٥- البغي من منكرات المعاصي، قال ابن عباس: لو بغى جبل على جبل، لاندك الباغي. والبغي يغلب استعماله في غير الحق، ولا يكون بحق غالبا، ولكن قد يكون بحق كحال تنفيذ القصاص، وحالة الضرورات الحربية وما يتطلبه الجهاد لتحقيق الغلبة والنصر.
٦- عاقبة البغي يتحمل وزرها الباغي نفسه، سواء في الدنيا بالعقاب العاجل أو الآجل، أو في الآخرة.
مثل الحياة الدنيا في سرعة زوالها وفنائها
[سورة يونس (١٠) : آية ٢٤]
إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلاً أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤)
الإعراب:
وَازَّيَّنَتْ فعل ماض، أصله: تزينت، فأدغمت التاء في الزاي بعد قلبها زايا، وقلبت التاء زايا ولم تقلب الزاي تاء لأن فيها زيادة صوت وهي من حروف الصفير. فَجَعَلْناها حَصِيداً مفعول به أول وثان.
كَأَنْ مخففة من الثقيلة، أي كأنها.
البلاغة:
أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها استعارة، شبه الأرض حينما تتزين بالنبات والأعشاب والأزهار، بالعروس المزينة بالحلي والثياب، ثم حذف المشبه به وأشير إلى شيء من لوازمه وهو الزخرف على سبيل الاستعارة المكنية.
أَتاها أَمْرُنا كناية عن العذاب والدمار.
المفردات اللغوية:
مَثَلُ صفة عجيبة تشبه المثل في الغرابة، ومَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا: أي حالها العجيبة في سرعة انقضائها وذهاب نعيمها، بعد إقبالها واغترار الناس بها كَماءٍ مطر فَاخْتَلَطَ بِهِ أي فاشتبك بسببه حتى خالط بعضه بعضا مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ من الزروع والقبول وغيرها وَالْأَنْعامُ من الحشيش زُخْرُفَها بهجتها من النبات، والزخرف: كمال حسن الشيء وَازَّيَّنَتْ بالزهر وغيره من النباتات، أي صارت ذات زينة أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها متمكنون من حصدها وتحصيل ثمارها وجني غلتها أَتاها أَمْرُنا قضاؤنا أو عذابنا، فاجتاح زرعها فَجَعَلْناها جعلنا زرعها حَصِيداً كالمحصود أو المقطوع بالمناجل لا شيء فيها كَأَنْ لَمْ تَغْنَ أي كأن لم يغن زرعها، أي لم يلبث فلم تكن عامرة، يقال: غني بالمكان: أقام به وعمره.
بِالْأَمْسِ فيما قبله، وهو مثل في الوقت القريب، والمراد هنا زوال خضرة النبات فجأة وذهابه حطاما بعد ما كان غضا لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ فإنهم المنتفعون به.
المناسبة:
ذكر الله تعالى في الآية السابقة: إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ ولما كان سبب بغي الناس هو حرصهم على الدنيا وإفراطهم في التمتع بنعيمها، أتبعه بهذا المثل العجيب لمن يبغي في الأرض ويغتر بالدنيا، ويعرض عن الآخرة، فكأن الدنيا أرض سقيت ماء، فأنبتت وأزهرت وأثمرت، وحان وقت الحصاد، ثم لم تلبث أن أصابتها فجأة جائحة، فاستأصلتها.
وقد تكرر هذا التشبيه والمثل في القرآن كثيرا، كقوله تعالى: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ، ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا، ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً، وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ، وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ، وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ [الحديد ٥٧/ ٢٠].
التفسير والبيان:
هذا مثل ضربه الله تعالى للحياة الدنيا في سرعة انقضائها وزوال بهجتها ونعيمها، وهو أن صفة الحياة الدنيا العجيبة كالنبات الذي أخرجه الله من الأرض بماء المطر المنزل من السماء، فإذا هطل على الأرض أنبت نباتات شتى تشابكت واختلط بعضها ببعض، منها ما يأكله الناس من زروع وحبوب وثمار، على اختلاف أنواعها وأصنافها، ومنها ما تأكله الأنعام من أقوات ومراع وغير ذلك.
وقوله: فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ أي اختلط بالماء نبات الأرض.
حتى إذا اكتمل نمو النبات وازدهر، وأَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها أي حسنها وزينتها الفانية، وَازَّيَّنَتْ بأبهى أنواع الزينة، أي تزينت وحسنت بما خرج في رباها ووهادها من زهور نضرة مختلفة الأشكال والألوان وحبوب وثمار، وَظَنَّ أي أيقن أهلها الذين زرعوها وغرسوها، أنهم متمكنون قادرون من جذاذها وحصادها والانتفاع بها، فبينما هم كذلك إذ جاءتها صاعقة أو ريح شديدة باردة، فأيبست أوراقها وأتلفت ثمارها. ويلاحظ أنه أخبر عن الأرض وأراد النبات إذ كان مفهوما، وهو منها.
وهو معنى قوله: أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً.. أي نزل بها قضاؤنا المقدر لهلاكها ليلا أو نهارا، فجعلناها كالأرض المحصودة، يابسة بعد الخضرة والنضارة، كأن لم تنبت، وكأنها ما كانت حينا قبل ذلك، وهكذا الأمور بعد زوالها كأنها لم تكن، كما قال تعالى: أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ. أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ [الأعراف ٧/ ٩٧- ٩٨] وقال تعالى إخبارا عن المهلكين: فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ، كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها [هود ١١/ ٦٧- ٦٨]
وجاء في الحديث الذي أخرجه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه عن أنس: «يؤتي بأنعم أهل الدنيا، فيغمس في النار غمسة، فيقال له: هل رأيت خيرا
قط؟ هل مرّ بك نعيم قط؟ فيقول: لا، ويؤتى بأشد الناس عذابا في الدنيا، فيغمس في النعيم غمسة، ثم يقال له: هل رأيت بؤسا قط؟ فيقول: لا».
ثم قال تعالى: كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ أي كهذا المثل المبين الذي يوضح حال الدنيا وسرعة زوالها، نبين الحجج والأدلة الدالة على إثبات التوحيد والجزاء وكل ما فيه صلاح الناس في معاشهم ومعادهم، لقوم يتفكرون في آيات الله أي يستعملون تفكيرهم وعقولهم في الاتعاظ والاعتبار بهذا المثل في زوال الدنيا عن أهلها زوالا سريعا، مع اغترارهم بها، وتمكنهم من خيراتها، فإن من طبعها الهرب ممن طلبها، والطلب لمن هرب منها.
وتشبيه الدنيا بنبات الأرض كثير في كتاب الله، مثل الآية السابقة في سورة الحديد، ومثل آية الكهف: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ، فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ، فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ، وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً [٤٥] وآية الزمر: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً، فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ، ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ، ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا، ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً، إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ [٢١].
فقه الحياة أو الأحكام:
أفادت الآية أن الحياة الدنيا سريعة الزوال والانقضاء، وأن معيشة الناس والأنعام تعتمد على خيرات الأرض، وأن الإنسان عاجز ضعيف أمام قدرة الله وسلطانه، وأن مراد الله وأمره بشيء كالعذاب والهلاك هو النافذ، وأنه تعالى يبين الآيات والأمثال لمن يستخدم تفكيره وعقله فيها، فإن عاقبة هذه الحياة الدنيا كعاقبة هذا النبات الذي تعلقت الآمال بالانتفاع به، فحين عظم الرجاء بالمنفعة وقع اليأس منها.
والمقصود من الآية ألا يعتمد المرء على نعيم الدنيا بنحو دائم، وألا يغتر
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي