ﭑﭒﭓﭔ

اختلف أهل العلم في البَسْمَلَة: هل هي آية مستقلة في أول كل سورة كتبت في أولها، أو هي بعض آية من أول كل سورة أو هي كذلك في الفاتحة فقط دون غيرها أو أنها ليست بآية في الجميع وإنما كتبت للفصل؟ والأقوال وأدلتها مبسوطة في موضع الكلام على ذلك وقد اتفقوا على أنها بعض آية في سورة النمل، وقد جزم قراء مكة والكوفة وفقهاؤهما بأنها آية من الفاتحة ومن كل سورة، وخالفهم قراء المدينة والبصرة والشام وفقهاؤها فلم يجعلوها آية لا من الفاتحة ولا من غيرها من السور، وقالوا إنها آية فذة من القرآن أنزلت للفصل والتبرك للابتداء بها.
وبالأول قال ابن عباس وابن عمر وأبو هريرة وسعيد بن جبير وعطاء وابن المبارك وأحمد في أحد قوليه، وإسحق وعلي بن أبي طالب والزهري ومحمد ابن كعب والثوري، وهو القول الجديد للشافعي، ولذلك يجهر بها عنده.
وبالثاني قال الأوزاعي ومالك وأبو حنيفة وأصحابه، قال أبو السعود وهو الصحيح من مذهب الحنفية.
وقد أثبتها السلف في المصحف مع الأمر بتجريد القرآن عما ايس منه، ولذا لم يكتبوا آمين. وقد أخرج أبو داود بإسناد صحيح عن ابن عباس أن

صفحة رقم 37

رسول الله - ﷺ - كان لا يعرف فصل السورة، وفي رواية انقضاء السورة حتى ينزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم، وأخرجه الحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط الشيخين.
وأخرج ابن خزيمة في صحيحه عن أم سلمة أن رسول الله - ﷺ - قرأ البسملة في أول الفاتحة في الصلاة وعدها آية، وفي إسناده عمر بن هارون البلخي وفيه ضعف. وروى نحوه الدارقطني مرفوعاً عن أبي هريرة، وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا قرأتم الحمد لله فاقرءوا بسم الله الرحمن الرحيم فإنها أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني (١)، وبسم الله الرحمن الرحيم إحدى آياتها، رواه الدارقطني وقال رجال إسناده كلهم ثقات، ورواه البخاري في تاريخه، وروي موقوفاً أيضاً.
وأخرج مسلم عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ - " أنزلت عليّ آنفاً سورة فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم إنا أعطيناك الكوثر (٢) " الحديث.
قال البيهقي أحسن ما احتج به أصحابنا في أن البسملة من القرآن وأنها من فواتح السور سوى سورة براءة ما روينا في جمع الصحابة كتاب الله عز وجل في المصاحف، وأنهم كتبوا فيها البسملة على رأس كل سورة سوى سورة براءة فكيف يتوهم متوهم أنهم كتبوا فيها مائة وثلاث عشرة آية ليست من القرآن، وقد علمنا بالروايات الصحيحة عن ابن عباس أنه كان يعد البسملة آية من الفاتحة ويقول انتزع الشيطان منهم خير آية في القرآن، رواه الشافعي.
وكما وقع الخلاف في إثباتها وقع الخلاف في الجهر بها في الصلاة وقد أخرج النسائي في سننه وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم في المستدرك عن أبي هريرة أنه صلى فجهر في قراءته بالبسملة وقال بعد أن فرغ إني لأشبهكم صلاة برسول الله - ﷺ -، وصححه الدارقطني والخطيب والبيهقي
_________
(١) صحيح الجامع ٧٢٩ - الدارقطني ١/ ٣١٢.
(٢) صحيح الجامع ١٥١٠ - مسلم ١/ ٥٣ - أبو داود ٢٣ - النسائي ٢١.

صفحة رقم 38

وغيرهم، وروى أبو داود والترمذي عن ابن عباس أن رسول الله - ﷺ - كان يفتتح الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم، قال الترمذي وليس إسناده بذاك، وقد أخرجه الحاكم في المستدرك عن ابن عباس بلفظ كان رسول الله - ﷺ - يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم (١)، ثم قال صحيح.
وأخرج البخاري في صحيحه عن أنس أنه سئل عن قراءة رسول الله - ﷺ - فقال كانت قراءته مداً ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم يمد بسم الله ويمد الرحمن ويمد الرحيم، وأخرج أحمد في المسند وأبو داود في السنن وابن خزيمة في صحيحه والحاكم في مستدركه، عن أم سلمة أنها قالت كان رسول الله - ﷺ - يقطع قراءته بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين (٢)، وقال الدارقطني إسناده صحيح.
وبهذا قال من الصحابة أبو هريرة وابن عباس وابن عمر وابن الزبير، ومن التابعين فمن بعدهم سعيد بن جبير وأبو قلابة والزهري وعكرمة وعطاء وطاوس ومجاهد وعلي بن الحسين وسالم بن عبد الله ومحمد بن كعب القرظي وابن سيرين وابن المنكدر ونافع مولى ابن عمر وزيد بن أسلم ومكحول وغيرهم، وإليه ذهب الشافعي.
واحتج من قال إنه لا يجهر بالبسملة في الصلاة بما في صحيح مسلم عن عائشة قالت: كان رسول الله - ﷺ - يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين، وفي الصحيحين عن أنس قال صليت خلف النبي - ﷺ - وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، ولمسلم: لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول القراءة ولا في آخرها (٣)، وأخرج أهل السنن نحوه عن عبد الله بن مغفل، وإلى هذا ذهب الخلفاء الأربعة وجماعة من الصحابة
_________
(١) الحاكم ١/ ٢٠٨.
(٢) ضعيف الجامع/٤٨٧٦.
(٣) مسلم/٣٩٩ - البخاري/٤٥٣.

صفحة رقم 39

كابن مسعود وعمار بن ياسر وابن مغفل وغيرهم، ومن التابعين الحسن والشعبي وابراهيم النخعي وقتادة والأعمش والثوري، وإليه ذهب مالك وأبو حنيفة وأحمد وغيرهم.
وأحاديث الترك وإن كانت أصح. ولكن الإثبات أرجح مع كونه خارجاً من مخرج صحيح فالأخذ به أوفى ولا سيما مع إمكان تأويل الترك، وهذا يقتضي الإثبات الذاتي أعني كونها قرآناً، والوصفي أعني الجهر بها عند الجهر بقراءة ما يفتتح بها من السور في الصلاة.
والحاصل أن البسملة آية من الفاتحة ومن غيرها من السور، وحكمها من الجهر والإسرار حكم الفاتحة فيجهر بها مع الفاتحة في الصلاة الجهرية، ويسر بها مع الفاتحة في الصلاة السرية، وبهذا يحصل الجمع بين الروايات.
ولتنقيح البحث والكلام على أطرافه استدلالاً ورداً وتعقباً ودفعاً، ورواية ودراية موضع غير هذا، وقد استوفاه الشوكاني في شرحه للمنتقى، وله جواب عن سؤال نظماً ونثراً.
ومتعلق الباء محذوف وهو اقرأ أو اتلو، وتقديم المعمول للاعتناء به والقصد إلا التخصيص، ويظهر رجحان تقدير الفعل متأخراً في مثل هذا المقام ولا يعارضه قوله تعالى (اقرأ باسم ربك) لأن المقام مقام القراءة فكان الأمر بها أهم، وأما الخلاف بين أئمة النحو في كون المقدر اسماً أو فعلاً فلا يتعلق بذلك كثير فائدة، والباء للاستعانة أو للمصاحبة تبركاً، ورجح الثاني الزمخشري، والإسم هو اللفظ الدال على المسمَّى، ومن زعم أن الإسم هو المسمى كما قاله أبو عبيدة وسيبويه والباقلاني وابن الفورك " وحكاه الرازي عن الحشوية والكرامية والأشعرية، فقد غلط غلطاً بيناً، وجاء بما لا يعقل مع عدم ورود ما يوجب المخالفة للعقل لا من الكتاب ولا من السنة ولا من لغة العرب، بل العلم الضروري حاصل بأن الإسم الذي هو أصوات منقطعة وحروف مؤلفة غير المسمى الذي هو مدلوله، والبحث مبسوط في علم الكلام.

صفحة رقم 40

وثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة (١)، وقال الله عز وجل (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها) وقال تعالى: (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيّاً مَّا تدعوا فله الأسماء الحسنى).
(الله) علم عربي مرتجل جامد عند الأكثر، خاص لذات الواجب الوجود تفرد به الباري سبحانه لِم يطلق على غيره، ولا يشركه فيه أحد، وعند الزمخشري اسم جنس صار علماً بالغلبة، والأول هو الصحيح، ولم يقل بالله للفرق بين اليمين والتيمن، أو لتحقيق ما هو المقصود بالاستعانة ههنا فإنها تكون تارة بذاته تعالى وتارة باسمه عز وعلا، فوجب تعيين المراد بذكر الإسم وعند المحققين أنه اسم الله الأعظم، وقد ذكره الله تعالى في ألفين وثلثمائة وستين موضعاً من القرآن.
(الرحمن) من الصفات الغالبة لم يستعمل في غير الله عز وجل، وقال أبو علي الفارسي الرحمن اسم عام في جميع أنواع الرحمة يختص به الله تعالى (الرحيم) إنما هو في جهة المؤمنين قال تعالى (وكان بالمؤمنين رحيماً) وعن ابن عباس قال هما إسمان أحدهما أرق من الآخر، وقيل معناهما ذو الرحمة جمع بينهما للتأكيد وقيل غير ذلك، والأول أولى، وفي الرحمن من المبالغة ما ليس في الرحيم.
والرحمة إرادة الخير والإحسان لأهله، وقيل ترك عقوبة من يستحق العقاب: وإسداء الخير والإحسان إلى من لا يستحق، فهو على الأول صفة ذات وعلى الثاني صفة فعل، وأسماء الله تؤخذ باعتبار الغايات التي هي أفعال دون المبادىء التي هي انفعالات، وإفراد الوصفين الشريفين بالذكر لتحريك سلسلة الرحمة، وهل الرحمن مصروف أو لا، فيه قولان، مال التفتازاني إلى جواز الأمرين، وقد ورد في فضلها أحاديث ينبغي البحث عن أسانيدها والكلام
_________
(١) صحيح الجامع/٢١٦٣. وفي رواية مسلم إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً.
مسلم/٢٦٧٧ البخاري ٢٠٩٨.

صفحة رقم 41

عليها، وقد شرعت التسمية في مواطن كثيرة قد بينها الشارع منها عند الوضوء، وعند الذبيحة، وعند الأكل وعند الجماع وغير ذلك.

صفحة رقم 42

فتح البيان في مقاصد القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الطيب محمد صديق خان بن حسن بن علي ابن لطف الله الحسيني البخاري القِنَّوجي

راجعه

عبد الله بن إبراهيم الأنصاري

الناشر المَكتبة العصريَّة للطبَاعة والنّشْر
سنة النشر 1412
عدد الأجزاء 15
التصنيف التفسير
اللغة العربية