قوله :" إِذَا هُمْ يَبْغُونَ " : جوابُ " لمَّا "، وهي " إذَا " الفُجائيَّة، وقوله :" بِغَيْرِ الحق " : حالٌ، أي : ملتبسين بغير الحقِّ، قال الزمخشري١ :" فإن قلت : ما معنى قوله :" بِغَيْرِ الحقِّ " والبغيُ لا يكون بحقٍّ ؟ قلت : بلى، وهو استيلاءُ المسلمين على أرض الكُفَّار، وهدْمُ دُورهم، وإحراقُ زُرُوعهم، وقطع أشجارهم، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ببني قريظة "، وكان قد فسَّر البغي بالفساد، والإمعان فيه، مِن " بَغَى الجرحُ : إذا ترامى للفساد ".
ولذلك قال الزجاج :" إنّه الترقِّي في الفساد "، وقال الأصمعي أيضاً :" بَغَى الجرحُ : ترقَّى إلى الفساد، وبغتِ المرأةُ : فجرت ".
قال أبو حيَّان :" ولا يصِحُّ أن يقال في المسلمين، إنَّهُم باغُون على الكفرة، إلاَّ إن ذكر أنَّ أصل البغي، هو الطلبُ مطلقاً، ولا يتضمَّن الفساد، فحينئذٍ ينقسم إلى : طلبٍ بحقٍّ، وطلبٍ بغير حقٍّ ".
قال الواحدي :" وأصلُ البغي : الطلب "، وقد تقدم أنَّ هذه الآي، ترُدُّ على الفارسي، أنَّ " لمَّا " ظرف بمعنى " حين " ؛ لأنَّ ما بعد " إذَا " الفُجائيَّة، لا يعمل فيما قبلها، وإذا قد فرض كون " لمَّا " ظرفاً لزم أن يكون لها عاملٌ ".
فصل
دلَّت هذه الآية : على أن فعل العبد خلق لله - تعالى - ؛ لأنَّه قال :" يُسَيِّركُمْ "، وقال : قُلْ سِيرُواْ [ الأنعام : ١١ ] وهذا يدل على أن سيرهم منهم، ومن الله، فيكون كسباً لهم وخلقاً لله. ونظيره قوله - تعالى - : كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بالحق [ الأنفال : ٥ ] وقال في آيةٍ أخرى : إِذْ أَخْرَجَهُ الذين كَفَرُواْ [ التوبة : ٤٠ ]، وقوله وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وأبكى [ النجم : ٤٣ ]، مع قوله : فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً [ التوبة : ٨٢ ]، قال القفال :" هو الذي يسيركم في البرِّ والبحْرِ ؛ أي : هو الهادي لكم إلى السَّيْرِ في البحر والبر، طلباً للمعاش، وهو المسير لكم ؛ لأنَّه هيَّأ لكم أسباب ذلك السَّيْر "، والجواب : لا شك أنَّ المسيِّر في البحر هو الله - تعالى جلَّ ذكره - ؛ لأنَّه هو المحدث لتلك الحركات في أجزاء السَّفينة، وإضافة الفعل إلى الفاعل هو الحقيقة، فيجبُ أن يكون مسيراً لهم في البرِّ والبحر، إذ لو كان مسيّراً لهم في البرِّ بمعنى إعطاء الآلات والأدوات، لكان مجازاً، فيلزم كون اللفظ الواحد حقيقة ومجازاً دفعةً واحدةً، وذلك باطلٌ، على ما تقرر في أصول الفقه، قال أبو هاشم :" لا يبعُد أن يقال : إن الله تعالى تكلَّم به مرَّتين "، وهذا باطلٌ ؛ لأن هذا القول لم يقل به أحدٌ من الأئمَّة، ممَّن كانوا قبله، فكان خلافاً للإجماع، فيكون باطلاً.
فصل
معنى الآية : هُوَ الذي يُسَيِّرُكُمْ فِي البر على ظهور الدَّوابِّ، وفي البحر على الفلك، حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك أي : في السفن. والفلك : تكون واحداً، وجمعاً، " وَجَرَيْنَ بِهِم " أي : جرت الفلك بالنَّاس، رجع من الخطاب إلى الغيبة.
والفائدة فيه من وجوه :
أحدها : ما تقدم عن الزمخشري، وهو المبالغةُ بذكر حالهم لغيرهم ؛ ليعجبوا منها، ويستدعي منهم مزيد الإنكار والتَّقبيح.
وثانيها : قال الجُبَّائي :" إنَّ مخاطبته - سبحانه جلَّ ذكره - لعباده، على لسان الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - بمنزلة الخبر عن الغائب، وكل من أقام الغائب مقام المخاطب، حسن منه أن يردَّه مرة أخرى إلى الغائب ".
وثالثها : قال ابن الخطيب :" إن الانتقال من لفظ الغيبة، إلى لفظِ الحضور، يدلُّ على مزيد التقريب، والإكرام، وأمَّا الانتقال من لفظ الحضور، إلى لفظ الغيبة، فإنه يدلُّ على المقتِ، والتعذيب، وهو اللاَّئق بحال هؤلاء، لأنَّ من كان صفته، أنَّه يقابل إحسان الله إليه بالكفر، أن يكون اللاَّئقُ به ذلك ". والأول كما في الفاتحة، فإن قوله : بسم الله الرحمن الرَّحِيمِ الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين الرحمن الرحيم [ الفاتحة : ١-٣ ] خطاب غيبة، ثم قال : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [ الفاتحة : ٥ ] : وهذا يدل على أن العبد، كأنه انتقل من مقام الغيبة إلى مقام الحضور، وهو يوجب عُلُو الدرجة، وكمال القرب.
ثم قال :" بريحٍ طيبةٍ " : لينة، " وفَرِحُوا بها " أي : بالرِّيح، " جَاءَتْهَا " أي : جاءت الفلك، أو جاءت الريح اللينة كما تقدَّم، " ريح عاصف " شديدة، ولم يقل عاصفة ؛ لاختصاص الرِّيح بالعُصُوف، وقيل :" الرِّيح " يُذكَّر ويؤنث.
قال الفراء، والزجاج : يقال : ريحٌ عاصفٌ، وعاصفةٌ، وقد عصفتْ عُصُوفاً وأعْصَفَتْ فهي مُعْصِف ومُعْصِفَة، وعصفت الريح : اشتدتْ وأصلُ العَصْف : السُّرعة، يقال : ناقةٌ عاصفٌ، وعصُوفٌ ؛ سريعة، وإنما قيل :" ريحٌ عاصفٌ " لأنَّه يُراد ذات عُصُوف، كما قيل : لابنٌ وتامرٌ ؛ أو لأنه لفظ يذكَّر ويؤنَّث.
فإن قيل : الضميرُ في " جَاءتْهَا " يعودُ على الفلك، وهو ضمير الواحد، والضمير في قوله :" وجَريْنَ بهمْ " عائد على الفلك، وهو ضميرُ الجمع، فما السببُ فيه ؟.
فالجواب من وجهين :
الأول : لا نُسَلِّم أن الضمير في " جَاءتْهَا "، عائدٌ إلى الفلك، بل يعُود على الرِّيح الطيِّبة.
الثاني : لو سلَّمنا ذلك، إلاَّ أنّ لفظ الفلك يصلح للواحد والجمع. ثم قال :" وجَاءَهُم " أي : ركَّاب السفينة " الموج مِن كُلِّ مكانٍ " وهو حركةُ الماءِ واختلاطهُ، وقيل : المَوْج ما ارتفع من الماء فوق البحر، " وظَنُّوا " : أيْقَنُوا " أنَّهُم أحيطَ بهم " أي : ظنُّوا القرب من الهلاك، وأصله : أنَّ العدوَّ إذا أحاط بقوم أو بلدٍ، فقد دنوا من الهلاك، دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين أي : أخلصُوا لله في الدعاء، ولم يدعُوا أحداً سواه، قال ابنُ عبَّاسٍ - رضي الله عنهما - : يريد : ترك الشرك، ولم يشركوا به من آلهتهم شيئاً٢، وقال الحسن - رحمه الله- :" دَعَوُا اللهُ مُخْلصينَ ؛ جارياً مُجْرَى الإيمان الاضطراري٣ "، وقال ابن زيد :" هؤلاء المشركون يدعون مع الله ما يدعون، فإذا جاء الضُّرُّ والبلاء لم يدعُوا إلاَّ الله " ٤ وعن أبي عبيدة : أنَّ المراد من ذلك الدعاء قولهم : أهْيَا شر هَيَا، أي : يا حيُّ يا قيُّوم٥، وقالوا : لَئِنْ أنْجيتنا يا رب من هذه الريح العاصف، أو من هذه الأمواج، أو من هذه الشدائد، وهذه الألفاظ، وإن لم يسبق ذكرها ؛ إلا أنه سبق ما يدلُّ عليها، لَنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين لك بالإيمان والطَّاعة.
واعلم : أنَّه يمكن أن يقدَّر في الآية إضمار، تقديره : دعوا اللهَ مخلصين لهُ الدِّ ] ن، مريدين أن يقولوا : لَئِنْ أنْجَيْتَنا، ويمكن أن يقال : لا حاجة إلى الإضمار ؛ لأنَّ قوله :" دعَوُا اللهَ " يصير مُفَسَّراً بقوله : أَنْجَيْتَنَا مِنْ هذه لَنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين فهم في الحقيقة، ما قالُوا إلاَّ هذا القول.
ولمَّا حكى عنهم التَّضرع الكامل، ذكر أنَّهُم بعد الخلاص من تلك البليَّة، أقدموا في الحالِ على البغي في الأرض بغير الحقِّ، قال ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - : يريد : بالفسادِ والتَّكذيب والجُرْأة على الله - عزَّ وجلَّ -.
قوله : يا أيها الناس إِنَّمَا بَغْيُكُمْ على أَنفُسِكُمْ أي : وباله راجعٌ إليها، وقيل : المرادُ : بغي بعضكم على بعض، كقوله : اقتلوا أَنْفُسَكُمْ [ النساء : ٦٦ ]، وَلاَ تقتلوا أَنْفُسَكُمْ [ النساء : ٢٩ ]، وَلاَ تلمزوا أَنفُسَكُمْ [ الحجرات : ١١ ] والمعنى : أنَّ بغي بعضهم على بعض، منفعة الحياة الدنيا، ولا بقاء لها، والبغي من منكرات المعاصي، قال : صلوات الله وسلامه عليه - :" أسْرَعُ الخَيْرِ ثواباً صلةُ الرَّحم، وأعجلُ الشَّرِّ عقاباً البغي، واليمين الفاجرة "، وروي :" ثنتان يعجلهما الله - تعالى - في الدنيا : البَغْي، وعقُوقُ الوالدين " وعن ابن عبَّاسٍ - رضي الله عنهما - :" لو بغى جَبَلٌ على جبلٍ، لاندَكَّ الباغِي ".
وقال محمد بن كعب - رضي الله عنه - ثلاثٌ من كنَّ فيه كنَّ عليه : البغيُ، والنَّكْثُ، والمَكْرُ، قال - تعالى - : إِنَّمَا بَغْيُكُمْ على أَنفُسِكُمْ ، وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ [ الأنعام : ١٢٣ ]، فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ على نَفْسِهِ [ الفتح : ١٠ ].
قوله : مَّتَاعَ الحياة الدنيا قرأ٦ حفص :" مَتَاعَ " بالنصب، ونصبُه على خمسة أوجه :
أحدها : أنَّهُ منصوب على الظرف الزمانيُّ، نحو :" مَقْدمَ الحجَّاج "، أي : زمن متاع الحياة.
والثاني : أنَّه منصوبٌ على المصدرِ الواقع موقع الحالِ، أي : مَتَمتِّعينَ، والعاملُ فِي هذا الظرف، وهذه الحال : الاستقرارُ الذي في الخبر، وهو " عليكم "، ولا يجوزُ أن يكونا منصوبين بالمصدر ؛ لأنَّه يلزمُ منه الفصلُ بين المصدر، ومعموله بالخبر، وقد تقدَّم أنَّه لا يخبرُ عن الموصول إلاَّ بعد تمام صلته.
والثالث : نصبه على المصدر المؤكَّد بفعلٍ مقدرٍ، أي : يتمتَّعُون متاع الحياة الدُّنْيا.
الرابع : أنه منصوبٌ على المفعول به، بفعلٍ مقدر يدلُّ عليه المصدر، أي : يَبْغُون متاع الحياةِ الدُّنيا، ولا جائزٌ أن ينتصب بالمصدر ؛ لما تقدَّم.
الخامس : أن ينتصب على المفعول من أجله، أي : لأجل متاع، والعامل فيه : إمَّا الاستقرارُ المقدَّرُ في " عَلَيْكُم "، وإمَّا فعلٌ مقدَّرٌ، ويجوز أن يكون النَّاصبُ له، حال جعله ظرفاً، أو حالاً، أو مفعولاً من أجله : نفس البغي، لا على جعل " عَلَى أنْفُسِكُم " خبراً، بل على جعله متعلِّقاً بنفس البغي، والخبرُ محذوفٌ ؛ لطول الكلام، والتقدير : إنَّما بغيكم على أنفسكم، متاع الحياة مذمومٌ، أو مكروهٌ، أو مَنْهيٌّ عنه.
وقرأ باقي السبعة " مَتَاعُ " بالرفع - وفيه أوجه :
أظهرها : أنَّه خبرُ " بَغْيُكُمْ "، و " عَلَى أنفُسِكُمْ " : متعلقٌ بالبغي.
ويجُوزُ أن يكون " عليكم " خبراً، و " مَتَاعُ " خبراً ثانياً.
ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوفٍ، أي : هو متاع كقوله : لَمْ يلبثوا إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلاَغٌ [ الأحقاف : ٣٥ ]. أي : هذا بلاغٌ.
وقرأ ابن أبي إسحاق٧، " مَتَاعاً الحياةَ " بنصب " مَتَاعاً " و " الحَيَاة "، ف " مَتَاعاً " : على ما تقدَّم، وأمَّا " الحَيَاة " : فيجُوزُ أن تكون مفعولاً بها، والنَّاصِبُ لها المصدر، ولا يجوزُ والحالةُ هذه، أن يكون " مَتَاعاً " مصدراً مؤكداً ؛ لأنّ المؤكِّد لا يعمل. ويجُوزُ أن تنتصب " الحَيَاة " على البدل من " مَتَاعاً " لأنها مشتملةٌ عليه، وقرئ٨ أيضاً :" مَتاعِ الحياة "، بجرِّ " متاع "، وخُرِّجت على النَّعت لأنفسكم، ولا بُدَّ من حذف مضافٍ حينئذٍ، تقديره : على أنفسكم ذوات متاع الحياة، كذا خرَّجهُ بعضهم، ويجُوزُ أن يكون ممَّا حذف منه حرفُ الجَرّ، وبقي عمله، أي : إنَّما بَغْيُكم على أنفسكم ؛ لأجل متاع، ويدلُّ على ذلك ؛ قراءةُ النَّصْب في وجه من يجعله مفعولاً من أ
٢ انظر المصدر السابق..
٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٥٤٥)..
٤ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٥٤٥)..
٥ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٣/٥٥٤) وعزاه إلى أبي الشيخ عن مكحول..
٦ ينظر: السبعة ص (٣٣٥)، الحجة ٤/٢٢٦، حجة القراءات ص (٣٣٠)، إعراب القراءات ١/٢٦٦، إتحاف فضلاء البشر ٢/١٠٧..
٧ ينظر: المحرر الوجيز ٣/١١٣، البحر المحيط ٥/١٤٣، الدر المصون ٤/١٩..
٨ ينظر: البحر المحيط ٥/١٤٣، الدر المصون ٤/١٩..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود