بسم الله الرحمان الرحيم ١
تمهيد
يرى بعض الصحابة كأبي هريرة وعلي وابن عباس وابن عمر، وبعض التابعين كسعيد بن جبير وعطاء والزهري وابن المبارك وبعض فقهاء مكة وقرائها ومنهم ابن كثير، وبعض قراء الكوفة وفقهائها ومنهم عاصم والكسائي والشافعي وأحمد، أن البسملة آية من كل سور القرآن الكريم.
ومن أدلتهم على ذلك :
إجماع الصحابة ومن بعدهم على إثباتها في المصحف أول كل سورة عدا سورة براءة، مع الأمر بتجريد القرآن من كل ما ليس منه، ومن ثم لم يكتبوا آمين في آخر الفاتحة.
ما ورد في ذلك من الأحاديث، فقد أخرج مسلم في صحيحه عن أنس رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( أنزلت علي آنفا سورة فقرأ بسم الله الرحمان الرحيم )، وروى أبو داود عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يعرف انقضاء السورة، حتى ينزل عليه بسم الله الرحمان الرحيم وروى الدارقطني عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( إذا قرأتم الحمد لله فاقرءوا بسم الله الرحمان الرحيم فإنها أم القرآن والسبع المثاني، وبسم الله الرحمان الرحيم إحدى آياتها ).
أجمع المسلمون على أن ما بين الدفتين كلام الله تعالى، والبسملة بينهما فوجب جعلها منه.
ويرى مالك وغيره من علماء المدينة، والأوزاعي من علماء الشام، وأبو عمرو يعقوب من قراء البصرة وهو الصحيح من مذهب أبي حنيفة –أنها آية مفردة من القرآن أنزلت لبيان رؤوس السور والفصل بينها.
ويرى عبد الله بن مسعود أنها ليست من القرآن أصلا وهو رأي بعض الحنفية.
ومن أدلتهم على ذلك حديث أنس قال : صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان. وكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين لا يذكرون بسم الله الرحمان الرحيم في أول قراءة ولا آخرها.
الإيضاح :
بسم الاسم هو اللفظ الذي يدل على ذات كمحمد وإنسان، أو معنى كعلم وأدب.
وقد أمرنا الله بذكره وتسبيحه في آيات فقال : فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وقال : فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا وقال : فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم .
وأمرنا بذكر اسمه وتسبيحه في آيات أخرى فقال : واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا وقال : واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا وقال : وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه .
ومن ذلك يعلم أن ذكر المسمى مطلوب بتذكر القلب إياه ونطق اللسان به لتذكر عظمته وجلاله ونعمه المتظاهرة على عباده، وذكره باللسان هو ذكر أسمائه الحسنى وإسناد الحمد والشكر إليه وطلب المعونة منه على إيجاد الأفعال وإحداثها.
وذكر الاسم مشروع ومطلوب كذلك، فيعظم الاسم مقرونا بالحمد والشكر وطلب المعونة في كون الفعل معتدا به شرعا، فإنه ما لم يصدر باسمه تعالى يكون بمنزلة المعدوم.
الله علم مختص بالمعبود بالحق لم يطلق على غيره تعالى، وكان العربي في الجاهلية إذا سئل من خلق السماوات والأرض ؟ يقول الله : وإذا سئل هل خلقت اللات والعزى شيئا من ذلك ؟ يجيب لا .
والإله اسم يقع على كل معبود بحق أو باطل، ثم غلب على المعبود بالحق.
الرحمان الرحيم كلاهما مشتق من الرحمة وهي معنى يقوم بالقلب يبعث صاحبه على الإحسان إلى سواه، ويراد منها في جانب المولى عز اسمه أثرها وهو الإحسان.
إلا أن لفظ الرحمان يدل على من تصدر عنه آثار الرحمة وهي إسباغ النعم والإحسان، ولفظ الرحيم يدل على منشأ هذه الرحمة، وأنها من الصفات الثابتة اللازمة له، فإذا وصف الله جل ثناؤه بالرحمان استفيد منه لغة أنه المفيض للنعم، ولكن لا يفهم منه أن الرحمة من الصفات الواجبة له دائما. وإذا وصف بعد ذلك بالرحيم علم أن لله صفة ثابتة هي الرحمة التي يكون أثرها الإحسان الدائم، وتلك الصفة على غير صفات المخلوقين، وإذا يكون ذكر الرحيم بعد الرحمان كالبرهان على أنه يفيض الرحمة على عباده دائما لثبوت تلك الصفة له على طريق الدوام والاستمرار.
افتتح عز اسمه كتابه الكريم بالبسملة إرشادا لعباده أن يفتتحوا أعمالهم بها، وقد ورد في الحديث ( كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه باسم الله فهو أبتر ) " أي مقطوع الذنب ناقص ".
وقد كان العرب قبل الإسلام يبدءون أعمالهم بأسماء آلهتهم فيقولون باسم اللات أو باسم العزى، وكذلك كان يفعل غيرهم من الأمم، فإذا أراد امرؤ منهم أن يفعل أمرا مرضاة لملك أو أمير يقول أعمله باسم فلان، أي إن ذلك العمل لا وجود له لولا ذلك الملك أو الأمير.
وإذا فمعنى أبتدئ عملي باسم الله الرحمان الرحيم أنني أعمله بأمر الله ولله لا لحظ نفسي وشهواتها.
ويمكن أن يكون المراد –أن القدرة التي أنشأت بها العمل هي من الله ولولا ما أعطاني من القدرة لم أفعل شيئا، فأنا أبرأ من أن يكون عملي باسمي، بل هو باسمه تعالى، لأنني أستمد القوة والعون منه، ولولا ذلك لم أقدر على عمله، وإذا فمعنى البسملة التي جاءت أول الكتاب الكريم، أن جميع ما جاء في القرآن من الأحكام والشرائع والأخلاق والآداب والمواعظ –هو لله ومن الله ليس لأحد غيره فيه شيء، وكأنه قال اقرأ يا محمد هذه السورة بسم الله الرحمان الرحيم، أي اقرأها على أهل من الله لا منك، فإنه أنزلها عليك لتهديهم بها إلى ما فيه خيرهم وتلاوتها على أمته أنه يقرأ عليهم هذه السورة باسم الله لا باسمه أي أنها من الله لا منه، فإنما هو مبلغ عنه تبارك وتعالى كما جاء في قوله : وأمرت أن أكون من المسلمين، وأن أتلو القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين .
تفسير المراغي
المراغي