(إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ).
صفحة رقم 3548
ْهذا تشبيه تمثيلي جار مجرى الأمثال، كما قال تعالى: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (٤٥).
شبه حال الدنيا في سرعة انقضائها وانخداع المغرور بها، كزرع نبت في الأرض من اختلاط ماء السماء بها وسريانه في نباتها حتى إذا أخذت زخرفها ولمعت لمعان الذهب وازينت بالغروس من كل لون، وفرحوا بها وظنوا أنهم تمكنوا فيها - أتاها أمر اللَّه فأزال زرعها بوباء أو بآفة فصارت كأنها قد حصدت بمنجل، وأصبحت قفرا خاليا كأن لم يكن فيها زرع نبت ردحا من الزمان، وهذا مثلهم في الدنيا لَا يبقى لهم منها إلا الحسرة والندامة، مثل ما بقي من الزرع الذي فني حيث يرتقبون منه الانتفاع.
هذه خلاصة التمثيل القرآني وما نحسب أننا وصلنا إلى غاية بيانه فله إشارات بيانية نَعْيَا عن بلوغها، وأطياف نورانية يعيا المصور عن تصويرها. (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاهِ الدُّنْيَا) أي حالها في سرعة انقضائها وقت زينتها والاغترار بها.
(إِنَّمَا) دالة على القصر، وخصصت بهذا الحال لبيان حقيقتها، وهي أنها فانية عند ازدهارها، أي ليست بها صورة بقاء قط إنما حقيقتها الفناء.
(كمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ) قصد بالسماء هنا ما علا الأرض وأحاط بها، والماء هو المطر وقد يكون عينا تنبت الزرع والكلأ وغراس الأرض.
(فَاخْتَلَطَ) هناك قراءة بالوقف عليها، والمعنى أنه نزل على الأرض ماء اختلط بترابها فأخصبه للزرع والنبات وإثمار الغراس، وقوله تعالى بعد ذلك: (مِمَّا يَأْكُلُ النَّاس وَالأَنْعَام) (من) بيانية، لبيان نتيجة الاختلاط.
والقراءة الأخرى بغير وقف عند " فاختلط " فيكون المعنى هو الاختلاط بنبات الأرض دلالة على أن البذر يلقى في الأرض ويرجى من اللَّه إثمارها، ويكون اسم النبات قد استعمل فيما هو إضافة باعتبار ما يكون، وتلك علاقة من علاقات المجاز المرسل كأن يسمى العنب خمرا باعتبار ما يكون، كقوله تعالى في منام أحد صاحبي يوسف عليه. السلام (... إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا...). (مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ) لبيان نعم اللَّه وتوفيره الغذاء للناس والأنعام، وفى جمعهما معا إشارة إلى أن الدنيا لهم وللأنعام وفضلهم عنها بأنهم يعقلون فلا ينبغي الاغترار بالدنيا وأن يعرفوا ما وراء هذه الحياة وأنهم لم يخلقوا عبثا، كما قال تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ).
وأشار سبحانه إلى أسباب الاغترار بالدنيا وذكر أن ما يسبب الاغترار سريع الزوال، لَا يوجد إلا ليزول كالبرق لَا يلمع إلا ليختفي.
(حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ).
(زُخْرُفَهَا) الزخرف كمال الحسن، وقيل للذهب زخرف؛ لأنه بلمعانه وزينته يكون كمال الحسن. (وَازَّيَّنَتْ) أي تزينت، وأُعِلَّت فقلبت التاء زايا، وكان الإدغام، ثم كانت همزة للتوصل بها إلى النطق بالساكن، وقرئ (تزينت) من غير إعلال والمعنى واحد، أي إذا كان ذلك (وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرونَ عَلَيْهَا) أي متمكنون، وقال العلماء أن الظن هنا بمعنى العلم في زعمهم، ولكن لأنه غرور وضلال عُبر عنه بالظن.
وجملة القول أنهم لما رأوا بريق الزخرف والزينة بالخضرة النضرة وحسن تنسيق الخالق، والحياة المملوءة بها السوق والعيدان وجمالها، ثم فوق ذلك الأمل
المأمول من ترقب الغلات، فُوجئوا بأمر اللَّه المكتوب وقدره المحتوم، وأضاف الأمر إليه سبحانه لبيان أنه لَا يقبل التخلف قط.
(أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا) أتاها ذلك ليلا وهم نائمون، أو نهارا وهم قائمون، فأصابتها ريح حطمتها أو آفة أكلتها.
(فَجَعَلْنَاهَاحَصِيدًا) الحصيد فعيل بمعنى مفعول، أي جعلناها كأنها محصودة بآلة الحصاد وصارت الأرض كأن لم يكن فيها زرع ولا حشائش مما جمل الناس والأنعام. (كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ) أي كأن لم يكن فيها شيء في الزمن القريب (الأمس) ولا مانع أن تدل على الأمس القريب. (كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) أي كذلك التمثيل نفصل الآيات فنبينها لقوم يتدبرون.
هذه دار الفناء وقد قابلها سبحانه بدار البقاء التي أعدها للمتقين.
زهرة التفاسير
محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة