ﭑﭒﭓﭔ

البسملة
٣- قال في الكتاب : لا يقرأ البسملة في المكتوبة سرا و لا جهرا، إماما أو منفردا. وهو مخير في النافلة(١)، قال صاحب الطراز(٢) : " لا يختلف في جوازها في النافلة، وإنها لا تفسد الفريضة ". وقال الشافعي وابن شهاب : " هي آية من الفاتحة "، وللشافعي عدا الفاتحة قولان(٣)، وقال أحمد : " ليست آية إلا في النمل " (٤). ( الذخيرة : ٢/١٧٦-١٨١ ).
لنا وجوه خمسة :
أحدها : ما في الصحيحين قال أنس : صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان – رضوان الله عليهم جميعا – فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين لا يذكرون بسم الله الرحمان الرحيم في أول القراءة ولا في آخرها(٥).
الثاني : ما في الموطأ : " قال أبو هريرة : سمعته عليه السلام يقول، ( من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج هي خداج هي خداج غير تمام ). قال أبو السائب مولى هشام بن زهرة : يا أبا هريرة إني أحيانا أكون وراء الإمام ؟ قال : فغمز ذراعي ثم قال : اقرأ بها في نفسك يا فارسي. قال : سمعته عليه السلام يقول : قال الله تبارك وتعالى :( قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل. قال عليه السلام : اقرءوا- يقول العبد- : الحمد لله رب العالمين، يقول الله مجدني عبدي، يقول العبد : إياك نعبد وإياك نستعين، فهذه الآية بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، يقول العبد : اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فهذه لعبدي ولعبدي ما سأل " (٦)، وساق الحديث ؛ والقسمة ليست في أفعال الصلاة لعدم ذكرها ولا في غير الفاتحة من الأذكار ؛ فتعين أن يكون لفظ الصلاة استعمل مجازا في القراءة الواجبة، إما من باب التعبير بالجزء عن الكل، لأن الدعاء جزؤها ؛ أو بالتعبير بالكل عن الجزء لأن الفاتحة جزء الصلاة، ولم يذكر البسملة فيها فليست منها فإن قيل الجواب عن هذا الحديث من وجهين :
الأول : الحقيقة الشرعية واللغوية ليستا مرادتين إجماعا، فلم يبقى سوى المجاز، وهو عندنا مجاز عن الحقيقة اللغوية التي هي الدعاء إلى قراءة مقسومة بنصفين وهذا أعم من كونه جملة الفاتحة أو بعضها، فيحتاج إلى الترجيح- وهو معها- فإن بعضها أقرب إلى الحقيقة من كلها، والأقرب إلى الحقيقة أرجح فيبقى البعض الآخر غير مذكور، وهو المطلوب.
الثاني : أن الصلاة ليست مقسومة اتفاقا، فيكون ثم إضمار تقديره : " قسمت بعض قراءة الصلاة " ونحن نقول : بموجبه ؛ و الجواب عن الأول أن التجوز عن الحقيقة الشرعية أولى لوجهين :
أحدها : أن كل من أطلق لفظه حمل على عرفه، ولذلك حملنا قوله – عليه السلام- " لا يقبل الله صلاة بغير طهور " على الصلاة الشرعية.
ثانيها : أن التجوز عن الكل إلى الجزء أولى من الجزء إلى الكل لحصول الاستلزام في الأول دون الثاني ؛ وعلى هذا يكون استيعاب القراءة الواجبة أقرب إلى الحقيقة من بعضها.
وعن الثاني : أن المجاز أولى من الإضمار كما تقرر في علم الأصول.
الثالث : أن الفاءات هي الفاصلة بين الآي، فلو كانت البسملة من الفاتحة لكانت الآيات ثمانية. وهو باطل لوجهين :
الأول : تسميتها في الكتاب والسنة بالسبع المثاني.
الثاني : أنه يلزم أن يكون قسم الله تعالى يكمل عند " مالك يوم الدين " (٧) وليست كذلك.
الرابع : أن القول بما يفضي إلى التكرار، وهو خلاف الأصل- وهو في الرحمان الرحيم-.
وأجاب بعضهم عن هذا السؤال بأن الأول : ثناء على الله بالرحمة في الفعل المبسمل عليه. والثاني : ثناء الله تعالى بالرحمة لكل مرحوم، فلا تكرار.
الخامس : إجماع أهل المدينة، فإن الصلاة تقام بينهم من عهده- عليه السلام- إلى زمن مالك مع الجمع العظيم الذي يستحيل تواطؤهم على الكذب، فنقلهم لذلك بالفعل كنقلهم له بالقول فيحصل العلم فلا يعارضه شيء من أخبار الآحاد. احتجوا بوجوه :
أحدها : إجماع الصحابة على كتبها في المصحف والإرسال به إلى البلاد احترازا للقرآن وضبطا له، فتكون من القرآن، ولذلك لم يكتبوها في أول " براءة " لم يثبت أنها منها.
الثاني : ما رواه النسائي عن نعيم المجمر قال : صليت وراء أبي هريرة فقرأ بسم الله الرحمان الرحيم، ثم قرأ بأم القرآن، وذكر الحديث، وقال : " والذي نفسي بيده إني لأشبهكم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم " (٨).
الثالث : ما في الترمذي عن ابن عباس قال : " كان عليه السلام يستفتح الصلاة بسم الله الرحمان الرحيم " (٩). والجواب عن الأول : أنها لما نزلت في النمل، أمر – عليه السلام- لا يكتب كتابا(١٠) إلا ابتدئ بها فيه، فجرى الصحابة – رضوان الله عليهم- على ذلك كما هو اليوم، وبذلك روي عن ابن عباس أنه قال : قلت لعثمان : " ما بالكم كتبتم بسم الله الرحمان الرحيم وأسقطتموها من براءة ؟ فقال : " ما تحققت هل هي سورة على حيالها ؛ أم هي والأنفال سورة " ؟ (١١). وعن الثاني : أنه لم يخرجه أحد ممن اشترط الصحة، وحديثه في الموطإ يوهن هذا الحديث. وعن الثالث : أنه ضعفه الترمذي. وأما قول مالك : " إن ذلك في النافلة واسع " فعل ذلك في غير النافلة، وهي رواية ابن القاسم(١٢) في العتبية(١٣) أو في الفاتحة وغيرها، وهو حكاية الباجي(١٤) عن العراقيين.
تنبيه : جمهور الصحابة يعتمدون على أن القراءة لا يثبت إلا بالتواتر، والبسملة ليست متواترة فلا تكون قرآنا، ويعتقدون أنه دليل قاطع، وهو باطل، لأن قولهم : القرآن لا يتبت إلا بالتواتر، إن أخذوه كلية اندرجت فيها صورة النزاع، فالخصم يمنع الكلية، لاشتمالها على صورة النزاع، أو جزئية لم تقد شيئ. إذ لعل صورة النزاع فيما بقي غير الجزئية، ومما يوضح لك فساده : أن من زاد في القرآن ما ليس منه فهو كافر إجماعا، وكذلك من نقص منه ما هو منه، فكان يلزم تكفيرنا أو تكفير خصمنا، وهو خلاف الإجماع، فدل على أن القرآن ليس ملزوما للتواتر، بل عند الخصم القرآن يثبت بالتواتر وبغير التواتر، فمصادرته على ذلك لا تجوز، لأنه يقول إن البسملة ليست متواترة، وهي قرآن. ونحن أيضا نقول : هي غير متواترة ولا يكفر مثبتها من القرآن، فدل ذلك على أننا غير جازمين بأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر.
٤- أجمع الصحابة فيما أعلم على أنه لا يجوز أن يكتب فواتح السور بالمداد، بل بصبغ آخر حذرا من أن يعتقد أنها من القرآن. (١٥) ( الأجوبة الفاخرة عن الأسئلة الفاجرة ص : ٢٧٦ ).
٥- إن الله تعالى عندنا في البسملة معناه الذات الموصوفة بصفات الكمال ونعوت الجلالة و الرحمان الرحيم وصفان له سبحانه وتعالى باعتبار الخير والإحسان الصادرين عن قدرته، فإن صفات الله تعالى منها سلبية نحو : الأزلي، أي لا أول له. والصمد، أي : لا جوف له. (١٦) ومنها ثبوتية قائمة بذاته وهي سبعة : العلم والإرادة والقدرة والحياة والكلام والسمع والبصر. ومنها فعلية خارجة عن ذاته تعالى، يستحيل قيامها به، نحو : الرزق والهبات والخلق والإحسان.
فتسميته : الرزاق الوهاب، الخالق، المحسن، باعتبار أفعاله لا باعتبار صفة قديمة بذاته.
فالرحمان معناه : المحسن في الدنيا والآخرة لخلقه بفضله.
والرحيم معناه : المحسن في الآخرة خاصة لخلقه بفضله.
وكذلك يقال : يا رحمان الدنيا والآخرة، ويا رحيم الآخرة. فالرحمان أبلغ من الرحيم لشموله الدارين. ( الأجوبة الفاخرة عن الأسئلة الفاجرة ص : ١٣٩-١٤٠ ).

١ ن – المدونة : ١/١٦٢. وفيه قال مالك :"الشأن ترك قراءة بسم الله الرحمان الرحيم في الفريضة : قال لا يقرأ سرا ولا علانية لا إماما ولا غير إمام قال : وفي النافلة إن أحب فعل وإن أحب ترك كذلك واسع"..
٢ كثيرا ما ينسب الإمام القرافي الكلام إلى الكتاب ولا يسمي صاحبه، يقول في كتابه الذخيرة :"واخترت أن أقول : قال صاحب البيان أو قال صاحب النكت لأجمع بين القائل والكتاب المقول فيه" : ١/٣٧.
أما "الطراز" فهو كتاب في شرح المدونة يقع في ثلاثين سفرا إلا أن صاحبه قد توفي قبل إتمامه. ن :"الإمام القرافي وآثره في الفقه الإسلامي" د. عبد الله إبراهيم صلاح، ص : ١٨٧-١٨٨.
وأما صاحبه فهو العلامة الكبير سند بن عنان بن إبراهيم الأسدي المصري (ت : ٥٤١ هج). ن :"الديباج المذهب" لابن فرحون : ١/٣٩٩. و"شجرة النور الزكية" لمحمد مخلوف ص : ١٢٥. و"حسن المحاضرة" للسيوطي : ١/٤٥٢..

٣ قال الإمام الغزالي رحمه الله في المستصفى (١/١٠٢-١٠٥) :"وميل الشافعي رحمه الله إلى أنها آية من كل سورة وسائر السور. لكنها في أول كل سورة آية برأسها. أو هي مع أول آية في سائر السورة آية ؟ هذا ما نقل عن الشافعي رحمه الله فيه تردد. وهذا أصح من قول من حمل تردد قول الشافعي على أنها : هل هي من القرآن في كل سورة ؟ بل الذي يصح أنها حيث كتبت مع القرآن بخط القرآن فهي القرآن"..
٤ النمل، الآية : ٣١ :"إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمان الرحيم". ن ك خلافهم في هذه المسألة في بداية المجتهد : ٢/٢١٢ وما بعدها..
٥ ن : فتح الباري على صحيح البخاري : ٢/٣٦٩. وشرح النووي على صحيح مسلم : ٣/٢٤..
٦ - الموطأ ص : ٦٦. حديث : ١٨٥..
٧ سورة الفاتحة آية : ٤..
٨ أخرجه في السنن : ٢/١٣٤..
٩ في كتاب الصلاة ن: العارضة: ٢/٤٤..
١٠ كذا في الأصل، ولعل الصواب: لا يكتب كتاب..
١١ في كتاب التفسير ن: العارضة: ١١/٢٢٥-٢٢٧..
١٢ هو عبد الرحمان بن القاسم العتبي الإمام المشهور، يكنى بأبي عبد الله، وهو من أصحاب مالك- رضي الله عنه- الذي كان لهم الأثر البالغ في تدوين مذهبه (ت ١٩١ هج). ن : ترجمته في : الديباج ٢/٤٦٥. شجرة النور : ٥٨. حسن المحاضرة : ١/٣٠٣..
١٣ - هو كتاب من مختصرات المدونة، جمعها محمد بن أحمد العتبي القرطبي (ت ٢٥٤ هج) من سماعه من الإمام سحنون وأصبغ، وابن حبيب، وقد رواها عنه أبو عبد الله محمد بن لبانة وتسمى أيضا بالمستخرجة. ولابن رشد عليها كتابه المشهور :"البيان والتحصيل لما في المستخرجة من التوجيه والتعليل". ن :"الإمام القرافي وأثره في الفقه الإسلامي" د. عبد الله إبراهيم صلاح. ص : ١٩١..
١٤ - هو القاضي أبو الوليد الباجي، سليمان بن خلف التميمي الفقيه المالكي (ت : ٤٧٤ هج).
من أهم مصنفاته :"التبيين لمسائل المهتدين". و"التسديد لمعرفة التوحيد" و"سنن الصالحين" و"المنتقى" وغيرها. ن : الديباج : ٢/٣٧٧. وفيات الأعيان : ٢/٣٧٥. البداية والنهاية لابن كثير : ١٢/١٢٢. شجرة النور : ١٢٠ وغيرها..

١٥ للدكتور بكر زكي عوض- محقق كتاب الأجوبة الفاخرة- تعليق على كلام الإمام القرافي يقول فيه :"ليس بين الصحابة إجماع في أن البسملة ليست آية مستقلة في كل سورة، بل العكس هو الثابت، وممن روى منهم ذلك : علي وابن عباس وابن عمر وابن الزبير وأبو هريرة. ومن التابعين : عطاء وطاوس وسعيد بن جبير ومكحول والزهري. وبه يقول ابن المبارك والشافعي وأحمد بن حنبل في رواية عنه، وإسحاق بن راهويه وأبو عبيد القاسم بن سلام. وقد مال الإمام مالك و أبو حنيفة إلى أنها ليست آية من الفاتحة ولا غيرها. وقد رجح القرافي ذلك لأنه مالكي المذهب". ص : ٢٧٦. راجع في هذا الموضوع تفسير ابن كثير ١/١٦. وكتاب "الكشف عن وجوه القراءات السبع لابن أبي طالب القيسي ص : ١٢ إلى ٢٤ من الجزء الأول..
١٦ هذا التفسير مروي عن ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن المسيب ومجاهد وعبد الله بن بريدة وعكرمة أيضا وسعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح وعطية العوفي والضحاك والسدي. ن، تفسير القرآن العظيم لابن كثير : ٤/٩١١..

جهود القرافي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير