ولما تعجب الكفار من بعث الرسول منهم، وكفروا به، استعجلوا ما خوفهم به من العذاب، فأنزل الله جوابا لهم :
وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ
قلت :( استعجالهم ) : نصب على المصدر، أي : استعجالاً مثل استعجالهم بالخير. قال البيضاوي : وضع موضع تعجيله لهم بالخير إشعاراً بسرعة إجابته لهم في الخير، حتى كأن استعجالهم به تعجيل لهم. ه. ( فَنَذَرَ ) : عطف على فعل محذوف دلت عليه الشرطية، كأنه قيل : ولكن لا نعجل ولا نقضي بل نمهلهم فنذر. . الخ.
يقول الحق جل جلاله : ولو يعجلُ الله الناس الشرَّ حيث يطلبونه، كقولهم : فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَآءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [ الأنفال : ٣٢ ] ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ [ الأعراف : ٧٧ ] استعجالهم بالخير ؛ كما يعجل الله لهم الخير حين يسألونه لقُضِيَ إليهم أجلُهُم أي : لأميتوا وأهلكوا من ساعتهم، وقرأ ابن عباس ويعقوب :" لَقَضى " بالبناء للفاعل، أي : لقضى الله إليهم أجلهم، ولكن من حلمه الله تعالى وكرمه يُمهلهم إلى تمام أجلهم، فَنذَرُ الذين لا يرجون لقاءنا استدراجاً وإمهالاً في طغيانهم يعمهون : يتحيرون. والعمه : الخبط في الضلال، وهذا التفسير أليق بمناسبة الكلام، وقيل : نزلت في دعاء الإنسان على نفسه وماله بالشر، أي : لو عجل اللهُ للناس الشر كما يحبون تعجيل الخير لهلكوا سريعاً، فهو كقوله : وَيَدْعُ الإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَآءَهُ بِالْخَيْرِ [ الإسراء : ١١ ] ويكون قوله : فنذر. . . الخ استئنافاً. والله تعالى أعلم.
الإشارة : من حلمه تعالى وسعة جوده أنه لا يعامل عبده بما يستحقه من العقاب، ولا يعاجله بما يطلبه إن لم يكن فيه سداد وصواب، حُكي أن رجلاً قال لبعض الأنبياء عليهم السلام : قل لربي : كم أعصيه وأخالفه ولم يعاقبني، فأوحى الله إلى ذلك النبي : ليعلم أني أنا وأنت أنت. ه. بل من عظيم كرمه تعالى أنه قد يعامل السائرين بعكس ما يستحقونه في جانب المخالفة ؛ فقد تهوى بهم أنفسهم إلى مقام الخفض فيرتفعون، وإلى مقام البُعد فيقتربون، وهذا في قوم سبقت لهم العناية، فلم تضرهم الجناية، وحفت بهم الرعاية، فلم تستهوهم الغواية، إذا صدرت منهم المخالفة ندموا وانكسروا. والغالب فيمن كانت تحت جناح الأولياء الكبار أن يسلك به هذا المسلك العظيم وما ذلك على الله بعزيز.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي