ﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲ

ثم يقول الحق بعد ذلك :
أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم قال الكافرون إن هذا لساحر مبين ( ٢ ) .
ما هو العجيب١-إذن- في أن الله أوحى إلى رجل منكم أن يبلغكم إنذار الله وبشارته ؟ ما الذي تعجبتم منه ؟ وما موضع العجب فيه ؟ وجاء تحديد العجب فيه ما ذكرته الحيثية في آخر السورة السابقة من أن : رسول من أنفسكم... ( ١٢٨ ) ( التوبة ) : أي : من البشر، ومن العرب، ومن قبائلكم، ومن أنفسكم ممن تعرفون كل خلقه، فما العجيب في أن يرسله الله رسولا إليكم ؟ قد ائتمنتموه على أموركم من قبل أن ينزل الوحي من الله، فكأنكم احترمتم طبعه الكريم، وأنكم في كثير من الأشياء قبلتم منه أن يصل إليه من أحكام.
ودليل هذا أنكم حين اختلفتم في بناء الكعبة، وقالت كل قبيلة : نحن أولى بأن نضع بأيدينا أقدس شيء في الكعبة، وهو الحجر، حين ذلك اختلفت القبائل ؛ فما كان إلا أن حكّموا أول داخل، فشاء الله أن يكون أول داخل ؛ هو محمد بن عبد الله، فكيف يحل محمد بن عبد الله هذه المشكلة٢، ولم يكن قد نزل عليه وحي بعد ؟ إنها الفطرة التي جعلته أهلا لاستقبال وحي الله فيما بعد، فماذا صنع ؛ لينهي الخلاف ؟
جاء برداء، ووضع الحجر على الرداء، ثم قال لكل قبيلة : أمسكوا بطرف من الرداء، واحملوا الحجر إلى مكانه. وتلك هي الفطرة السليمة ورأينا أيضا سيدنا أبا بكر عندما قالوا له وهو راجع من الرحلة التي كان يقوم بها : لقد ادعى صاحبك النبوة، قال :" إن كان قد قالها بصدق ".
من أي أحداث جاء حكم أبي بكر ؟ أهو سمع من رسول الله كلاما معجزا ؟ أسمع منه قرآنا ؟ لا، بل صدقه بمجرد أن أعلن أنه رسول. فقد جربه في كل شيء ووجده صادقا. وجربه في كل شيء ووجده أنه أمين، فما كان محمد ليصدق فيما بين البشر، ليكذب على الله.
وكذلك خديجة بنت خويلد حينما قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : يأتيني كذا وأخاف أن يكون كذا، فبينت له أن المقدمات التي في حياته لا توحي بأن الله يخذله ويفضحه ويسلط عليه الجن :" إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل وتنصف المظلوم، ولن يخزيك الله أبدا " ٣ وبذلك كانت السيدة خديجة أول فقيه مستنبط٤ في الإسلام.
وقوله سبحانه : أكان للناس عجبا يعني : التعجب من أن يصدر منهم العجب، والقرآن تعجب كيف يصدر منهم هذا العجب ؟ وما دام يتعجب كيف يصدر منهم هذا العجب ؟ فمن المنطقي ألا يكونوا قد تعجبوا ؛ لأنك فوق مستوى ما تعرف من البشر، مثلما ترى صنعة جميلة وتقول : ما أحسن هذه الصنعة، وتتساءل : ما الذي جعل هذه الصنعة جميلة إلى هذا الحد غير المتصور ؟
وأنت تقول ذلك، لأن الصنعة قد بلغت من الجمال مبلغا لا تصدق به أن أحدا من الموجودين في إمكانه أن يصنعها. والمثال على ذلك : نجد من يقول : ما أحسن السماء ؛ وهو يتعجب من الشيء الذي يفوق تصوره. وقد يتعجب من شيء قبيح، ما كان يجب أن يرد على الخاطر، ولذلك يقول القرآن : كيف تكفرون بالله... ( ٢٨ ) ( البقرة ).
أي : قولوا لنا : كيف قبلتم لأنفسكم الكفر ؟ لأن الكفر مسألة عجيبة تتنافى مع الفطرة.
وهنا يقول الحق : أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم... ( ٢ ) ( يونس ).
وهنا نتساءل : كيف تتعجبون وقد جئناكم برسول من أنفسكم، عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم ( ١٢٨ ) ( التوبة ).
أليس هذا هو المطلوب في الرائد، فكيف تعجبون ؟ ٥.
إن عجبكم يدل على أن بصيرتكم غير قادرة على الحكم على الأشياء، وما كان يصح أن يستقبل الرسول بالعجب، ونحن نتعجب من عجبكم هذا.
وحين تتعجب من العجب ؛ فأنت تبطل التعجب.
أكان للناس عجبا أن أوحينا... ( ٢ ) ( يونس ) : أي : أن إيحاءنا لرجل منكم كان عجيبا عندكم، وما كان يصح أن يكون أمرا عجيبا ؛ لأنه أمر منطقي وطبيعي.
ثم ما هو الوحي ؟ لقد سبق أن أوضحنا أو الوحي هو الإعلام بخفاء. وهناك إعلام واضح مثل قولك لابنك : يا بني اسمع كذا، وافعل كذا.
هذا إعلام واضح. وهناك إعلام بخفاء، كأن يدخل عندك ضيف، ثم يسه خادمك –مثلا- عن تحيته، فتشير للخادم إشارة ؛ تعني بها أن يسرع بتقديم التحية للضيف ؛ من مرطبات، أو حلوى، وهكذا تكون قد أعلمت خادمك بخفاء.
والحق سبحانه وتعالى يوحي إلى الجماد، سبحانه يقول : إذا زلزلت الأرض زلزالها ( ١ ) وأخرجت الأرض أثقالها( ٢ ) وقال الإنسان مالها ( ٣ ) يومئذ تحدث أخبارها ( ٤ ) بأن ربك أوحى لها ( ٥ ) ( الزلزلة ) : أي : أنه سبحانه وتعالى قد أعلمها إعلاما خفيا ؛ وهي قد فهمت بطريقة لا نعرفها.
وسبحانه يوحي للحيوانات، فهو القائل : وأوحى ربك إلى النحل٦.... ( ٦٨ ) ( النحل ). وأنت لا يمكنك أن تقول : أنا سمعت الله وهو يوحي للنحل، لأن الوحي إعلام بخفاء، وهو سبحانه أعلم بالطريقة التي تم بها هذا الوحي، والنحل قد فهم عنه سبحانه، ولا شأن لك بذلك، فلا تسأل عن كيفية هذا الوحي : وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون ( ٦٨ ) ( النحل ).
أي : أنها فهمت عن الله بما أودع فيها من الغرائز.
وسبحانه يوحي للملائكة وهو القائل : إذا يوحي ربك إلى الملائكة... ( ١٢ ) ( الأنفال ).
ويوحي سبحانه إلى غير الرسل ؛ كما أوحى إلى أم موسى. وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم... ( ٧ ) .
وأوحى سبحانه إلى الرسل جميعا.
إذن : فسبحانه يوحي للجماد، ويوحي للحيوان، ويوحي للملائكة ويوحي للصالحين من غير الأنبياء، يوحي الأنبياء والرسل.
والوحي- كإعلام بخفاء- يقتضي معلما، وهو الحق سبحانه تعالى، ومعلما، وهو إما : الأرض، وإما النحل، وإما الملائكة، وإما إلى بعض الصالحين من غير الأنبياء، وإما الرسل والأنبياء.
وقد يأتي الوحي من غير الله، فسبحانه يقول : وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف٧ القول غرورا٨... ( ١١٢ ) ( الأنعام ) : إذن : فالشياطين يعلمون بعضهم البعض، إعلاما خفيا.
ويقول الحق : إنا أوحينا إليك... ( ١٦٣ ) ( النساء ) : والموحي إليه هو محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو وحي خاص بالرسول، فلا تقل : أنا لم أسمع ماذا أوحي إلى محمد، ولا أعرف كيف نزل الوحي٩، فقد جاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبلغه أن يعلن ما أوحى إليه، ولو كنت أنت قادرا على سماع الوحي من جبريل، فما ضرورة إرسال الرسول إذن ؟
إن الطاقة والقدرة العالية المرسلة إلى الموحي إليه تحتاج إلى قوة تحمل، وضربنا المثل من قلب بأن الإنسان حين ينقل طاقة من مصدر عال قوي إلى مصدر ضعيف فهو لا يسرب الطاقة من القوي إلى الضعيف دفعة واحدة، وإلا تحمل الضعيف تلك الطاقة القادمة إليه من القوي، لذلك نحن نأتي بمحوّل يتحمل طاقة القوي، ثم ينقل للضعيف ما يناسب قدرته، ومثال ذلك هو شراؤنا لمحول كهربائي حين ننقل الكهرباء من مصدر طاقة عالي الجهد إلى مصدر آخر ضعيف قليل الجهد ؛ مثل المصباح الصغير الذي تضيئه في المنزل ليلا لينير بالقدر المناسب كيلا نرتطم بالأشياء، وهو ما نسميه بالعامية " و نّاسة ". إذن : فمهمة المحول يستقبل من مصدر الطاقة القوي ؛ ليضيء لمصدر الطاقة الضعيف.
فإذا كان الله سبحانه وتعالى الذي يوحي للرسول، والرسول من البشر لا يمكنه التلقي المباشر عن الله ؛ لذلك لا بد من واسطة تبلغ في الارتقاء بما يسمح لها بالتلقي عن الله، وتستطيع أن تلتقي بالبشر ؛ وهذه خاصية الملك.
ورغم هذا أصاب الجهد والتعب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول تلقيه للوحي، وكان صلى الله عليه وسلم يعرق حتى يتفصد١٠ العرق من جبينه، وإذا انصرف عنه الوحي قال :" زملوني زملوني " ١١ ويرتعد.
وكان الصحابة يقولون : كان إذا نزل الوحي على رسول الله، وهو قاعد ؛ وقد تكون ركبته على فخذ أحد الصحابة، فيجد الصحابي ثقلا على رجله من شدة وطأة ركبة الرسول صلى الله عليه وسلم، وإذا نزل الوحي، والرسول يركب مطية فهي تئط منه١٢.
إذن : كان الوحي يتعب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد أن يسرى عنه التعب١٣ ؛ تبقى له حلاوة ما أوحي إليه ؛ فيتشوق ثانية للوحي.
وقد شاء الحق أن يشوق النبي صلى الله عليه وسلم للوحي ففتر١٤ الوحي لمدة من الزمن. وحين اشتاق النبي للوحي ؛ كان ذلك يعني أنه قد شحن نفسه بطاقة متقبلة لاستقبال هذا الوحي ؛ بما فيه من تعب.
لله المثل الأعلى دائما، قس أنت الجهد المبذول في رحلة إلى من تحب، أثناء المطر، والأرض موحلة١٥ ومليئة بالشوك، ورغم ذلك أنت تقطع الرحلة دون أن تلتفت لما فيها من إرهاق وتعب.
وشاء سبحانه أن يرغّب رسوله شوقا إلى الوحي، و رغم ما فيه من جهد، لأنه التقاء ملك ببشر، وهذا اللقاء يكون على صورتين : إما أن ينقلب الملك إلى مرتبة بشرية ؛ وهذه الصورة ليس فيها إجهاد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأن عملية التحويل جاءت في الأعلى بينما يظل رسول الله صلى الله عليه وسلم كما هو، مثلا دخل جبريل على رسول الله، وكان معه بعض من الصحابة، وسأل النبي صلى الله عليه وسلم : ما الإيمان ؟ وما الإسلام ؟ وما الإحسان ؟ ثم اختفى السائل، فسأل الصحابة رسول الله عن هذا السائل، فقال :" هذا جبريل جاءكم يعلمكم أمور دينكم " ١٦.
هذه هي الصورة الأولى في الوحي، والتحول فيها كان من جهة الإرسال فلا مشقة فيها على النبي صلى الله عليه وسلم.
أما الصورة الثانية، فقد كان فيها مشقة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأن الملك يظل على طبيعته، التحول إنما يحدث لمحمد صلى الله عليه وسلم، وكان التحول يقتضي عملية كيماوية تصيبه بالجهد ؛ فيقول بعد أن يسرى عنه :" زمّلوني ".
وشاء الحق أن يتلطف برسوله، ففتر الوحي فترة من الزمن. وقال الكافرون من العرب : إن رب محمد قد قلاه١٧ وهذا غباء منهم ؛ لأنهم اعترفوا أن محمدا ربّا. وما داموا قد اعترفوا، فعدم إيمانهم صلف١٨ وغباء، وأرادوا بذلك أن ينسبوا النقص لمحمد صلى الله عليه وسلم، فقالوا : إن الله قد قلى١٩ محمدا.
وقد شاء الحق أن ينقطع الوحي عن محمد صلى الله عليه وسلم هذه المدة ؛ ليكشفهم أمام أنفسهم وأمام غيرهم، لتنكشف نواياهم، وتثبت قلة بصيرتهم، وافتقادهم للمنطق السليم، فهم حين اعترفوا أن محمدا ربّا، كان عليهم أن يحتكموا إلى عقولهم ؛ ليعرفوا أنهم قد أقروا بالألوهية، لكنهم أرادوا بهذا الاعتراف أن ينسبوا النقص لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولو قاضيناهم إلى عقولهم، وإلى الكون الذي عاشوا فيه، وإلى الظواهر المادية المحسوسة لهم، لعرفوا أن الأحداث لا بد لها من زمان ومكان ؛ لأن حديث يتطلب زمانا ومكانا، وإذا لم يوجد حدث، لا يوجد زمان أو مكان.
ولذلك أقول دائما لمن يسأل : أين كان الله ؟ أقول له : أنت جئت بالأينية من الزمان، والمكانية من المكان، وهذا لا يتأتى إلا بوجود حدث. وما دام الله غير حدث، فلا زمان يحدده، ولا مكان يحيّزه ؛ لأن الزمان كان، والمكان كان به. والأحداث هي عند البشر، فهم من يستقرون في المكان ويتوالى عليهم الزمان.
والزمان الذي يحدث فيه أي حدث اسمه " ظرف زمان " ٢٠، و

١ الشيء العجيب: غير المألوف للناس، والآدمي إنما يتعجب من الشيء إذا عظم موقعه عنده، وخفي عليه سببه. وقد تعجب المشركون من قضايا لم تستطع عقولهم استيعابها، فاحتاج الأمر من القرآن أن ينفي العجب عن هذه القضية، وأن يدلل على عكس ما في أذهان هؤلاء المشركين، أما القضايا فمنها:
قضية توحيد الله سبحانه، فقالوا:أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب (٥) (ص)
٢قضية إرسال رجل منهم أي: من البشر، فقالوا:وعجبوا أن جاءهم منذر منهم...(٤) (ص)
قضية البعث، فقالوا:وإن تعجب قولهم أئذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد...(٥) (الرعد).

٢ كان محمد صلى الله عليه وسلم يبلغ من العمر حينذاك ٣٥ سنة، أي: قبل بعثته ب٥سنوات، وكانت القبائل من قريش قد اختلفت فيمن يضع الحجر الأسود في مكانه، وأعدوا للقتال، وتعاقد بنو عبد الدار وبنو عدي على الموت، ووضعوا أيديهم في جفنة مملوءة دما. وبقي الأمر على هذا أربع ليال أو خمسا.
ويروي ابن إسحاق في السيرة (١/١٩٧) ارتضاء قريش حكومة محمد في هذا الأمر أن "أبا أمية بن المغيرة قال: يا معشر قريش، اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد يقضي بينكم فيه ففعلوا فكان أول داخل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأوه قالوا: هذا الأمين، رضينا، هذا محمد، فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر، قال صلى الله عليه وسلم: هلم إلي ثوبا، فأتى به فأخذ الركن (أي: الحجر الأسود) فوضعه فيه بيده. ثم قال: لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب، ثم ارفعوه جميعا، ففعلوا، حتى إذا بلغوا به موضعه وضعه هو بيده، ثم بنى عليه"..

٣ حديث بدء الوحي عن عائشة رضي الله عنها أخرجه البخاري في صحيحه (٣، ٦ ومواضع أخرى(ومسلم في صحيحه (١٦٠)
-كانت السيدة خديجة بهذه المقولة قد لخصت رسالة الرسول في كلمات: تعيش مشاكل الناس ناصرا لمظلوم مساعدا للمحروم فتحمل الكل.
وصلة الرحم ارتقاء بالأرحام والأقرباء وهو دفء الإنسانية، يعيش فيه المجتمع بوجدان الجماعة وحنان الإخاء وإنصاف المظلوم هو اعتدال الموازين العدل، والقول هو الإسلام، وبهذا صدق قول الشيخ فإنها قضية تستنبط رسالة الإسلام من حالة الرسول قبل تمام الوحي..

٤ الاستنباط في الفقه: هو استخراج الفقيه للأحكام الشرعية من بطون الأدلة باجتهاده وفهمه. ومنه قوله تعالى:لعلمه الذين يستنبطونه منهم...(٨٣) (النساء). والاستنباط في اللغة: استخراج الماء من قعر البئر إذا حفرت..
٥ روى ابن عباس في سبب نزول هذه الآية أنه: لما بعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم رسولا أنكرت الكفار، وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا مثل محمد، فأنزل الله تعالى هذه الآية. ومما قاله المشركون: ما وجد الله من يرسله إلا يتيم أبي طالب؟ انظر: أسباب النزول للو احدي (ص١٥٢) وتفسير القرطبي (٤/٣٢٣٢) وابن كثير في تفسيره (٢/٤٠٦).
٦ قال الزجاج: جائز أن يكون سمي نحلا، لأن الله عز وجل نحل الناس العسل الذي يخرج من بطونها..
٧ زخرف: الزينة، والمراد هنا: التمويه والتزوير وزخرف القول غرورا: أي: حسن القول بتزيين الكذب..
٨ الغرور: ما غرك من إنسان وشيطان وغيرهما، والغرور: الشيطان:"ولا يغرنكم بالله الغرور (٣٣)} (لقمان). والغرور: الأباطيل، ويجوز أن يكون الغرور جمع غار، مثل شاهد وشهود. والغرور: الدنيا ومتاعها، والغرور: الإغراء بالوعد الكاذب والتمنيةيا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم (٦) (الانفطار) وفلا تغرنكم الحياة الدنيا....(٣٣) (لقمان). والغرور: الخداع وتزيين الشر والمعاصي. وغرر بنفسه وماله تغريرا وتغرة: عرضهما للهلكة من غير أن يعرف. والغرر: الخطر، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر، وهو مثل بيع السمك في الماء والطير في الهواء. والتغرير: حمل النفس على الغرر..
٩ عن عائشة رضي الله عنها أن الحارث بن هشام سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أحيانا يأتيني من صلصلة الجرس وهو أشده فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول" أخرجه البخاري في صحيحه (٢) ومسلم (٢٣٣٣)..
١٠ تفصد العرق: أيك سال العرق من جبينه. وقد قالت عائشة رضي الله عنها: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا. أخرجه البخاري في صحيحه (٢) ومسلم (٢٣٣٣) من حديث عائشة واللفظ للبخاري..
١١ المراد بالتزميل هنا: طلب الحماية وإذهاب الخوف والروع والرعدة التي ألمت بجسمه مما رآه، عن طريق لف جسمه بالثياب وتغطيته. وزمل الشيء: أخفاه، وزمله في ثوبه: أي: لفه. والتزمل: التلفف بالثوب وقد تزمل بثيابه أي: تدثر. وفي حديث قتلى أحد: "وملوهم في ثيابهم" أي: لفوهم فيها. أخرجه أحمد في مسنده (٥/٤٣١) من حديث عبد الله بن ثعلبة..
١٢ تئط الناقة منه: تئن من ثقل الركبان. عن أسماء بنت يزيد قالت إني لآخذة بزمام العضباء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ نزلت عليه المائدة كلها وكادت من ثقلها تدق عنق الناقة. أخرجه أحمد في مسنده (٦/٤٥٥)..
١٣ يسرى عنه التعب: أي: يذهب عنه..
١٤ فتر الوحي: انقطع. والفترة: ما بين طل نبيين، وفي الصحاح: ما بين كل رسولين من رسل الله-عز وجل- من الزمان الذي انقطعت فيه الرسالة. ومنه قوله تعالى:يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل...(١٩) (المائدة).
١٥ أرض موحلة: أي: أصابها الوحل، وهو الطين الرقيق الذي ينتج من أثر مطر أو ماء يصيب الأرض..
١٦ عن عمر بن الخطاب قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبته إلى ركبته، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام، فقال صلى الله عليه وسلم:"الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا. قال: صدقت: قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره و شره. قال: صدقت. قال: فاخبرني عن الإحسان. قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك...." الحديث أخرجه البخاري في صحيحه (٥٠) ومسلم في صحيحه (٨). والشاهد من الحديث أن جبريل أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورة بشرية، فلم تكن شاقة عليه صلى الله عليه وسلم..
١٧ عن جندب البجلي قال: أبطأ جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال المشركون: قد ودع محمد. فأنزل الله عز وجل:والضحى(١) والليل إذا سجى (٢) ما ودعك ربك وما قلا (٣) (الضحى) أخرجه مسلم في صحيحه (١٧٩٧) والترمذي في سننه (٣٣٤٥) وقال: حديث حسن صحيح. وقد أورد ابن كثير في تفسيره (٤/٥٢٢) من الطريق الذي أخرج مسلم من الترمذي حديثه إلى جندب، بلفظ:" فقال المشركون: ودع محمدا ربه"..
١٨ الصلف: مجاوزة الحد في الإدعاء والتكبر..
١٩ قليته: كرهته غاية الكراهة، فتركته، والقلي: البغض..
٢٠ الظرف: هو الزمن أو المكان الذي وقع فيه الحدث، ويسميه النحاة "المفعول فيه" أي: أن الجدث أو الفعل قد وقع (أو يقع –أو سيقع) في زمن ما، ومكان ما..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير