سبقت الإشارة في هذه السورة إلى القرون الخالية، وما كان من عاقبة تكذيبهم لرسلهم، واستخلاف من بعدهم لاختبارهم :( ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات، وما كانوا ليؤمنوا، كذلك نجزي القوم المجرمين، ثم جعناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون.. )
كما سبقت الإشارة بأن لكل أمة رسولاً فإذا جاءهم رسولهم قضي بينهم بالقسط :( ولكل أمة رسول، فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون ).
فالآن يأخذ السياق في جولة تفصيلية لهاتين الإشارتين، فيسوق طرفاً من قصة نوح مع قومه، وطرفاً من قصة موسى مع فرعون وملئه، تتحقق فيهما عاقبة التكذيب، والقضاء في أمر الأمة بعد مجيء رسولها، وإبلاغها رسالته، وتحذيرها عاقبة المخالفة.
كذلك تجيء إشارة عابرة لقصة يونس الذي آمنت قريته بعد أن كاد يحل بها العذاب، فرفع عنها ونجت منه بالإيمان.. وهي لمسة من ناحية أخرى تزين الإيمان للمكذبين، لعلهم يتقون العذاب الذي ينذرون. ولا تكون عاقبتهم كعاقبة قوم نوح وقوم موسى المهلكين.
وقد انتهى الدرس الماضي بتكليف الرسول - [ ص ] - أن يعلن عاقبة الذين يفترون على اللّه الكذب وينسبون إليه شركاء :( قل إن الذين يفترون على اللّه الكذب لا يفلحون، متاع في الدنيا، ثم إلينا مرجعهم، ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون ). وذلك بعد تطمين الرسول :( ولا يحزنك قولهم. إن العزة للّه جميعاً ) وبأن أولياء اللّه لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
واستمر السياق بتكليف جديد : أن يقص عليهم - [ ص ] - نبأ نوح فيما يختص بتحديه لقومه ثم ما كان من نجاته ومن آمنوا معه واستخلافهم في الأرض، وهلاك المكذبين وهم أقوى وأكثر عدداً.
والمناسبة ظاهرة لإيراد هذا القصص بالنسبة لسياق السورة، وبالنسبة لهذه المعاني القريبة قبلها. والقصص في القرآن يجيء في السياق ليؤدي وظيفة فيه ؛ ويتكرر في المواضع المختلفة بأساليب تتفق مع مواضعه من السياق، والحلقات التي تعرض منه في موضع تفي بحاجة ذلك الموضع، وقد يعرض غيرها من القصة الواحدة في موضع آخر، لأن هذا الموضع تناسبه حلقة أخرى من القصة. وسنرى فيما يعرض من قصتي نوح وموسى ويونس هنا وفي طريقة العرض مناسبة ذلك لموقف المشركين في مكة من النبي - [ ص ] - والقلة المؤمنة معه، واعتزاز هذه القلة المؤمنة بإيمانها في وجه الكثرة والقوة والسلطان. كما سنجد المناسبة بين القصص والتعقيبات التي تتخلله وتتلوه.
ويزيد الأمر إيضاحاً بأن الآيات والنذر لا تغني عن الذين لا يؤمنون ؛ لأنهم لا يتدبرونها وهي معروضة أمامهم في السماوات والأرض :
( قل : انظروا ماذا في السماوات والأرض. وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون )
وسواء كان عقب الآية استفهاماً أو تقريراً. فمؤداه واحد. فإن ما في السماوات والأرض حافل بالآيات ؛ ولكن الآيات والنذر لا تفيد الذين لا يؤمنون، لأنهم من قبل لم يلقوا بالا إليها، ولم يتدبروها..
وقبل أن نمضي إلى نهاية الشوط نقف لحظة أمام قوله تعالى :
( قل : انظروا ماذا في السماوات والأرض. وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون )..
إن المخاطبين بهذا القرآن أول مرة، لم يكن لديهم من المعرفة العلمية بما في السماوات والأرض إلا القليل. ولكن الحقيقة الواقعة التي أشرنا إليها مراراً، هي أن بين الفطرة البشرية وبين هذا الكون الذي نعيش فيه لغة خفية غنية ! وأن هذه الفطرة تسمع لهذا الكون - حين تتفتح وتستيقظ - وتسمع منه الكثير !
والمنهج القرآني في تكوين التصور الإسلامي في الإدراك البشري يتكئ على ما في السماوات والأرض، ويستلهم هذا الكون ؛ ويوجه إليه النظر والسمع والقلب والعقل.. وذلك دون أن يخل بطبيعة التناسق والتوازن فيه ؛ ودون أن يجعل من هذا الكون إلهاً يؤثر في الإنسان أثر الله ! كما يجدف بذلك الماديون المطموسون، ويسمون ذلك التجديف مذهبا " علميا " يقيمون عليه نظاماً اجتماعياً يسمونه :" الاشتراكية العلمية " والعلم الصحيح من ذلك التجديف كله بريء !
والنظر إلى ما في السماوات والأرض يمد القلب والعقل بزاد من المشاعر والتأملات ؛ وزاد من الاستجابات والتأثرات ؛ وزاد من سعة الشعور بالوجود ؛ وزاد من التعاطف مع هذا الوجود.. وذلك كله في الطريق إلى امتلاء الكينونة البشرية بالإيقاعات الكونية الموحية بوجود الله، وبجلال الله، وبتدبير الله، وبسلطان الله، وبحكمة الله، وعلم الله...
ويمضي الزمن، وتنمو معارف الإنسان العلمية عن هذا الكون، فإن كان هذا الإنسان مهتدياً بنور الله إلى جوار هذه المعارف العلمية، زادته هذه المعارف من الزاد الذي تحصله الكينونة البشرية من التأمل في هذا الكون، والأنس به، والتعرف عليه، والتجاوب معه، والاشتراك معه في تسبيحه بحمد الله :( وإن من شيء إلا يسبح بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحهم ).. ولا يفقه تسبيح كل شيء بحمد الله إلا الموصول قلبه
باللّه.. وأما إن كانت هذه المعارف العلمية غير مصحوبة ببشاشة الإيمان ونوره، فإنها تقود الأشقياء إلى مزيد من الشقوة، حين تقودهم إلى مزيد من البعد عن الله ؛ والحرمان من بشاشة الإيمان ونوره ورفرفته وريّاه !
( وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون ) !
وماذا تجدي الآيات والنذر إذا استغلقت القلوب، وتجمدت العقول، وتعطلت أجهزة الاستقبال والتلقي في الفطرة ؛ واحتجب الكائن الإنساني بجملته عن هذا الوجود، فلم يسمع إيقاعات حمده وتسبيحه ؟ !
" إن المنهج القرآني في التعريف بحقيقة الألوهية يجعل الكون والحياة معرضاً رائعاً تتجلى فيه هذه الحقيقة.. تتجلى فيه بآثارها الفاعلة، وتملأ بوجودها وحضورها جوانب الكينونة الإنسانية المدركة.. إن هذا المنهج لا يجعل " وجود الله " سبحانه قضية يجادل عنها. فالوجود الإلهي يفعم القلب البشري - من خلال الرؤية القرآنية والمشاهدة الواقعية على السواء - بحيث لا يبقى هنالك مجال للجدل حوله. إنما يتجه المنهج القرآني مباشرة إلى الحديث عن آثار هذا الوجود في الكون كله ؛ وإلى الحديث عن مقتضياته كذلك في الضمير البشري والحياة البشرية.
" والمنهج القرآني في اتباعه لهذه الخطة إنما يعتمد على حقيقة أساسية في التكوين البشري. فالله هو الذي خلق وهو أعلم بمن خلق :( ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ).. والفطرة البشرية بها حاجة ذاتية إلى التدين، وإلى الاعتقاد بإله. بل إنها حين تصح وتستقيم تجد في أعماقها اتجاهاً إلى إله واحد، وإحساساً قوياً بوجود هذا الإله الواحد. ووظيفة العقيدة الصحيحة ليست هي إنشاء هذا الشعور بالحاجة إلى إله والتوجه إليه، فهذا مركوز في الفطرة. ولكن وظيفتها هي تصحيح تصور الإنسان لإلهه، وتعريفه بالإله الحق الذي لا إله غيره. تعريفه بحقيقته وصفاته، لا تعريفه بوجوده وإثباته. ثم تعريفه بمقتضيات الألوهية في حياته - وهي الربوبية والقوامة والحاكمية - والشك في حقيقة الوجود الإلهي أو إنكاره هو بذاته دليل قاطع على اختلال بين في الكينونة البشرية، وعلى تعطل أجهزة الاستقبال والاستجابة الفطرية فيها. وهذا التعطل لا يعالج - إذن - بالجدل. وليس هذا هو طريق العلاج !
" إن هذا الكون، كون مؤمن مسلم، يعرف بارئه ويخضع له، ويسبح بحمده كل شيء فيه وكل حي - عدا بعض الأناسي ! - و " الإنسان " يعيش في هذا الكون الذي تتجاوب جنباته بأصداء الإيمان والإسلام، وأصداء التسبيح والسجود. وذرات كيانه ذاته وخلاياه تشارك في هذه الأصداء ؛ وتخضع في حركتها الطبيعية الفطرية للنواميس التي قدرها الله. فالكائن الذي لا تستشعر فطرته هذه الأصداء كلها ؛ ولا تحس إيقاع النواميس الإلهية فيها هي ذاتها، ولا تلتقط أجهزته الفطرية تلك الموجات الكونية، كائن معطلة فيه أجهزة الاستقبال والاستجابة الفطرية. ومن ثم لا يكون هنالك سبيل إلى قلبه وعقله بالجدل، إنما يكون السبيل إلى علاجه هو محاولة تنبيه أجهزة الاستقبال والاستجابة فيه، واستجاشة كوامن الفطرة في كيانه، لعلها تتحرك، وتأخذ في العمل من جديد ".
ولفت الحس والقلب والعقل للنظر إلى ما في السماوات والأرض، وسيلة من وسائل المنهج القرآني لاستحياء القلب الإنساني ؛ لعله ينبض ويتحرك، ويتلقى ويستجيب.
سبقت الإشارة في هذه السورة إلى القرون الخالية، وما كان من عاقبة تكذيبهم لرسلهم، واستخلاف من بعدهم لاختبارهم :( ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات، وما كانوا ليؤمنوا، كذلك نجزي القوم المجرمين، ثم جعناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون.. )
كما سبقت الإشارة بأن لكل أمة رسولاً فإذا جاءهم رسولهم قضي بينهم بالقسط :( ولكل أمة رسول، فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون ).
فالآن يأخذ السياق في جولة تفصيلية لهاتين الإشارتين، فيسوق طرفاً من قصة نوح مع قومه، وطرفاً من قصة موسى مع فرعون وملئه، تتحقق فيهما عاقبة التكذيب، والقضاء في أمر الأمة بعد مجيء رسولها، وإبلاغها رسالته، وتحذيرها عاقبة المخالفة.
كذلك تجيء إشارة عابرة لقصة يونس الذي آمنت قريته بعد أن كاد يحل بها العذاب، فرفع عنها ونجت منه بالإيمان.. وهي لمسة من ناحية أخرى تزين الإيمان للمكذبين، لعلهم يتقون العذاب الذي ينذرون. ولا تكون عاقبتهم كعاقبة قوم نوح وقوم موسى المهلكين.
وقد انتهى الدرس الماضي بتكليف الرسول - [ ص ] - أن يعلن عاقبة الذين يفترون على اللّه الكذب وينسبون إليه شركاء :( قل إن الذين يفترون على اللّه الكذب لا يفلحون، متاع في الدنيا، ثم إلينا مرجعهم، ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون ). وذلك بعد تطمين الرسول :( ولا يحزنك قولهم. إن العزة للّه جميعاً ) وبأن أولياء اللّه لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
واستمر السياق بتكليف جديد : أن يقص عليهم - [ ص ] - نبأ نوح فيما يختص بتحديه لقومه ثم ما كان من نجاته ومن آمنوا معه واستخلافهم في الأرض، وهلاك المكذبين وهم أقوى وأكثر عدداً.
والمناسبة ظاهرة لإيراد هذا القصص بالنسبة لسياق السورة، وبالنسبة لهذه المعاني القريبة قبلها. والقصص في القرآن يجيء في السياق ليؤدي وظيفة فيه ؛ ويتكرر في المواضع المختلفة بأساليب تتفق مع مواضعه من السياق، والحلقات التي تعرض منه في موضع تفي بحاجة ذلك الموضع، وقد يعرض غيرها من القصة الواحدة في موضع آخر، لأن هذا الموضع تناسبه حلقة أخرى من القصة. وسنرى فيما يعرض من قصتي نوح وموسى ويونس هنا وفي طريقة العرض مناسبة ذلك لموقف المشركين في مكة من النبي - [ ص ] - والقلة المؤمنة معه، واعتزاز هذه القلة المؤمنة بإيمانها في وجه الكثرة والقوة والسلطان. كما سنجد المناسبة بين القصص والتعقيبات التي تتخلله وتتلوه.
ويزيد الأمر إيضاحاً بأن الآيات والنذر لا تغني عن الذين لا يؤمنون ؛ لأنهم لا يتدبرونها وهي معروضة أمامهم في السماوات والأرض :
( قل : انظروا ماذا في السماوات والأرض. وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون )
وسواء كان عقب الآية استفهاماً أو تقريراً. فمؤداه واحد. فإن ما في السماوات والأرض حافل بالآيات ؛ ولكن الآيات والنذر لا تفيد الذين لا يؤمنون، لأنهم من قبل لم يلقوا بالا إليها، ولم يتدبروها..
وقبل أن نمضي إلى نهاية الشوط نقف لحظة أمام قوله تعالى :
( قل : انظروا ماذا في السماوات والأرض. وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون )..
إن المخاطبين بهذا القرآن أول مرة، لم يكن لديهم من المعرفة العلمية بما في السماوات والأرض إلا القليل. ولكن الحقيقة الواقعة التي أشرنا إليها مراراً، هي أن بين الفطرة البشرية وبين هذا الكون الذي نعيش فيه لغة خفية غنية ! وأن هذه الفطرة تسمع لهذا الكون - حين تتفتح وتستيقظ - وتسمع منه الكثير !
والمنهج القرآني في تكوين التصور الإسلامي في الإدراك البشري يتكئ على ما في السماوات والأرض، ويستلهم هذا الكون ؛ ويوجه إليه النظر والسمع والقلب والعقل.. وذلك دون أن يخل بطبيعة التناسق والتوازن فيه ؛ ودون أن يجعل من هذا الكون إلهاً يؤثر في الإنسان أثر الله ! كما يجدف بذلك الماديون المطموسون، ويسمون ذلك التجديف مذهبا " علميا " يقيمون عليه نظاماً اجتماعياً يسمونه :" الاشتراكية العلمية " والعلم الصحيح من ذلك التجديف كله بريء !
والنظر إلى ما في السماوات والأرض يمد القلب والعقل بزاد من المشاعر والتأملات ؛ وزاد من الاستجابات والتأثرات ؛ وزاد من سعة الشعور بالوجود ؛ وزاد من التعاطف مع هذا الوجود.. وذلك كله في الطريق إلى امتلاء الكينونة البشرية بالإيقاعات الكونية الموحية بوجود الله، وبجلال الله، وبتدبير الله، وبسلطان الله، وبحكمة الله، وعلم الله...
ويمضي الزمن، وتنمو معارف الإنسان العلمية عن هذا الكون، فإن كان هذا الإنسان مهتدياً بنور الله إلى جوار هذه المعارف العلمية، زادته هذه المعارف من الزاد الذي تحصله الكينونة البشرية من التأمل في هذا الكون، والأنس به، والتعرف عليه، والتجاوب معه، والاشتراك معه في تسبيحه بحمد الله :( وإن من شيء إلا يسبح بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحهم ).. ولا يفقه تسبيح كل شيء بحمد الله إلا الموصول قلبه
باللّه.. وأما إن كانت هذه المعارف العلمية غير مصحوبة ببشاشة الإيمان ونوره، فإنها تقود الأشقياء إلى مزيد من الشقوة، حين تقودهم إلى مزيد من البعد عن الله ؛ والحرمان من بشاشة الإيمان ونوره ورفرفته وريّاه !
( وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون ) !
وماذا تجدي الآيات والنذر إذا استغلقت القلوب، وتجمدت العقول، وتعطلت أجهزة الاستقبال والتلقي في الفطرة ؛ واحتجب الكائن الإنساني بجملته عن هذا الوجود، فلم يسمع إيقاعات حمده وتسبيحه ؟ !
" إن المنهج القرآني في التعريف بحقيقة الألوهية يجعل الكون والحياة معرضاً رائعاً تتجلى فيه هذه الحقيقة.. تتجلى فيه بآثارها الفاعلة، وتملأ بوجودها وحضورها جوانب الكينونة الإنسانية المدركة.. إن هذا المنهج لا يجعل " وجود الله " سبحانه قضية يجادل عنها. فالوجود الإلهي يفعم القلب البشري - من خلال الرؤية القرآنية والمشاهدة الواقعية على السواء - بحيث لا يبقى هنالك مجال للجدل حوله. إنما يتجه المنهج القرآني مباشرة إلى الحديث عن آثار هذا الوجود في الكون كله ؛ وإلى الحديث عن مقتضياته كذلك في الضمير البشري والحياة البشرية.
" والمنهج القرآني في اتباعه لهذه الخطة إنما يعتمد على حقيقة أساسية في التكوين البشري. فالله هو الذي خلق وهو أعلم بمن خلق :( ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ).. والفطرة البشرية بها حاجة ذاتية إلى التدين، وإلى الاعتقاد بإله. بل إنها حين تصح وتستقيم تجد في أعماقها اتجاهاً إلى إله واحد، وإحساساً قوياً بوجود هذا الإله الواحد. ووظيفة العقيدة الصحيحة ليست هي إنشاء هذا الشعور بالحاجة إلى إله والتوجه إليه، فهذا مركوز في الفطرة. ولكن وظيفتها هي تصحيح تصور الإنسان لإلهه، وتعريفه بالإله الحق الذي لا إله غيره. تعريفه بحقيقته وصفاته، لا تعريفه بوجوده وإثباته. ثم تعريفه بمقتضيات الألوهية في حياته - وهي الربوبية والقوامة والحاكمية - والشك في حقيقة الوجود الإلهي أو إنكاره هو بذاته دليل قاطع على اختلال بين في الكينونة البشرية، وعلى تعطل أجهزة الاستقبال والاستجابة الفطرية فيها. وهذا التعطل لا يعالج - إذن - بالجدل. وليس هذا هو طريق العلاج !
" إن هذا الكون، كون مؤمن مسلم، يعرف بارئه ويخضع له، ويسبح بحمده كل شيء فيه وكل حي - عدا بعض الأناسي ! - و " الإنسان " يعيش في هذا الكون الذي تتجاوب جنباته بأصداء الإيمان والإسلام، وأصداء التسبيح والسجود. وذرات كيانه ذاته وخلاياه تشارك في هذه الأصداء ؛ وتخضع في حركتها الطبيعية الفطرية للنواميس التي قدرها الله. فالكائن الذي لا تستشعر فطرته هذه الأصداء كلها ؛ ولا تحس إيقاع النواميس الإلهية فيها هي ذاتها، ولا تلتقط أجهزته الفطرية تلك الموجات الكونية، كائن معطلة فيه أجهزة الاستقبال والاستجابة الفطرية. ومن ثم لا يكون هنالك سبيل إلى قلبه وعقله بالجدل، إنما يكون السبيل إلى علاجه هو محاولة تنبيه أجهزة الاستقبال والاستجابة فيه، واستجاشة كوامن الفطرة في كيانه، لعلها تتحرك، وتأخذ في العمل من جديد ".
ولفت الحس والقلب والعقل للنظر إلى ما في السماوات والأرض، وسيلة من وسائل المنهج القرآني لاستحياء القلب الإنساني ؛ لعله ينبض ويتحرك، ويتلقى ويستجيب.