمالة: هي الكسرة، وما أميل ليدل بالإمالة على أصله، والإمالة لإمالة بعده.
انظر: "الكشف عن وجوه القراءات السبع" لمكي ١/ ١٦٨، ١٧٠.
جوازها أن هذِه (الألف) لا تخلو من أن تكون زائدة لفِعَال كالتي (١) في (إزار) و (عِمَاد)، أو تكون عين الفعل.
فإن كانت زائدة جازت فيها الإمالة من وجهين:
أحدهما: أن الهمزة المحذوفة كانت مكسورة، وكسرها يوجب الإمالة في الألف، كما أن الكسرة في (عماد) توجب إمالة ألفه.
فإن قلت: كيف تمال الألف من أجل الكسرة في الهمزة وهي محذوفة؟ فالقول فيها إنها وإن كانت محذوفة، موجبة للإمالة (٢)، كما كانت توجبها قبل الحذف؛ لأنها -وإن كانت محذوفة- فهي من الكلمة، ونظير ذلك ما حكاه سيبويه من أن بعضهم يميل الألف في: مَادٍّ (٣) وَشَاذٍّ، للكسرة المنوية (٤) في عين الفعل عند ترك الإدغام، وإن لم يكن في لفظ الكلمة كسرة (٥)، كذلك الألف في اسم الله، تجوز إمالتها وإن لم تكن الكسرة ملفوظا بها.
والوجه الثاني: (لام) (٦) الفعل منجرة، فتجوز الإمالة لانجرارها. وإن كانت الألف عينا ليست (٧) بزائدة جازت إمالتها، وحسنت فيها إذ كان
(٢) في (أ)، (ج): (الإمالة) وما في (ب) موافق لـ"الإغفال" ص ٤٧.
(٣) في (أ)، (ب)، (ج): (صاد) بالصاد، وصححت الكلمة على ما ورد في "الإغفال" ص ٤٨، "المخصص" ١٧/ ١٥٠، ووردت كذلك عند سيبويه (جاد وماد) ٧/ ١٣٢، ولا تصح بالصاد؛ لأن الإمالة تمنع بعد (الصاد) لأنه حرف مستعمل. انظر: "الكتاب" ٤/ ١٢٨.
(٤) في (ب): (المنونة).
(٥) حكى كلام الفارسي بالمعنى، انظر: "الإغفال" ص ٤٨، "الكتاب" ٤/ ١٢٢، ١٣٢، "المخصص" ١٧/ ١٥٠.
(٦) في "الإغفال" (وتجوز إمالتها من جهة أخرى، وهي أن لام الفعل منجرة..) ص ٤٨.
(٧) في (ب): (ليس).
انقلابها عن الياء (١) بدلالة قولهم: (لَهْيَ أبوك (٢)) وظهور الياء لما قلبت إلى موضع السلام (٣).
وقوله: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. معنى الرحمة في صفة الله تعالى: إرادته الخير والنعمة بأهله، وهي صفة ذات، وفي صفة أحدنا تكون رقة قلب وشفقة (٤).
قال أبو بكر محمد بن القاسم بن (٥) بشار: سألت أبا العباس (٦) لم جمع بين الرحمن والرحيم؟ فقال: لأن الرحمن عبراني فأتى معه الرحيم العربي، واحتج بقول جرير (٧):
(٢) مرت هذِه الصيغة قريبا وهي بمعنى (لله أبوك) انظر ص ٢٥٢.
(٣) انتهى عن "الإغفال" لأبي علي الفارسي، وقال بعده: (فإن ثبتت بها قراءة فهذِه جهة جوازها) ص ٤٩، وانظر: "المخصص" ١٧/ ١٥١.
(٤) الرحمة صفة من صفات الله تعالى، نثبتها له تعالى، كما أثبتها لنفسه، ولا يلزم من إثباتها مشابهة صفة المخلوقين، ولا نؤولها بإرادة الخير كما فعل الواحدي هنا.
انظر: "تفسير الطبري" ١/ ٥٨ - ٥٩، (الرسالة التدمرية) لابن تيمية ص ٢٣، ٣٠.
(٥) هو أبو بكر بن الأنباري، سبقت ترجمته عند الحديث عن مصادر الواحدي.
(٦) هو أبو العباس ثعلب كما صرح بذلك الزجاجي في "اشتقاق أسماء الله" ص ٤٢، وانظر: "الزاهر" ١/ ١٥٣، "تهذيب اللغة" (رحم) ٢/ ١٣٨٣، "الزينة" ٢/ ٢٥، "الاشتقاق" لابن دريد ص ٥٨، ووهم القرطبي فقال: زعم المبرد فيما ذكر ابن الأنباري في كتاب "الزاهر" ١/ ١٠٤، وإنما هو ثعلب كما سبق وليس أبا العباس المبرد.
(٧) هو أبو حَرْزَة، جرير بن عطية بن حذيفة من بني كليب بن يربوع، أحد فحول الشعراء في صدر الإسلام، توفي سنة عشر ومائة. انظر ترجمته في "الشعر والشعراء" ص ٣٠٤، "طبقات فحول الشعراء" ٢/ ٢٩٧، "الخزانة" ١/ ٧٥.
| أو تَتْرُكُونَ إِلَى القَسَّيْنِ (١) هِجْرَتَكُم | وَمَسْحَهُمْ صُلْبَهُمْ رَحَمَانَ قُرْبَانَا (٢) |
| أَلاَ ضَرَبَت تِلْكَ الفَتَاة (٤) هَجِيَنَهَا | أَلاَ قَضَبَ الرَّحْمَنُ رَبِّي يَميِنَهَا (٥) |
(٢) البيت من قصيدة له يهجو فيها الأخطل وهو نصراني، فحكى في البيت قول النصارى، ولهذا نصب (رحمن): (قربانا) أي قائلين ذلك، ويروى البيت (هل تتركن)، (مسحكم) وفي "الزينة" (رخمن) بالمعجمة وهو بمعنى: الحاء. انظر: "الزينة" ٢/ ٢٥، "الزاهر" ١/ ١٥٣، "اشتقاق أسماء الله" ص ٤٣، "تهذيب اللغة" (رحم) ٢/ ١٣٨٣، "تفسير الماوردي" ١/ ٥٢ "تفسير القرطبي" ١/ ٩١، "اللسان" (رحم) ٣/ ١٦١٢.
(٣) ممن أنكر ذلك الطبري في "تفسيره" حيث قال: (وقد زعم بعض أهل الغباء أن العرب كانت لا تعرف (الرحمن) ولم يكن ذلك في لغتها...) ١/ ٥٧، والزجاجي في "اشتقاق أسماء الله" ص ٤٢، وابن سيده في "المخصص" ١٧/ ١٥١ وغيرهم.
(٤) في (ب): (الفتاو).
(٥) لم يعرف له قائل وقد ذكره الطبري في "تفسيره" ١/ ٥٨، وابن سيده في "المخصص" ١٧/ ١٥٢، وقال محمد محمود التركزي الشنقيطي في تعليقه على "المخصص": إن البيت من صنع بعض الرجال الذين يحبون إيجاد الشواهد المعدومة لدعاويهم. ورد عليه ذلك محمود شاكر في حاشيته على الطبري ١/ ١٣١، وذكره ابن دريد في "الاشتقاق"، وقال: (وقد روي بيت في الجاهلية، ولم ينقله الثقات وهو للشنفرى:
| لَقَدْ لَطَمَتْ تَلِكَ الفَتَاةُ هَجِينَهَا | أَلاَ بَتَرَ الرَّحْمَنُ رَبَّي يَمِينَهَا |
(٦) أي ثعلب، ولم أجده، ولعله في كتب ابن الأنباري المفقودة، وأورد نحوه الطبري في =
الدليل على هذا أنهم لما سمعوا النبي - ﷺ - يذكره قالوا: ما نعرف الرحمن إلا رجلًا باليمامة (١)، وذلك قوله تعالى: قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ [الفرقان: ٦٠] وإنما يذكر بعض الشعراء الرحمن في الجاهلية، إذ (٢) لقنه (٣) من أهل الكتاب، أو أخذه عن بعض من قرأ الكتب كأمية بن أبي الصلت (٤) وزيد بن (٥) عمرو، وورقة بن نوفل (٦)، ولا تجعل هذا حجة على ما عليه أكثرهم.
ومراد أبي العباس أن الرحمن يتكلم به بالعبرانية (٧)، وتتكلم به العرب، فلما لم يخلص في كلامهم، ولم ينفردوا به دون غيرهم، أتى (٨) بعده بالرحيم
(١) انظر الطبري فىِ "تفسيره" ١٩/ ٢٩، والقرطبي في "تفسيره" ١٣/ ٦٤.
(٢) في (ج): (إذا).
(٣) في (ب): (لقيته)
(٤) واسمه عبد الله بن ربيعة بن عوف الثقفي، سمع النبي - ﷺ - شعره فقال: "آمن شعره وكفر قلبه" وكان يخبر أن نبيا يخرج قد أظل زمانه، فلما خرج النبي - ﷺ - كفر به حسدا، ومات كافرا سنة ثمان أو تسع.
انظر: "الشعر والشعراء" ص ٣٠٠، "طبقات فحول الشعراء" ص ١٠١، "الاشتقاق" ص ١٤٣، "الخزانة" ١/ ٢٤٧.
(٥) زيد بن عمرو بن نفيل، والد سعيد بن زيد أحد العشرة، مات قبل المبعث. انظر: "الإصابة" ١/ ٥٦٩، "تجريد أسماء الصحابة" ١/ ٢٠٠.
(٦) هو ورقة بن نوفل بن أسد، ابن عم خديجة رضي الله عنها، قال ابن منده: اختلف في إسلامه، والأظهر أنه مات قبل الرسالة، وبعد النبوة وكذا قال الذهبي في "تجريد أسماء الصحابة" ٢/ ١٢٨، وانظر: "الإصابة" ٣/ ٦٣٣، "الخزانة" ٣/ ٣٩١.
(٧) في (ج): (بالعبراني).
(٨) في (ب): (أوتى).
الذي لا يكون إلى عربيا، ولا يلتبس بلغة غيرهم (١).
والصحيح أنه مشتق من الرحمة، وأنه اسم عربي لوجود هذا البناء في كلامهم، كاللهفان والندمان والغضبان (٢). قال الليث: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ اسمان، اشتقاقهما (٣) من الرحمة (٤).
وقال أبو عبيدة: هما صفتان لله تعالى، معناهما ذو الرحمة (٥). وأما ما احتج به أبو العباس من قوله: وَمَا الرَّحْمَنُ [الفرقان: ٦٠] فهو سؤال عن الصفة، ولذلك قالوا: وَمَا الرَّحْمَنُ، ولم يقولوا: ومن، والقوم جهلوا
وقول أبي العباس: إنه أورد (الرحيم) لأنها تعرفه العرب، مع (الرحمن) الذي يلتبس بكلام غيرهم. فكأنه جعلهما بمعنى واحد. وجمهور العلماء على أن لكل واحد منهما معنى غير معنى الآخر، وأن (الرحمن) عربي، وانما الكلام لم قدم (الرحمن) على (الرحيم)؟ وأجاب عنه الطبري في "تفسيره" ١/ ٥٨ - ٥٩، ويرد قريبا في كلام الواحدي.
(٢) انظر: "تفسير الطبري" ١/ ٥٥، "اشتقاق أسماء الله" ص ٣٨، "المخصص" ١/ ١٥١.
(٣) في (ب): (اشتقاقهم).
(٤) "تهذيب اللغة" (رحم) ٢/ ١٣٨٣.
(٥) "مجاز القرآن" ١/ ٢١، "تهذيب اللغة" (رحم) ٢/ ١٣٨٣، والنص من "التهذيب"، وقد رد الطبري على أبي عبيدة قوله وأغلظ له حيث قال: (وقد زعم بعض من ضعفت معرفته بتأويل أهل التأويل، وقلت روايته لأقوال السلف من أهل التفسير أن (الرحمن) مجازه: ذو الرحمة..) الطبري في "تفسيره" ١/ ٥٨.
صفته، والاسم كان معلوما لهم في الجملة (١). وقيل: هذا على جهة ترك التعظيم منهم. واختلفوا في أن أي الاسمين من هذين أشد مبالغة، فقال قوم: الرحمن أشد مبالغة من الرحيم، كالعلام من العليم، ولهذا قيل: رحمن الدنيا ورحيم الآخرة، لأن رحمته في الدنيا عمت المؤمن والكافر والبر والفاجر، ورحمته في الآخرة اختصت بالمؤمنين (٢).
فإن قيل: على هذا كان الرحمن أشد مبالغة، فلم بدئ بذكره (٣)؟ وإنما يبدأ في نحو هذا بالأقل ثم يتبع (٤) الأكثر كقولهم: (فلان جواد يعطي العشرات والمئين (٥) والألوف).
والجواب: أنه بدئ (٦) بذكر الرحمن، لأنه صار كالعلم، إذ كان لا يوصف به (٧) إلا الله عز وجل، وحكم الأعلام وما كان من الأسماء أعرف أن يبدأ به، ثم يتبع (٨) الأنكر، وما كان في التعريف أنقص. هذا مذهب سيبويه وغيره من النحويين، فجاء هذا على منهاج كلام العرب (٩).
(٢) انظر الطبري في "تفسيره" ١/ ٥٥، "تهذيب اللغة" (رحم) ٢/ ١٣٨٣، "المخصص" ١٧/ ١٥١، "معاني القرآن" للزجاج ٥٨، "اشتقاق أسماء الله" ص ٤٠.
(٣) هذا التساؤل والإجابة عنه بنصه في "المخصص" ١٧/ ١٥١.
(٤) في (ج): (تتبع).
(٥) في (أ)، (ج): (الماتين) وفي (ب): (المايتين) وما أثبت من "المخصص".
(٦) في (ب): (بدأ).
(٧) (به) ساقط من (ج).
(٨) في (ج): (تتبع).
(٩) إلى هنا بنصه في "المخصص" ١٧/ ١٥١، وإلى نحوه ذهب الطبري في "تفسيره" =
وقال وكيع: الرحيم أشد مبالغة؛ لأنه ينبئ عن رحمته في الدنيا والآخرة ورحمة الرحمانية في الدنيا دون الآخرة (١).
وقال آخرون: إنهما بمعنى واحد كندمان ونديم، ولهفان ولهيف، وجيء بهما للتأكيد والإشباع، كقولهم: جادٌّ ومُجِدُّ (٢)، وقول طَرْفَه (٣):
مَتَى أَدْنُ مِنْه يَنْأَ مِنِّي (٤) وَيَبْعُدِ (٥)
(١) لم أجده، عن وكيع فيما اطلعت عليه، والله أعلم.
قال ابن كثير: وقد زعم بعضهم أن (الرحيم) أشد مبالغة من (الرحمن)، ثم رد هذا القول ابن كثير في "تفسيره" ١/ ٢٣، وعند جمهور العلماء أن (الرحمن) أشد مبالغة من (الرحيم) وأن (الرحمن) أعم فهو في الدنيا والآخرة ولجميع الخلق، و (الرحيم) خاص بالمؤمنين. انظر الطبري في "تفسيره" ١/ ٥٥، "تفسير أسماء الله" للزجاج ص ٢٩، "المخصص" ١٧/ ١٥١، والثعلبي في "تفسيره" ١/ ١٩ أ، والماوردي في "تفسيره" ١/ ٥٢ - ٥٣، وابن عطية في "تفسيره" ١/ ٩١، والقرطبي في "تفسيره" ١/ ١٠٥، ١٠٦، "الدر" ١/ ٢٩، وابن كثير في "تفسيره" ١/ ٢٢ - ٢٣.
(٢) هذا قول أبي عبيدة، ونسبه ابن الأنباري كذلك لقطرب، وبهذا النص مع الشواهد ذكره الثعلبي، أما أبو عبيدة فذكر شواهد غيرها، انظر: "مجاز القرآن" ١/ ٢١، والثعلبي في "تفسيره" ١/ ١٩ أ، "الزاهر" ١/ ١٥٣، "تفسير أسماء الله" ص ٢٩، "اشتقاق أسماء الله" ص ٣٨، ٣٩، وقد رد الطبري على أبي عبيدة، وأغلظ له الرد، وسبق ذكر بعض كلامه. انظر: "تفسيره" ١/ ٥٨.
(٣) هو الشاعر الجاهلي المشهور، عُدَّ بعد امرئ القيس في الشعر، واسمه (عمرو) ولقب بـ (طَرْفَه) وأحد الطرفاء لبيت قاله، قتل وهو ابن ست وعشرين سنة، وقيل: ابن عشرين. ترجمته في "الشعر والشعراء" ص ١٠٣، "الخزانة" ٢/ ٤١٩.
(٤) في (ب): (عنى).
(٥) صدره: مَالِي أَرَانِي وابْنَ عَمِّي مَالِكًا
والبيت من معلقة طرفة المشهورة، يتحدث عما كان بينه وبين ابن عمه (مالك) من =
وقول عدي (١):
وأَلْفى قَولَهَا كَذِبًا وَمَيْنَا (٢)
في أمثال لهذا، وروي عن ابن عباس أنه قال. الرحمن الرحيم، اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر (٣).
(١) عدي بن زيد بن حماد، من بني امرئ القيس بن زيد بن مناة بن تميم شاعر فصيح، من شعراء الجاهلية، وكان نصرانيا، قتله النعمان بن المنذر ملك الحيرة. ترجمته في "الشعر والشعراء" ص ١٣٠، "معاهد التنصيص" ١/ ٣٢٥، "الخزانة" ١/ ٣٨١.
(٢) من قصيدة قالها عدي بن زيد، في قصة طويلة مشهورة بين الزَّباء وجذيمة وردت في كتب التاريخ والأدب وصدر البيت:
وَقدَّدَت الأَدِيَم لِرَاهِشيْه...........
ويروي (قدمت) و (الراهش) عرق في باطن الذراع و (المين) بمعنى: الكذب، ورد البيت في "معاني القرآن" للفراء ١/ ٣٧، "الشعر والشعراء" ص ١٣٢، "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ١٧٥، "تفسير الثعلبي" ١/ ١٩ أ، ٧٣ أ، "أمالي المرتضى" ٢/ ٢٥٨، "المستقصى" ١/ ٢٤٣، "مغني اللبيب" ٢/ ٣٥٧، "الهمع" ٥/ ٢٢٦، "معاهد التنصيص" ١/ ٣١٠، "اللسان" (مين) ٧/ ٤٣١١، والقرطبي في "تفسيره" ١/ ٣٩٩، "الدر المصون" ١/ ٣٥٨.
والشاهد (كذبا ومَيْنا) فأكد الكذب بالمين وهو بمعناه.
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" ١/ ١٩ ب، وابن الأنباري في "الزاهر" ١/ ١٥٢، والأزهري في "تهذيب اللغة" (رحم) ٢/ ١٣٨٣، والقرطبي في "تفسيره" ١/ ٩٢، وابن كثير عن القرطبي في "تفسيره" ١/ ٢٢، وقد أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما عن ابن عباس، قال: (الرحمن الفعلان من الرحمة، وهو من كلام العرب قال: الرحمن الرحيم: الرقيق الرفيق بمن أحب أن يرحمه، والبعيد الشديد على من أحب أن يعنف =
قال الحسين (١) بن الفضل: غلط الراوي؛ لأن الرقة في صفة الباري لا تصح. وإنما هما أسمان رفيقان أحدهما أرفق من الآخر (٢). يدل على هذا ما روي في الخبر: "إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي (٣) على الرفق مالا يعطي على العنف" (٤)، وسمعت من يقول (٥): معنى قول ابن عباس (اسمان رقيقان) أي يدلان فينا على الرقة.
وقال بعضهم: الرحمن خاص اللفظ عام المعنى، والرحيم عام اللفظ خاص المعنى (٦).
(١) في (ب): (الحسن).
(٢) ذكره القرطبي، وذكر نحوه عن الخطابي ١/ ٩٢، وذكره ابن كثير في "تفسيره" في القرطبي ١/ ٢٢.
(٣) (الواو) ساقطة من (ب).
(٤) أخرجه مسلم (٢٥٩٣) كتاب البر، باب: فضل الرفق، وأبو داود (٤٨٠٧) كتاب الأدب، باب: في الرفق، وأحمد في "مسنده" عن علي ١/ ١١٢، وعن عبد الله بن مغفل ٤/ ٨٧، وأخرج البخاري عن عائشة وفيه: (إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله (٦٩٢٧) كتاب استتابة المرتدين، باب: إذا عرض الذمي وغيره بسب النبي - ﷺ -.
(٥) في (ج): (تقول).
(٦) الثعلبي في "تفسيره" ١/ ١٩/ أ. ومعنى أن (الرحمن) خاص اللفظ لأنه لا يطلق إلا على الله، عام المعنى؛ لأنه لجميع الخلق في الدنيا والآخرة، و (الرحيم) عام اللفظ لأنه يطلق على الله بما يليق به، ويطلق على غيره بما يليق به، وخاص المعنى: لأنه خاص بالمؤمنين، أو بالآخرة. انظر الطبري في "تفسيره" ١/ ٥٦ - ٥٨، وابن كثير في "تفسيره" ١/ ٢٢ - ٢٣.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي