قوله تعالى : وَإِن يَمْسَسْكَ الله بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ الآية.
قوله :" وَإِنْ يَمْسَسْكَ " قد تقدَّم ما في ذلك من صناعة البديع في سورة الأنعام [ الأنعام : ١٧ ]. وقال هنا في جواب الشَّرط الأول بنفي عام، وإيجاب، وفي جواب الثاني بنفي عام دون إيجاب ؛ لأنَّ ما أرادَه لا يردُّه رادٌّ، لا هو ولا غيره، لأنَّ إرادتهُ قديمةٌ لا تتغيَّرُ، فلذلك لم يجئ التَّركيب فلا رادَّ لهُ إلاَّ هو، هذه عبارةُ أبي حيَّان، وفيها نظرٌ، وكأنَّهُ يقولُ بخلاف الكَشْفِ فإنه هو الفاعلُ لذلك وحدهُ دون غيره بخلاف إرادته تعالى، فإنَّهُ لا يتصوَّر فيها الوقوعُ على خلافها، وهي مسألةٌ خلافيَّةٌ بين أهل السُّنَّةِ والاعتزال.
قال الزمخشريُّ١ : فإن قلت : لم ذُكر المسُّ في أحدهما والإرادةُ في الثاني ؟ قلت : كأنَّه أراد أن يذكر الأمرين جميعاً : الإرادة والإصابة في كُلِّ واحدٍ من الضُّر والخَيْر، وأنَّه لا رادَّ لما يريده منهما، ولا مُزيلَ لِمَا يُصيب به منهما، فأوجز الكلام بأن ذكر المسَّ وهو الإصابةُ في أحدهما، والإرادة في الآخر ليدُلَّ بما ذكر على ما ترك، على أنَّه قد ذكر الإصابة في الخير في قوله : يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ [ يونس : ١٠٧ ].
فصل
اعلم أنَّ الشيء إمَّا أن يكون ضارّاً، وإمَّا أن يكون نافعاً، وهذان القسمان مشتركان في اسم الخير، ولمَّا كان الضر أمراً وجودياً، والخير قد يكون أمراً عدميّاً، لا جرم لم يذكر لفظ الإمساس فيه بل قال : وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ والآية دالَّة على أنَّ الضرَّ والخيْر واقعان بقدرةِ الله وبقضائه، فيدخل فيه الكفر، والإيمان، والطاعةُ، والمعصيةُ، والسرورُ والخيراتُ والآلامُ واللَّذاتُ.
ومعنى الآية : إن يُصبْكَ الله بضرٍّ أي : بشدَّة، وبلاء فلا دافع لهُ إلاَّ هُوَ، وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ رخاء ونعمة وسعة فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ لا دافع لرزقه، يُصَيبُ بِهِ بكل واحدٍ من الضر والخير مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الغفور الرحيم .
قال الواحديُّ٢ : قوله : وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ من المقلوب، معناه : وإن يرد بك الخَيْرَ، ولكنَّه لمَّا تعلَّق كل واحد منهما بالإرادةِ جاز تقديم كل واحد منهما.
قال المفسِّرون : لمَّا بيَّن تعالى في الآية الأولى أنَّ الأصنامَ لا تضرّ ولا تنفعُ بيَّن في هذه الآية أنَّها لا تقدر على دفع الشَّر الواصل من الغير، ولا على دفع الخير الواصل من الغير.
٢ ينظر: تفسير الفخر الرازي ١٧/١٤٠..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود