ﭑﭒﭓﭔ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)
التَّسمِيةُ هِيَ آيةٌ مِنَ الْقُرْآن، وَلَيسَتْ مِنْ فاتِحةِ الكِتاب.
دليل جعلها آية: ما رُويَ عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال لأبي بن كعب: " لأُعلمنَّكَ آيةً لَم

صفحة رقم 349

تَنْزِلْ عَلَى أَحَدٍ قَبلي إِلَّا عَلَى سُلَيمَانَ بنِ دَاودَ فأَخْرَجَ إِحْدَى قَدَمَيهِ، ثمَّ قَالَ له: بأَي آيةٍ تفتتح بها القرآن؟ قال: بـ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ). فَقَالَ: هِيَ هِيَ ".
ففى هذا أنها آية من القرآن، وأنها لو كانت من السور لكان يعلمه نَيِّفًا ومائةَ آيةٍ لا آيةً واحدةً.
ولو كانت منها أيضًا؛ لكان لا يجعلها مفتاح القرآن، بل يجعلها من السور.
ثم الظاهر أن من لم يتكلف تفسيرها عند ابتداء السورة ثبت أَنها ليست منها.
وكذلك تركُ الأُمةِ الجهرَ بها، على العلم بأنه لا يجوز أن يكون رسولُ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يجهر بها ثم يخفى ذلك على من معه، وأن يكونوا غفلوا ثم يضيعون سُنَّةً بلا نفع يحصل لهم، حتى توارثت الأمة تركَها فيما يحتمل أن يكون الجهر سنة ثم يخفى، فيكون في فعل الناس دليل واضح أنها ليست من السور.
ودليل آخر على ذلك ما رُويَ عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عن اللَّه أنه قال: " قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وبَينَ عَبدِي نِصْفَينِ، فإِذَا قَالَ العَبدُ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ) إلى قوله: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ). فقال: هذا لي ". وهي ثلاث آيات.
وقال بعد قوله: (اهدِنَا) إلى آخرها: " هَذَا لِعَبدِي "، ثبت أنها ثلاثُ آيات؛ لتستويَ القسمة.
ثم قال في قوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ): " هذا بيني وبين عبدي نصفين ".

صفحة رقم 350

فثبت أنها آية واحدة؛ فصارت بغير التسمية سبعًا. وذلك قول الجميع: إنها سبع آيات مع ما لم يذكر في خبر القسمة؛ فثبت أنها دونها سبع آيات.
وقد رُويَ عن أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: " صلَّيْتُ خلفَ رسولِ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وخلف أبي بكرٍ، وعمرَ، وعثمان - رضي اللَّه عنهم - فَلمْ

صفحة رقم 351

يكونوا يَجْهرُونَ بـ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ".

صفحة رقم 352

وروى ذلك عن عليٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وعبد اللَّه بن عمر وجماعة، وهو الأَمر المعروف في الأُمة، مع ما جاءَ في قصة السحر: أن العُقَد كانت إحدى عشرة، وقرأَ عليها المعوذتين دون التسمية؛ فكذا غيرها من السور مع ما إذا جعلت مفتاحًا كانت كالتعوذ، واللَّه الموفق.
والأصل عندنا أن المعنى الذي تَضَمنُه فاتحةُ القرآن فرض على جميع البشر؛ إذ فيه الحمد لله والوصف له بالمجد، والتوحيد له، والاستعانة به، وطلب الهداية، وذلك كله يَلزَم كافةَ العقلاء من البشر، إذ فيه معرفة الصانع على ما هو معروف، والحمدُ له على ما يستحقه، إذ هو المبتدئ بنعمه على جميع خلقه، وإليه فقر كلِّ عبدٍ، وحاجةُ كلِّ محتاج، فصارت لنفسها -بما جمعت الخصال التي بَيَّنَّا- فريضةً على عباد اللَّه.

صفحة رقم 353

ثم ليست هي في حق الصلاة فريضة، وذلك نحو التسبيحات بما فيها من تنزيه اللَّه.
والكبيرات بما فيها من تعظيمه فريضة لنفسها؛ إذ ليس لأَحد ألا ينزه ربه، ولا يعظمه من غير أَن يوجب ذلك فرضيتها في حق الصلاة، وفي حق كل مجعولة هي فيه، لا من طريق توضيح الفرضية من غير طريق الذي ذكرت.
ثم ليست هي بفريضة في حق القراءَة في الصلاة؛ لوجوه:
أحدها: أَن فرضية القراءَة عرفنا بقوله: (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) وفيها الدلالة من وجهين:
أحدهما: أنه قد يكون غيرها أَيسرَ.
والثاني: أن فرضيَّة القراءَة في هذه الآية من حيث الامتنان بالتخفيف علينا والتيسير،
ولو لم يكن فريضة لم يكن علينا في التخفيف منَّةٌ إذًا بالترك.
ثم لا نخير في فاتحة القرآن، والآية التي بها عرفنا الفرضية فيما تخير ما يختار من الأيسر، ثبت أنها رجعت إلى غيرها، وباللَّه التوفيق.
والثاني: أن نبي اللَّه أخبر عن اللَّه: أنه جعل بها في حق الثناء، وهو ما ذكر في خبر القسمة فصارت تقرأ بذلك الحق، فلم يخلص لها حق القراءَة، بل أَلحق بها حق الدعاء والثناءِ، وليس ذلك من فرائض الصلاة، وباللَّه التوفيق.
والثالث: ما رُويَ عنِ عبد اللَّه بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أَحْيَا ليلة بقوله: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ) الآية. وبه كان يقوم، وبه كان يركع، وبه يسجد، وبه يقعد ". فثبت أنه لا يتعين قراءَتها في الصلاة مع ما أَيَّده الخبر الذي فيه

صفحة رقم 354

" أَنِ ارْجِعْ فَصَل فَإِنَّكَ لَم تُصل "؛ إذ قال له وقت التعليم: " اقْرَأْ مَا تيسَّرَ عَلَيكَ " فثبت أَن المفروض ذلك.
وأيضا رُويَ عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أَنه قال: " لا صَلاةَ إِلا بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ ".

صفحة رقم 355

ثم رُويَ عنه بيان محلها: " إِنَّ كُلَّ صَلاةٍ لَم يُقْرَأْ فيها بِفَاتِحَةِ الكتابِ فهِيَ خِدَاجٌ، نُقْصَان، غَيرُ تَمَام ".
والفاسدُ لا يوصف بالنقصان، وإنما الموصوف بمثله ما جاز مع النقصان. وبالله التوفيق.
ثم خص فاتحة القرآن بالتأمين بما سُمِّي بالذي ذكَره خبرُ القسمة.
وغير الفاتحة وإن كان فيه الدعاءُ، فإنه لم يخص بهذا الاسم؛ لذلك لم يجهر به، فالسبيل فيه ما ذكرنا في القسمة، مع ما كان هو أخلص بمعنى الدعاء منها.
ثم السُّنَّة في جميع الدعوات المخافَتةُ.
والأصل: أنَ كل ذِكِر يشترك فيه الإمام والقوم فَسُنتُه المخافتة إلا لحاجة الإعلام، وهذا يعلم من قوله: (وَلَا الضَّالِّينَ) فيزول معناه.
وسبيل مثله المخافتة مع ما جاءَ به مرفوعًا ومتوارثًا.
وخبرُ الجهر يحتمل: السبق، كما كان يُسمِعُهُم في صلاة النهار أحيانًا. ويحتمل: الإعلام، أنه كان يقرأُ به. وباللَّه التوفيق.
ثم جمعت هذه خصالًا من الخير، ثم كل خصلة منِها تجمع جميع خصال الخير.
منها: أَن في الحرف الأول من قوله: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) شكرًا لجميع النعم، وتوجيهًا لها إلى اللَّه لا شريك له، ومَدْحًا له بأَعلى ما يحتمل المدح، وهو ما ذكرنا من عموم نعمه وآلائه جميعَ بريَّته.

صفحة رقم 356

تأويلات أهل السنة

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي

تحقيق

مجدي محمد باسلوم

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان
سنة النشر 1426
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية