وجملة وَإِن يَمْسَسْكَ الله بِضرّ إلى آخرها مقرّرة لمضمون ما قبلها. والمعنى : أن الله سبحانه هو الضار النافع. فإن أنزل بعبده ضراً لم يستطع أحد أن يكشفه كائناً من كان، بل هو المختص بكشفه كما اختصّ بإنزاله وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ أيّ : خير كان لم يستطع أحد أن يدفعه عنك، ويحول بينك وبينه كائناً من كان، وعبر بالفضل مكان الخير للإرشاد إلى أنه يتفضل على عباده بما لا يستحقونه بأعمالهم. قال الواحدي : إن قوله : وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ هو من القلب، وأصله وإن يرد بك الخير، ولكن لما تعلق كل واحد منهما بالآخر جاز أن يكون كل واحد منهما مكان الآخر. قال النيسابوري : وفي تخصيص الإرادة بجانب الخير، والمسّ بجانب الشرّ دليل على أن الخير يصدر عنه سبحانه بالذات، والشرّ بالعرض. قلت : وفي هذا نظر، فإن المسّ هو أمر وراء الإرادة، فهو مستلزم لها، والضمير في " يصيب به " راجع إلى " فضله " : أي يصيب بفضله من يشاء من عباده. وجملة : وَهُوَ الغفور الرحيم تذييلية.
وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن الربيع في الآية قال : خوّفهم عذابه ونقمته وعقوبته، ثم أخبرهم أنه إذا وقع من ذلك أمر نجى الله رسله والذين آمنوا، فقال : ثُمَّ نُنَجّي رُسُلَنَا والذين آمَنُواْ الآية. وأخرج أبو الشيخ، عن السديّ، في قوله : وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ يقول : بعافية. وأخرج البيهقي في الشعب، عن عامر بن قيس، قال : ثلاث آيات في كتاب الله اكتفيت بهنّ عن جميع الخلائق : أوّلهنّ : وَإِن يَمْسَسْكَ الله بِضُرّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَادّ لِفَضْلِهِ ، والثانية : مَّا يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ ، والثالثة : وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأرض إِلاَّ عَلَى الله رِزْقُهَا . وأخرج أبو الشيخ، عن الحسن، نحوه. وأخرج أبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله : فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ قال : هو الحق المذكور في قوله : قَدْ جَاءكُمُ الحق مِن رَّبّكُمْ . وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، في قوله : واصبر حتى يَحْكُمَ الله قال : هذا منسوخ، أمره بجهادهم والغلظة عليهم.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني