ﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳ

وبطلان الشرك في الربوبية، بادعاء وساطة المعبود في الخلق والتدبير، أو الشفاعة عند الله.
الأصل في الناس جميعا كونهم على الدين الحق
[سورة يونس (١٠) : آية ١٩]
وَما كانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٩)
المفردات اللغوية:
أُمَّةً واحِدَةً أي على دين واحد وهو دين الإسلام من لدن آدم إلى نوح، أو من عهد إبراهيم إلى عمرو بن لحيّ الذي سنّ للعرب عبادة الأصنام فَاخْتَلَفُوا بأن ثبت بعض وكفر بعض وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ بتأخير الحكم بينهم أو تأخير الجزاء والعذاب الفاصل إلى يوم القيامة لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ أي بين الناس عاجلا في الدنيا فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ من الدين بإهلاك المبطلين وهم الكافرون، وإبقاء المحقين وهم المؤمنون.
المناسبة:
بعد أن أقام الله تعالى الأدلة على بطلان عبادة الأصنام، بيّن سبب حدوث هذا المذهب الفاسد، وأن هذا الشرك حادث في الناس بسبب الاختلاف أي اتباع الهوى والباطل، بعد أن لم يكن، وأن الناس كلهم كانوا على دين واحد هو الدين الحق وهو دين الإسلام.
قال ابن عباس: كان بين آدم ونوح عشرة قرون، كلهم على الإسلام، ثم وقع الاختلاف بين الناس، وعبدت الأصنام والأنداد والأوثان، فبعث الله الرسل بآياته وبيناته وحججه البالغة وبراهينه الدامغة لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ، وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ [الأنفال ٨/ ٤٢].

صفحة رقم 135

التفسير والبيان:
ما كان الناس في كل زمن إلا أمة واحدة على الفطرة النقية المؤمنة بالله تعالى وحده لا شريك له، أي فطرة الإسلام والتوحيد. ثم اختلفوا بعدئذ في الأديان باتباع الأهواء والأباطيل، أو عند بعثة الرسل فتبعتهم طائفة وأصرّت أخرى على الضلال. ونظير هذه الآية قوله تعالى: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً، فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ [البقرة ٢/ ٢١٣] ويؤيده
قوله صلى الله عليه وسلّم: «كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجّسانه» «١».
فكل الناس كانوا جميعا على الدين الحق وهو دين الإسلام، ثم اختلفوا فبعث الله الأنبياء والمرسلين لهدايتهم وإزالة الاختلاف بكتاب الله، فمنهم من آمن واهتدى، ومنهم من ضل واعتدى، ثم اختلفوا في كتاب الله اتباعا لأهوائهم.
وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ، أي ولولا ما تقدم من الله تعالى من كلمة حق في جعل الجزاء الفاصل بين الناس يوم القيامة فإنه يوم الفصل والجزاء، لعجّل لهم العذاب في الدنيا بإهلاك المبطلين، وتعذيب العصاة بسبب اختلافهم، ولقضي بينهم فيما اختلفوا فيه: إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [يونس ١٠/ ٩٣].
وفي هذا وعيد على الاختلاف في أصول الاعتقاد وفي الكتاب الذي أنزل لإعادة الناس إلى الوحدة الأولى وإزالة الشقاق بينهم. كما أن فيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلّم في تأخير العذاب عمن كفر به، وبيانا لطبع الإنسان.

(١) رواه أبو يعلى والطبراني والبيهقي عن الأسود بن سريع، وهو حديث صحيح. [.....]

صفحة رقم 136

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية