ثم يجيء الحق سبحانه بصيغة دعائهم : لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين . فهل وفوا بالعهد ؟ لا ؛ لأن الحق سبحانه يقول بعد ذلك : فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون( ٢٣ ) :
وبعد أن أنجاهم الحق سبحانه مباشرة تأتي " إذا " الفجائية لتوضح لنا أنهم لم ينتظروا إلى أن يستردوا أنفسهم، أو تمر فترة زمنية بينهم وبين الدعاء، وتحقق نتيجة الضراعة، لا، بل بغوا( (١) )-على الفور- في الأرض فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق .
والبغي : هو تجاوز الحد في الظلم وهو إفساد ؛ لأن الإنسان إذا ما أخرج أي شيء عن صلاحه، يقال :" بغي عليه "، فإن حفرت طريقا ممهدا ؛ فهذا إفساد، وإن ألقين بنفاية( (٢) ) في بئر يشرب منه الناس ؛ فهذا إفساد وبغي، وأي شيء قائم على الصلاح فتخرجه عن مهمته وتطرأ عليه بما يفسده ؛ فهذا بغي.
والبغي : أعلى مراتب الظلم ؛ لأن الحق سبحانه هو القائل : إن قارون كان منة قوم موسى فبغى عليهم.. ( ٧٦ ) [ القصص ].
ويعطينا رسول الله صلى الله عليه وسلم صورة البغي الممثلة في الاعتداء بالفساد على الأمر الصالح، فيقول صلى الله عليه وسلم :" أسرع الخير ثوابا : البر وصلة الرحم، وأسرع الشر عقوبة : البغي وقطيعة الرحم " ( (٣) ).
والحق سبحانه لا يؤخر عقاب البغي وقطيعة الرحم على الآخرة، بل يعاقب عليهما في الدنيا ؛ حتى يتوازن المجتمع ؛ لأنك إن رأيت ظالما يحيا في رضا ورخاء ثم يموت بخير، فكل من يراه ويعلم ظلمه ولم يجد له عقابا في الدنيا، سوف يستشري في الظلم.
ولذلك تجد أن عقاب الله تعالى لمثل هذا الظالم في الدنيا وأن يرى الناس نهايته السيئة، وحين يرى الناس ذلك يتعظون ؛ فلا يظلمون، وهذا ما يحقق التوازن في المجتمع.
وإلا فلو ترك الله سبحانه الأمر لجزاء الآخرة ؛ لشقي المجتمع بمن لا يؤمنون بالآخرة ويحترفون البغي ؛ ولذلك يرى الناس عذابهم في الدنيا، ثم يكون لهم موقعهم من النار في الآخرة.
ويقول صلى الله عليه وسلم محذرا :" لا تبغ، ولا تكن باغيا " ( (٤) ). فالباغي إنما يصنع خللا في توازن المجتمع. والذي يبغي إنما يأخذ حق الغير، ليستمتع بناتج من غير كده وعمله، ويتحول إلى إنسان يحترف فرض الإتاوات( (٥) ) على الناس، ويكسل عن أي عمل غير ذلك. وأنت ترى ذلك في أبسط المواقع والأحياء، حين يحترف بعض ممن يغترون بقوتهم الجسدية، وقد تحولوا إلى ( فتوات ) ( (٦) ) يستأجرهم البعض لإيذاء الآخرين، والواحد من هؤلاء إنما احترف الأكل من غير بذل جهد في عمل شريف.
والبغي-إذن- هو عمل من يفسد على الناس حركة الحياة ؛ لأن من يقع عليهم ظلم البغي، إنما يزهدون في الكد والعمل الشريف الطاهر. وإذا ما زهد الناس في الكد والعمل الشريف ؛ تعطلت حركة الحياة، وتعطلت مصالح البشر، بل إن مصالح الظالم نفسها تتعطل ؛ ولذلك قال الحق سبحانه : إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق.. ( ٢٣ ) [ يونس ] : ولقائل أن يسأل : هل هناك بغي بحق ؟
أقول : نعم ؛ لأن البغي اعتداء على الصالح بإفساد. وأنت ساعة ترى إنسانا يفسد الشيء الصالح، فتسأله : لماذا تفعل ذلك ؛ وقد يجيبك بأن غرضه هو الإصلاح، ويعدد لك أسبابا لهذا البغي، فهذا بغي بحق، أما عن كان بغيا بدون سبب شرعي فهذا هو البغي، بل قمته.
ومثال البغي بحق، أقول : ألم يستول النبي صلى الله عليه وسلم على أرض " بنى قريظة "، وأحرق زرعهم وقطع الأشجار في أراضيهم، وهدم دورهم ؟ أليس في ذلك اعتداء على الصالح ؟.
لقد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ؛ لأنه رد على عدوان أقسى من ذلك. وهكذا نرى أن هناك بغيا بحق، وبغيا بغير حق. ولذلك يسمى الله جزاء السيئة سيئة مثلها( (٧) )، ويقول سبحانه : فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه( ١٩٤ ) [ البقرة ] : ويسميه الحق سبحانه " اعتداء " رغم أنه ليس اعتداء، بل رد الاعتداء.
ويطلقها الحق سبحانه وتعالى قضية تظل إلى الأبد بعد ما تقدم، فيقول : يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا( ٢٣ ) [ يونس ] : وهنا يبين الله سبحانه وتعالى وكأنه يخاطب الباغي : يا من تريد أن تأخذ حق غيرك، اعلم أن قصارى( (٨) ) ما يعطيك أخذ هذا الحق هو بعض من متاع الدنيا، ثم تجازى من بعد ذلك بنار أبدية( (٩) ).
وأنت إن قارنت زمن المتعة المغتصبة الناتجة عن البغي بزمن العقاب عليها ؛ لوجدت أن المتعة رخيصة هينة بالنسبة إلى العقاب الذي سوف تناله عليها ولا تأخذ عمرك في الدنيا قياسا على عمر الدنيا نفسها ؛ لأن الحق سبحانه قد يشاء أن يجعل عمر الدنيا عشرين مليونا من السنوات، لكن عمرك فيها محدود.
فاربأوا( (١٠) ) على أنفسكم وافهموا إن متاع الدنيا قليل، إن كان هذا المتاع نتيجة ظلمكم لأنفسكم ؛ لأن نتيجة هذا الظلم إنما تقع عليكم ؛ لأن مقتضى ما يعطيكم هذا الظلم من المتعة والنعمة هو أمر محدود بحياتكم في الدنيا، وحياتكم فيها محدودة، ولا يظن الواحد أن عمره هو عمر البشرية في الدنيا، ولكن ليقس كل واحد منكم عمره في الدنيا وهو محدود.
ولذلك يقول الحق سبحانه في آية أخرى : قل متاع الدنيا قليل.. ( ٧٧ ) [ النساء ] : وهنا يؤكد الحق سبحانه : إنما بغيكم على أنفسكم ( ٢٣ ) [ يونس ].
وقد يتمثل جزاء البغي في أن يشاء الحق سبحانه ألا يموت الظالم إلا بعد أن يرى مظلومه في خير مما أخذ منه ؛ ولذلك أقول دائما : لو علم الظالم ما ادخره الله للمظلوم من الخير ؛ لضن عليه بالظلم.
وعلى فرض أن الظالم يتمتع بظلمه وهو متاع الدنيا القليل، نجد الحق سبحانه يقول : ثم إلينا مرجعكم.. ( ٢٣ ) [ يونس ].
وحين نرجع إلى الله تعالى فلا ظلم أبدا ؛ لأن أحدكم لن يظلم أو يظلم فكل منكم سوف يلقى ما ينبئه به الله سبحانه إن ثوابا أو عقابا ؛ مصدقا لقوله الحق : ثم إلينا مرجعكم فننبئكم( (١١) ) بما كنتم تعملون( ٢٣ ) [ يونس ] : وقد جاء الخبر عن نبأ الجزاء من قبل أن يقع ؛ ليعلم الجميع أن لكل فعل مقابلا من ثواب أو عقاب، كما أن في ذكر النبأ مقدما تقريعا لمن يظلمون أنفسهم بالبغي.
٢ نفاية الشيء: بقيته وأردؤه. والنفاية: ما نفيته من الشيء لردائته. والمراد بالنفاية هنا: الفضلات وكل ما من شأنه تلويث الشيء وإفساده.[اللسان: مادة (نفى). بتصرف]..
٣ أخرجه ابن ماجه في سننه(٤٢١٢) وابن عدي في الكامل (٤/٧٠)ط. دار الفكر، والذهبي في ميزان الاعتدال (ت٣٨٣١) من حديث عائشة، كلاهما في ترجمة صالح بن موسى الطلحي، وهو كوفي ضعيف. وقال ابن عدي: لا يتعمد الكذب. وسياق نص الحديث يؤخذ به..
٤ أخرجه الحاكم في مستدركه على الصحيحين(٢/٣٣٨) عن أبي بكرة، وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وأقره الذهبي..
٥ إتاوات: جمع إتاوة وهي قدر من المال يدفع غصبا وإجبارا-بدون وجه حق- إلى ذوي السطوة والتسلط. وهي تشبه المكوس..
٦ هذا لفظ يستعمله الناس لكل إنسان منحرف ليتخذ من قوته تهديدا للأمن والسطو على ممتلكات الناس وتخويف الناس. وفي لغة العرب: الفتى: هو الشاب القوي والفتى: العبد، وجمعه على القلة فتية. وفي الكثرة فتيان، والأمة: فتاة، وجمعها فتيات. والفتوة عرفت عند العرب بأهل النجدة والعون والاحتساب، ولكن هذه الكلمة أطلقت على كل منحرف ومحترف الإفساد..
٧ وذلك في نحو قوله تعالى}وجزاء سيئة سيئة مثلها..(٤٠)}[الشورى]. وهذا من قبيل المشاكلة، وهو مصطلح بلاغي مؤداه ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته، فالجزاء هنا حق لا يوصف بأنه سيئة، ولكنه سمى هكذا لمشاكلته لما معه. انظر (الإتقان في علوم القرآن ٣/٢٨١)..
٨ قصارى الشيء: آخره وغايته وهي من معنى القصر، أي: الحبس؛ لأنك إذا بلغت الغاية حسبتك.[اللسان: مادة (قصر)-بتصرف]..
٩ ومن أمثلة الغصب والبغي بغير الحق ما رواه ابن مسعود قال: قلت يا رسول الله، أي الظلم أعظم؟ قال: ذراع منن الأرض ينتقصها المرء المسلم من حق أخيه، فليبس حصاة من الأرض يأخذها أحد إلا طوقها يوم القيامة إلى قعر الأرض، ولا يعلم قعرها إلا الذي خلقها. أخرجه أحمد في مسنده (١/٣٩٦) والطبراني في معجمه الكبير (١٠/٢٦٦). قال الهيثمي في المجمع (٤/١٧٤):"إسناد أحمد حسن"..
١٠ اربأوا على أنفسكم: حافظوا عليها وأبعدوها عن كل ما من شأنه أن يجلب لها العذاب في الآخرة. وفي الحديث:"مثلي ومثلكم كرجل ذهب يربأ أهله" أي: يحفظهم من عدوهم.[اللسان مادة (ربأ)]..
١١ الأنباء: الأخبار الهامة. قال الحق:تلك القرى نقص عليك من أنبائها..(١٠١)[الأعراف] وقال:لكل نبأ مستقر..(٦٧)[الأنعام]. أي: لكل خبر عام وقت أو مكان يقع فيه في المستقبل أو في الماضي. ونبأه مثقل أنبأه. والتضعيف يفيد المبالغة والتكرار. قال الحق:وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون..(١٤)[المائدة]- القاموس القويم ج ٢ ص ٢٥١، ٢٥٠..
تفسير الشعراوي
الشعراوي