ﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲ

أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ الاستفهام للتعجيب، من عجب الكفار واستنكار إنكارهم للوحي إلى رجل من جنسهم. والوحي الإعلام الخفي الخاص لامرئ بما يخفى على غيره، أي أكان إيحاؤنا إلى رجل من الناس أمرا نكرا اتخذوه أعجوبة بينهم يتفكهون باستغرابها ؟ كأن مشاركتهم له في البشرية يمنع اختصاص الله إياه بما شاء من العلم. والمراد بالناس كفار مكة ومن تبعهم في إنكار نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وعبر عنهم بالناس لأن هذه الشبهة على الرسالة قد سبقتهم إليها أقوام الأنبياء قبله، كما تقدم في قصة نوح وهود من سورة الأعراف أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ [ الأعراف : ٦٢، ٦٨ ]، وهذا المعنى مكرر في القرآن، وقد دحضنا هذه الشبهة في آخر تفسير سورة الأنعام.
أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ " أن " هذه مفسِّرَة لما قبلها، والإنذار الإعلام بالتوحيد والبعث وسائر مقاصد الدين المقترن بالتخويف من عاقبة الكفر والمعاصي، أي أوحينا إليه بأن أنذر الناس.
وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ التبشير مقابل الإنذار، أي الإعلام المقترن بالبشارة بحسن الجزاء على الإيمان والعمل الصالح. والمعنى وبشر الذين آمنوا منهم خاصة بأن لهم قدم صدق عند ربهم يجزيهم به في الآخرة. والصدق في أصل اللغة ضد الكذب، ثم أطلق على الإيمان وصدق النية والوفاء وسائر مواقف الفضائل، ومنه في التنزيل : مقعد صدق، ومدخل صدق، ومخرج صدق، وقدم صدق. والقدم ههنا السابقة والتقدم. قال البيضاوي : سابقة ومنزلة رفيعة، سميت قدما لأن السبق بها، كما سميت النعمة يدا ؛ لأنها تعطى باليد، وإضافتها إلى الصدق لتحققها، والتنبيه على أنهم إنما ينالونها بصدق القول والنية.
قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ قرأ ابن كثير والكوفيون " لساحر " يعنون النبي صلى الله عليه وسلم، والباقون " لسحر " ويعنون به القرآن، وكل من القولين قد قالوا، وكل من القولين يشير إلى إثبات رسالته صلى الله عليه وسلم. فإن قولهم : إن القرآن سحر جاء به ساحر يتضمن اعترافهم بأنهما فوق المعهود والمعلوم للبشر في عالم الأسباب المقدورة لهم. وتأكيد قولهم بالجملة الاسمية و( إن ) واللام وبوصف السحر أو الساحر بالمبين الظاهر يفيد الحصر، كقول الوليد إن هذا إلا سحر مؤثر [ المدثر : ٢٤ ] يعنى القرآن. وسموه سحرا لأنه خارق للعادة بقوة تأثيره في القلوب، وجذبه للنفوس إلى الإيمان، وحملها على احتقار الحياة ولذاتها في سبيل الله، حتى إنه يفرق بين المرء و أخيه، وأمه وأبيه، وزوجه وبنيه، وفصيلته التي تؤويه، وتمنعه وتحميه. وإنما السحر ما كان بأسباب خفية خاصة ببعض الناس يتعلمها بعضهم من بعض، وهي إما حيل وشعوذة، وإما خواص طبيعية علمية مجهولة للجماهير، وإما تأثير قوى النفس وتوجيه الإرادة، وكلها من الأمور المشتركة بين الكثيرين من العارفين بها، وقد استبان لعامة العرب ثم لغيرهم من شعوب العجم أن القرآن ليس بسحر يؤثر بالتعليم والصناعة، بل هو مجموعة علوم عالية في العقائد والآداب والتشريع ولاجتماع مرقية للعقول، مزكية للأنفس، مصلحة للناس، وأنه معجز للبشر في أسلوبه ونظمه ومعانيه وهدايته وتشريعه وإخباره بالغيب، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم مبلغ له، ولم يكن ليقدر على شيء منه، وقد عجز عنه غيره، فثبت أنه نبي الله ورسوله، وأن ما جاء به وحي منه تعالى.
وقد بينا حقيقة الوحي لغة وشرعا، وإثباته لنبينا صلى الله عليه وسلم في مواضع : منها ما في بحث دلالة القرآن على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وهو في ( ج ١ تفسير )، ومنها تفسير إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح [ النساء : ١٦٣ ] الآية، وهو في ( ج ٦ تفسير )، ومنها رد شبهات الكفار عليه في سورة الأنعام ( ج ٧ تفسير )، ومنها في خلاصتها ( ج ٨ )، ومنها تحقيق القول في مسألة الكلام الإلهي بمناسبة تكليم الله لموسى عليه السلام ( ج ٩ )، وبقي علينا بسط القول في نبوة محمد مع مثبتي الوحي ونفاته، وشبهة النفاة لعالم الغيب عليها، وتصويرهم للوحي إليه بغير صورته، فنعقد له الفصل التالي :

فصل في إقامة الحجج


على مثبتي الوحي ونفاته في إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم
الكلام في الوحي لمحمد صلى الله عليه وسلم مع مثبتي الوحي.
أما الفريق الأول فهم أهل الكتاب، وأن من اطلع على كتبهم المقدسة المعبر عنها بكتب العهدين العتيق والجديد وعلى القرآن وكتب السنة والسيرة المحمدية علم علما عقليا وجدانيا أنه لا يستطيع أحد أن يؤمن إيمانا علميا بأن تلك الكتب وحي من الله، وأن الذين كتبوها أنبياء معصومون فيما كتبوه، ثم لا يؤمن بأن القرآن وحي من الله وأن محمدا نبي معصوم فيما بلغه عن الله تعالى، كما لا يستطيع فقيه أن ينكر فقه أبي حنيفة والشافعي، ولا نحوي أي يجحد نحو سيبويه وابن جني، ولا شاعر أن ينفي شاعرية الرضي والبحتري، بل كما لا يستطيع بصير أن يكابر حسه فيفضل نور القمر والكوكب على ضوء الشمس، أو نور السراج على نور النهار، ولله در البوصيري حيث قال :
الله أكبر إن دين محمد ***وكتابه أقوى وأقوم قيلا
لا تذكروا الكتب السوالف عنده***طلع الصباح فاطفىء القنديلا
وقد صرح بهذا المعنى علماء الإفرنج الذين نشؤوا في النصرانية وأحاطوا بها علما وخبرا، ثم عرفوا الإسلام معرفة صحيحة ولو غير تامة. وهاك شهادة حديثة لعالم مستشرق منهم.
كتب الأستاذ أدوار مونتيه المستشرق مدرس اللغات الشرقية في مدرسة جنيف الجامعة في مقدمة ترجمته الفرنسية للقرآن ما ترجمته بالعربية :
" كان محمد نبيا صادقا كما كان أنبياء بني إسرائيل في القديم، كان مثلهم يؤتى رؤيا ويوحى إليه، وكانت العقيدة الدينية وفكرة وجود الألوهية متمكنتين، كما كانتا متمكنتين في أولئك الأنبياء أسلافه، فتحدث فيه كما كانت تحدث ذلك الإلهام النفسي، وهذا التضاعف في الشخصية اللذين يحدثان في العقل البشري المرائي والتجليات والوحي والأحوال الروحية التي من بابها " اه.
فهذا العالم الأوروبي المستقل الفكر يقول : إن كل ما كان به أنبياء بني إسرائيل أنبياء كان ثابتا لمحمد، ونحن نقول إن جميع خصائص النبوة التي كانت فيه هي أكمل شكلا وموضوعا، وأصح رواية، وأبعد عن الشبهات كما سنوضحه، وأما ما فسر به هذه الخصائص، فهو التعليل الذي يعلل به الماديون الوحي المطلق، وسنتكلم عليه في القسم الثاني من هذا الفصل.
وقد لخص هذا العالم خبر نزول الوحي على محمد صلى الله عليه وسلم من كتب إسلامية مذعنا لصحة روايتها، وفصلها بعده العالم المستشرق الفرنسي إميل درمنغام١ في كتابه ( حياة محمد ) مذعنا لصحة الرواية ولموضوعها، مفصلا لتأثير نبوته في إصلاح البشر، متمنيا الاتفاق بين المسلمين والنصارى، آسفا للشقاق بنيهم.
وإننا ننقل هنا تعريف الوحي والنبوة والآيات ( العجائب ) عن أحد علماء الإفرنج الجامعين بين العلوم العصرية والدينية والتواريخ، وهو الدكتور جورج بوست الشهير، مؤلف كتاب ( قاموس الكتاب المقدس ) بالعربية، ليبني عليها الباحث المستقل العقل حُكْمَه في نبوة أنبياء بني إسرائيل ووحيهم، ونبوة محمد رسول الله وخاتم النبيين والوحي الذي أنزل عليه.
تعريف الوحي عندهم.
جاء في تفسير " وحي " من قاموس الكتاب المقدس ما نصه - مع حذف رموز الشواهد- :" تستعمل هذه اللفظة للدلالة على نبوة خاصة بمدينة أو شعب، وجاء في ( حز ١٢ : ١ ) :" هذا الوحي هو الرئيس ". أي إنه آية للشعب. وعلى العموم يراد بالوحي الإلهام. وعلى ذلك يقال :" إن كل الكتاب هو موحى به من الله "، والوحي -بهذا المعنى- هو حلول روح الله في روح الكتاب الملهمين وذلك على أنواع :
١ إفادتهم بحقائق روحية أو حوادث مستقبلة لم يكن يمكنهم التوصل إليها إلا به.
٢ إرشادهم إلى تأليف حوادث معروفة أو حقائق مقررة والتفوه بها شفاها أو تدوينها كتابة بحيث يعصمون من الخطأ. فيقال :" تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس "، وهنا لا يفقد المتكلم أو الكتاب شيئا من شخصيته، وإنما يؤثر فيه الروح الإلهي بحيث يستعمل ما عنده من القوى والصفات وفق إرشاده تعالى. ولهذا نرى في كل مؤلف من الكتاب الكرام ما امتاز به من المواهب الطبيعية نمط التأليف وما شابه ذلك وفي شرح هذا التعليم دقة. وقد اختلف العلماء فيما أوردوه من شرحه، غير أن جميع المسيحيين يتفقون على أن الله قد أوحى لأولئك الكتاب ليدونوا إرادته ويفيدوا الإنسان ما يجب عليه من الإيمان والعمل لكي ينال الخلاص الأبدي " اه.
تعريف النبوة والأنبياء عندهم.
وجاء في تفسير " نبي أنبياء نبوة " منه ما نصه :
" النبوة لفظة تفيد معنى الإخبار عن الله وعن الأمور الدينية، ولاسيما عما سيحدث فيما بعد. وسمي هارون نبيا لأنه كان المخبر والمتكلم عن موسى نظرا لفصاحته. أما أنبياء العهد القديم فكانوا ينادون بالشريعة الموسوية، وينبئون بمجيء المسيح. ولما قلت رغبة الكهنة، وقل اهتمامهم بالتعليم والعلم في أيام صموئيل، أقام مدرسة في الرامة وأطلق على تلامذتها اسم بني الأنبياء، فاشتهر من ثم صموئيل بإحياء الشريعة، وقرن اسمه باسم موسى وهارون في مواضع كثيرة من الكتاب، وتأسست أيضا مدارس أخرى للأنبياء في بيت إيل وأريحا والجلجال وأماكن أخرى. وكان رئيس المدرسة النبوية يدعى أبا أو سيدا، وكان يعلم في هذه المدارس تفسير التوراة والموسيقى والشعر، ولذلك كان الأنبياء شعراء، وأغلبهم كانوا يرنمون، ويلعبون على آلات الطرب. وكانت الغاية من هذه المدارس أن يرشح الطلبة فيها لتعليم الشعب. أما معيشة الأنبياء وبني الأنبياء فكانت ساذجة للغاية، وكثير منهم كانوا متنسكين أو طوافين يضافون عند الأتقياء ".
" ويظهر أن كثيرين من الذين تعلموا في تلك المدارس لم يعطوا قوة على الإنباء بما سيأتي، إنما اختص بهذه الخصوصية أناس منهم كان الله يقيمهم وقتا دون آخر حسب مشيئته، ويعدهم بتربية فوق العادة لواجباتهم الخطيرة. على أن بعض الأنبياء الملهمين كان يختصهم الله بوحيه ولم يتعلموا من قبل، ولا دخلوا تلك المدارس كعاموس مثلا ؛ فإنه كان راعيا وجاني جميز. أما النبوة فكانت على أنواع مختلفة كالأحلام والرؤى والتبليغ. وأحيانا كثيرة كان الأنبياء يرون الأمور المستقبلة بدون تمييز أزمنتها، فكانت تقترن في رؤاهم الحوادث القريبة العهد مع البعيدة، كاقتران نجاة اليهود من الأشوريين بخلاص العالم بواسطة المسيح، وكانتصار إسكندر ذي القرنين بإتيان المسيح، وكاقتران انسكاب الروح القدس يوم الخميس بيوم الحشر. ومن هذا القبيل اقتران خراب أورشليم بحوادث يوم الدينونة ".
" وقد أرسل الله الأنبياء الملهمين ليعلنوا مشيئته، وليصلحوا الشؤون الدينية، وعلى الأخص ليخبروا بالمسيح الآتي لتخليص العالم. وكانوا القوة العظيمة الفعالة في تعليم الشعب، وتنبيههم، وإرشادهم إلى سبيل الحق. وكان لهم دخل عظيم في الأمور السياسية " اه بنصه.
ما يُرد على نبوتهم من تعريفها.
أما تفسيره الإله
١ يكتب هذا الاسم في مجلة السياسة (درمنجام) بالجيم المصرية، حيث ينشر فيها كتابه (حياة محمد)، مترجما بالعربية، وإنما اخترنا كتابته بالغين، لكتاب جاءنا من المؤلف بالعربية كتب فيه إمضاء (إميل دورمنغام)، ونشرناه في الجزء الأول من مجلد المنار الثلاثين (المؤلف)..

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير