تفسير المفردات :
والوحي : الإعلام الخفيّ لامرئ بما يخفي على غيره. والإنذار : الإخبار بما فيه تخويف. والتبشير : الإعلام المقترن بالبشارة بحسن الجزاء، والصدق : يكون في الأقوال ويستعمل في الأفعال، فيقال صدق في القتال إذا وفّاه حقه، وكذب فيه إذا لم يفعل ذلك، ويطلق على الإيمان والوفاء وسائر الفضائل، وجاء في التنزيل : مقعد صدق، ومدخل صدق، ومخرج صدق، وقدَم صدق، ويراد بالقدم هنا السابقة والتقدم والمنزلة الرفيعة. سحر : أي يؤثّر في القلوب ويجذب النفوس جار مجرى السحر. ومبين : ظاهر.
الإيضاح :
أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أي عجيب من أمرهم أن ينكروا إنزال الوحي على رجل من جنسهم ويتخذوه أعجوبة بينهم يتفكهون بها ويستغربون شأنها، كأن مشاركتهم له في البشرية يمنع اختصاص الله إياه بما شاء من العلم، وهو بمعنى قوله تعالى حكاية عنهم أبعث الله بشرا رسولا ( الإسراء : ٩٤ ) وقوله : لو شاء ربنا لأنزل ملائكة ( فصلت : ١٤ ).
وهذه الشبهة التي تمسكوا بأذيالها قد سبق إليها أقوام الأنبياء قبلهم كما جاء في قصة نوح وهود من سورة الأعراف : أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ( الأعراف : ٦٣ و٦٩ ).
وقد يكون وجه العجب كونه من أفنائهم من جهة المال كما جاء على لسانهم وحكاه الله عنهم :
لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ( الزخرف : ٣١ ) وحكى عنهم أنهم قالوا : العجب أن الله تعالى لم يجد رسولا إلا يتيم أبي طالب.
فإن كانوا قد عَنُوا الأول، فهو عجب عاجب، لأن بعث الملك إنما يتسنى إذا كان المبعوث إليهم ملائكة كما قال تعالى منكرا عليهم ذلك : قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا ( الإسراء : ٩٥ ).
وإن كانوا أرادوا الثاني فهو أغرب منه، لأن مدار الاصطفاء للإيحاء هو التبريز في إحراز الفضائل ونيل المكْرُمات، وللنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك القِدْح المعلّى فقد شهر من بينهم بالأمانة والصدق وحسن السمعة وبلوغ الغاية في الكمالات، ولله در القائل :
| خلقت مبرأ من كل عيب | كأنك قد خلقت كما تشاء |
ولو صوّرت نفسك لم تزدها على ما فيك من كرم الطباع
وليس للتقدم في حظوظ الدنيا ولا للسبق في رياساتها مدخل في ذلك لا بقبيل ولا دبير، ولا قليل ولا كثير، فليس الغني سببا للقرب والزلفى عند الله كما قال تعالى : وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى ( سبأ : ٣٧ ).
أن أنذر الناس أي أوحينا إليه بأن أنذر الناس كافة وأعلمهم بالتوحيد والبعث وسائر مقاصد الدين مع التخويف بعاقبة ما هم فيه من كفر وضلال.
وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم أي وبشر الذين آمنوا بما أوحيناه إليك بأن لهم أعمالا صالحة استوجبوا بها الثواب منه تعالى، ومنزلة رفيعة نالوها بصدق القول وحسن النية.
قال الكافرون إن هذا لساحر مبين أي فلما آتاهم بوحي الله وتلاه عليهم قال المنكرون لتوحيد الله ورسالة رسوله : إن هذا الذي جاء به محمد لسحر مبين أي ظاهر واضح يبين لكم أنه مبطل فيما يدعيه.
وجعلوه سحرا لأنه خارق للعادة في تأثيره في القلوب وجذبه النفوس إلى الإيمان به واحتقار الحياة ولذاتها في سبيل الله.
وخلاصة ذلك : إنه كلام مزخرف حسن الظاهر لكنه واضح البطلان في الحقيقة.
وقد كذبوا في تسميته سحرا، لأن السحر ما يكون بأسباب خفيّة يتعلمها بعض الناس من بعض إما بالحيَل والشعوذة، وإما باستخدام خواص طبيعة علمية مجهولة للجماهير، وإما بتأثير قُوَى النفس وتوجيه الإرادة، وجميعها من الأمور التي يشترك فيها الكثير من العارفين بها، والقرآن ليس بسحر يؤثّر بالعلم والصناعة، بل هو أقوال مشتملة على آداب عالية وتشريع حكيم، فيه مصلحة للناس، معجز في أسلوبه ونظمه ومعانيه، أتى على لسان محمد صلى الله عليه وسلم ليبلغه للناس، ولم يكن ليقدر على شيء من مثله، وبهذا ثبت أنه نبي من عند الله، وأن ما جاء به وحي من لدنه.
تفسير المراغي
المراغي