واتفقت المصاحف على افتتاحها ب بسم الله الرحمان الرحيم ( ١ ) [ الفاتحة : ١ ] واختلف الأئمة فيها، فقال مالك(١) : ليست آية لا من الفاتحة ولا من غيرها إلا من النمل خاصة، وقال الشافعي(٢) : هي آية من الفاتحة فقط، وقال ابن عباس(٣) : هي آية من كل سورة.
فحجة مالك : ما في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم قال :" أنزلت علي سورة ليس في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الفرقان مثلها، ثم قال : الحمد لله رب العالمين ( ٢ ) ( الفاتحة : ٢ ) " (٤) ولم يذكر البسملة. وكذلك ما ورد في الصحيح أيضا أن الله يقول :" قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين. يقول العبد : الحمد لله رب العالمين " (٥) فبدأ بها دون البسملة.
وحجة الشافعي : ما ورد في الصحيح " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ : بسم الله الرحمان الرحيم ( ١ ) الحمد لله رب العالمين ( ٢ ) [ الفاتحة : ١، ٢ ](٦). وحجة ابن عباس : ثبوت البسملة مع كل سورة في المصحف، مع تحري الصحابة ألا يدخلوا في المصحف غير كلام الله، وقالوا : ما بين الدفتين كلام الله(٧).
وإذا ابتدأت أول سورة بسملت إلا براءة، وسيأتي الكلام عليها. وإذا ابتدأت جزء سورة فأنت مخير عند الجمهور. وإذا أتممت سورة وابتدأت أخرى فاختلف القراء في البسملة وتركها.
وأما حكمها في الصلاة، فقال مالك : مكروهة في الفرض دون النفل، وقال الشافعي : فرض تبطل الصلاة بتركها، فيبسمل –عنده- جهرا في الجهر وسرا في السر، عند أبي حنيفة(٨) كذلك إلا أنه يسرها مطلقا، وحجة مالك أنها ليست بآية : ما في الحديث الصحيح عن أنس(٩) أنه قال :( صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان، فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين ) لا يذكرون البسملة أصلا(١٠). وحجة الشافعي أنها عنده آية : ما ورد في الحديث من قراءتها كما تقدم.
ولم تكن البسملة قبل الإسلام، فكانوا يكتبون : باسمك اللهم، حتى نزلت بسم الله مجراها [ هود : ٤١ ] فكتبوا بسم الله حتى نزل :. . . أو ادعوا الرحمان [ الإسراء : ١١٠ ] فكتبوا : بسم الله الرحمان حتى نزل :. . . وإنه بسم الله الرحمان الرحيم [ النمل : ٣٠ ] فكتبوها.
وحذفت الألف لكثرة الاستعمال، والباء متعلقة بمحذوف، اسم عند البصريين، أي ابتدائي كائن بسم الله، فموضعها رفع. وفعل عند الكوفيين، أي : أبدأ أو أتلو. فيقدر كل واحد ما جعلت البسملة مبدأ له، فموضعها نصب، ويقدر مؤخرا لإفادة الحصر والاختصاص. وهو مشتق من السمو(١١) عند البصريين، فلامه محذوفة، وعند الكوفيين من السمة(١٢)، أي : العلامة، ففاؤه محذوفة، ودليل البصريين : التصغير والتكسير، فقالوا : أسماء، ولم يقولوا أوسام، وقالوا : سمى، ولم يقولوا : وسيم(١٣).
و لله علم على الذات الواجبة الوجود، المستحق لجميع المحامد، وهل هو مشتق أو مرتجل ؟ قولان يأتي الكلام عليهما في الحمد لله ؛، وكذلك الرحمان الرحيم .
فقال في توحيد نفسه بنفسه مترجماً عن نفسه بنفسه : الحمد لله رب العالمين ، فكأنه يقول في عنوان كتابه وسر خطابه : أنا الحامد والمحمود، وأنا القائم بكل موجود، أنا رب الأرباب، وأنا مسبب الأسباب لمن فهم الخطاب، أنا رب العالمين، أنا قيوم السموات والأرَضين، بل أنا المتوحِّدُ في وجودي، والمتجلِّي لعبادي بكرمي وجودي، فالعوالم كلها ثابتة بإثباتي، مَمْحُوَّةٌ بأحدية ذاتي. ما وَحَّدَ الواحِدَ مِنْ واحِدِ إذ كُلُّ مَنْ وَحَّدَهُ جَاحِدُ توحيدُ مَنْ ينطقُ عن نَعْتِهِ عاريةُ أَبْطَلَهَا الواحِدُ توحيدُه إياه توحيدُه ونعتُ من يَنْعَتُه لاَحِدُ
قال رجل بين يدي الجنيد(٨) : الحمد لله ولم يقل : رب العالمين ، فقال له الجنيد : كَمِّلْهَا يا أخي، فقال الرجل : وأيّ قَدْر للعالمين حتى تُذكر معه ؟ ! فقال الجنيد : قُلها يا أخي ؛ فإن الحادث إذا قُرن بالقديم تلاشى الحادُ وبقي القديم.
يقول سبحانه : يا مَن هو مني قريب، تَدبر سِرِّي فإنه غريب، أنا المحبُ، وأنا الحبيب، وأنا القريب، وأنا المجيب، أنا الرحيم الرحمان، وأنا الملك الديّان، أنا الرحمان بنعمة الإيجاد، والرحيمُ بتوالي الإمداد. منِّي كان الإيجاد، وعليَّ دوام الإمداد، وأنا رب العباد، أنا الملك الديَّان، وأنا المجازي بالإحسان على الإحسان، أنا الملك على الإطلاق، لولا جهالة أهل العناد والشقاق، الأمر لنا على الدوام، لمن فهم عنا من الأنام ".
قال في الرسائل الكبرى(٩) : لا عبرة بظواهر الأشياء، وإنما العبرة بالسر المكنون، وليس ذلك إلا بظهور أمر الحق وارتفاع غَطَائه وزوال أستاره وخفائه، فإذا تحقق ذلك التجلّي والظهور، واستولى على الأشياء الفناءُ والدُّثُور، وانقشعت الظلمات بإشراق النور، فهناك يبدو عينُ ويَحِقُّ الحق المبين، وعند ذلك تبطل دعوى المدعين، كما يفهم العامة بطلان ذلك في يوم الدين، حين يكون الملك لله رب العالمين، وليت شعري أيُّ وقت كان الملكُ لسواه حتى يقع التقييد بقوله : الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [ الحَجّ : ٥٦ ]، وقوله : وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [ الانفِطار : ١٩ ] ؟ ! لولا الدعاوَى العريضة من القلوب المريضة. هـ.
٢ الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع الهاشمي القرشي المطلبي، أحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة وإليه نسبة الشافعية كافة. ولد سنة ١٥٠ هـ، وتوفي سنة ٢٠٤ هـ..
٣ هو حبر الأمة الصحابي الجليل عبد الله بن عباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي. ولد سنة ٣ قبل الهجرة، وتوفي سنة ٦٨ هـ..
٤ نص الحديث كما رواه مالك في الموطأ (كتاب الصلاة، باب ما جاء في أم القرآن، حديث رقم (٣٧) عن العلاء بن عبد الرحمان بن يعقوب، أن أبا سعيد مولى عامر بن كريز أخبره: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نادى أبي بن كعب وهو يصلي، فلما فرغ من صلاته لحقه، فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على يده وهو يريد أن يخرج من باب المسجد، فقال: "إني لأرجو أن لا تخرج من المسجد حتى تعلم سورة ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآن مثلها"، قال أبي: فجعلت أبطئ في المشي رجاء ذلك، ثم قلت: يا رسول الله، السورة التي وعدتني؛ قال: "كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة؟" قال: فقرأت –الحمد لله رب العالمين- حتى أتيت على آخرها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هي هذه السورة، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيت". وقد أخرج البخاري مثل هذه القصة عن أبي سعيد بن المعلي في كتاب التفسير، باب ما جاء في فاتحة الكتاب، حديث رقم (٤٤٧٤)..
٥ تمام الحديث كما رواه مسلم في الصلاة (حديث رقم ٣٨) عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج" ثلاثا "غير تمام"، فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام. فقال: اقرأ بها في نفسك؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين قال الله تعالى حمدني عبدي..." إلى آخر الحديث. وروى الحديث أيضا أبو داود في الصلاة باب ١٣٢، والترمذي في تفسير سورة الفاتحة باب ١، والنسائي في الافتتاح باب ٢٣، وابن ماجه في الأدب باب ٥٢، وأحمد في المسند (٢/٢٤١، ٢٨٥، ٤٦٠)..
٦ ومن هذه الأحاديث ما روى أبو هريرة رضي الله عنه، إنه عليه الصلاة والسلام قال: "فاتحة الكتاب سبع آيات، أولاهن بسم الله الرحمان الرحيم"، وقالت أم سلمة رضي الله عنها: "قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاتحة وعد الله الرحمان الرحيم الحمد لله رب العالمين آية". انظر تفسير البيضاوي (١/٥)..
٧ انظر تفصيل الكلام في البسملة هل هي آية أم لا، في تفسير الألوسي (١/٤١ وما بعدها)..
٨ هو النعمان بن ثابت التيمي بالولاء الكوفي، إمام الحنفية، أحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة. ولد سنة ٨٠ هـ، وتوفي سنة ١٥٠ هـ..
٩ هو الصحابي الجليل أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم النجاري الخزرجي الأنصاري. ولد سنة ١٠ قبل الهجرة، وتوفي سنة ٩٣ هـ..
١٠ رواه مسلم في الصلاة (حديث ٥٢) ولفظه في آخره: "... لا يذكرون بسم الله الرحمان الرحيم في أول القراءة ولا في آخرها"..
١١ أي أن مادته سين وميم وواو (س م و)..
١٢ أي أن مادته واو وسين وميم (و س م)..
١٣ اشتقاق الاسم عند المحققين من النحويين من السمو وهو الارتفاع، ومحل مرتفع فهو ظاهر. والاسم يظهر المسمى عند السامع، فاشتق من السمو لذلك. وقد قيل: إنما اشتق الاسم من السمو لكون الكلام على ثلاثة أقسام وضع لكل قسم عبارة، وكان الاسم المقدم فأعطي أرفع العبارات، وكان الحرف المتأخر إذ لا معنى له في ذاته فأعطي أحط العبارات، وكان الفعل واسطة بينهما فتوسط اسمه. وذهب قوم إلى أن اشتقاق الاسم من السمة وهي العلامة، والاسم جعل دلالة على المسمى. وهذا تبطله صناعة العربية؛ إذ لو كان مشتقا من السمة لقيل في تصغيره: وسيم، ولا يقال ذلك إنما يقل سمي، وكذلك في جمعه أسماء برد لام الفعل، والتكبير والتصغير يردان الأشياء إلى أصولها. فصح أن اشتقاقه من السمو. انظر تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي (١/١٢٣- الحاشية)..
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي