قوله :" ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ " أي : خلفاء " فِي الأرض مِن بَعْدِهِم " أي : من بعد القرون التي أهلكناهم، وهذا خطابٌ للذين بعث إليهم محمد صلى الله عليه وسلم.
قوله :" لِنَنظُرَ " متعلق بالجعل، وقرأ يحيى١ الذماري بنون واحدة، وتشديد الظَّاء، وقال يحيى :" هكذا رأيتُه في مصحف عثمان "، يعني : أنَّه رآها بنُون واحدة، ولا يعني أنَّهُ رآها مشددة ؛ لأنَّ هذا الشَّكل الخاصَّ إنَّما حدث بعد عثمان، وخرجوها على إدغامِ النُّونِ الثانية في الظَّاء، وهو رَدِيءٌ جداً، وأحسنُ ما يقال هنا : إنَّه بالغ في إخفاءِ غُنَّة النُّون السَّاكنة، فظنَّه السَّامع إدغاماً، ورؤيته له بنُونٍ واحدةٍ، لا يدلُّ على قراءته إيَّاه مشددة الظَّاءِ، ولا مُخَفَّفها.
قال أبو حيان٢ :" ولا يدلُّ على حذف النُّون من اللفظِ " وفيه نظرٌ ؛ لأنه كيف يقرأ ما لم يكن مكتوباً في المصحف الذي رآه ؟ وقوله :" كَيْفَ " منصوبٌ ب " تَعْملُون " على المصدر، أي : أيَّ عملٍ تعملُون، وهي معلِّقة للنَّظر.
فإن قيل : كيف جاز النَّظرُ إلى الله تعالى وفيه معنى المقابلة ؟
فالجواب : أنَّه استعير لفظُ النظرِ للعلم الحقيقيِّ، الذي لا يتطرَّقُ إليه الشَّكُّ، وشبه هذا العلم بنظرِ النظر، وعيان العاين.
فإن قيل : قوله :" لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ " مُشْعرٌ بأنَّ الله - تعالى - ما كان عالماً بأحوالهم قبل وجودهم.
فالجواب : أنَّه - تعالى - يعامل العباد معاملة من يطلب العلم بما يكون منهم ؛ ليُجازيهُم بجنسه، كقوله : لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [ هود : ٧ ]، قال - عليه الصلاة والسلام - :" إنَّ الدُّنْيَا خضرةٌ حُلوةٌ وإنَّ الله مُستخْلفُكُمْ فيهَا فنَاظِرٌ كيف تعمَلُون " ٣، قال الزجاج :" موضع " كيف " نصب بقوله :" تَعْمَلُون " ؛ لأنَّها حرف استفهام، والاستفهام لا يعمل فيه ما قبله ".
٢ ينظر: البحر المحيط ٥/١٣٥..
٣ أخرجه مسلم (٤/٢٠٩٨) كتاب الذكر والدعاء: باب أكثر أهل الجنة الفقراء حديث (٩٩/٢٧٤٢) وأحمد (٣/٤٦) والترمذي (٤/٤١٩) حديث (٢١٩١) وابن ماجه (٤٠٠٠) من طرق عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري.
وأخرجه البخاري (٣/٣٩٣) كتاب الزكاة: باب الاستعفاف عن المسألة حديث (١٤٧٢) من حديث حكيم بن حزام.
وأخرجه أبو يعلى (١١/٤٨٧) رقم (٦٦٠٦) من حديث أبي هريرة وقال الهيثمي (٣/١٠٢) وفيه داود بن العطار وفيه كلام.
وأخرجه أبو يعلى (١٣/١٩) رقم (٧٠٩٩) والطبراني في" "الكير" (٢٤/٢٤) رقم (٥٨) من حديث ميمونة.
وقال الهيثمي (١٠/٢٤٩- ٢٥٠): وفيه المثنى بن الصباح وهو ضعيف..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود