إن ربكم الذي خلق السماوات والأرض التي هي أصول الممكنات في ستة أيام من أيام الدنيا أي في قدرها ولو شاء لخلقهن في لمحة وإنما فعل ذلك لتعليم خلقه التثبيت ثم استوى على العرش أجمع أهل السنة من الخلف والسلف على أن الله تعالى منزه عن صفات الأجسام وصفات الحدوث، فلهم في هذه الآية وأمثالها سبيلان : أحدهما : تأويلهما بما يليق به تعالى بناء على عطف قوله تعالى : والراسخون في العلم ١ على اسم الله في قوله تعالى وما يعلم تأويله إلا الله ٢، وقد مر البحث عليه في سورة آل عمران، فقالوا معنى استوى استولى على العرش الذي هو أعظم المخلوقات ومحدد الجهات وذا يستلزم استيلاءه تعالى على جميع الخلائق، وأسند البغوي تأويله الاستواء بالاستيلاء إلى المعجزة وكلام السلف الصالح يأبى عن سبيل التأويل بل المختار عندهم الإيمان بتلك الآيات وتفويض علمه إلى الله تعالى والتحاشي عن البحث عنه، قال : محمد بن الحسن اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاءت بها الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة الرب رضي الله عنه من غير تفسير ولا وصف ولا شبهة، فمن فسر شيئا من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وفارق الجماعة، وقال مالك بن انس الكيف غير مفعول والاستواء غير مجهول والسؤال عنه بدعة فبناء على هذا السبيل نقل عن السلف القول باستوائه تعالى على العرش مع قولهم بالتنزيه الصرف قال أبو حنيفة " إن الله في السماء دون الأرض " رواه البيهقي، وروى عنه من قال : لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض فقد كفر لأن الله يقول الرحمان على العرش استوى ٥ ٣ وعرشه فوق سمواته وروي عنه انه قال : من أنكر الله في السماء فقد كفر، وقال الشافعي إن الله على عرشه في سمائه يقرب من خلقه كيف شاء وينزل كيف شاء، ومثل ذلك قال : أحمد بن حنبل، وقال إسحاق بن راهويه إنه اجمع أهل العلم أنه فوق العرش استوى و يعلم كل شيء وهو قول المزني والذهبي والبخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجة وابن أبي شيبة وأبو يعلى و البيهقي وغيرهم من أئمة الحديث، وقال أبو زرعة الرازي ما ينبئ عن إجماع أهل السنة على ذلك، وقال عثمان بن سعيد الدرامي الحافظ اتفقت الكلمة بين المسلمين أن الله فوق عرشه فوق سمواته، وقال سهل بن عبد الله التستري لا يجوز لمؤمن أن يقول كيف الاستواء لمن خلق الاستواء ولنا عليه الرضاء والتسليم لقول النبي صلى الله عليه وسلم أنه تعالى على العرش، وقال محمد بن جرير حسب امرئ أن يعلم أن ربه الذي على العرش استوى يجاوز ذلك فقد خاب وخسر، وقال ابن خزيمة من لم يقر ان الله على عرشه استوى فوق سبع سمواته بائن من خلقه فقد كفر فيستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه، وقال الطحاوي العرش والكرسي كما بين في كتابه هو مستغن عن العرش وما دونه محيط بكل شيء وفوقه، وقال الشيخ أبو الأشعري البصري المتكلم في كتاب اختلاف المضلين ومقالات الإسلاميين مقالة أهل السنة وأصحاب الحديث جملة قولهم الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله وبما جاء عن الله وما رواه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يردون من ذلك شيئا، وان الله على عرشه كما قال : الرحمان على العرش استوى ٥ ، وله يدان بلا كيف كما قال : خلقت بيدي ٤، وقال أبو نعيم في الحلية طريقتنا طريقة السلف المتتبعين الكتاب والسنة وإجماع الأمة وما اعتقدوه أن الله لم يزل كاملا بجميع صفاته إلى أن قال : وإن الأحاديث التي ثبتت في العرش والاستواء عليه يقولون بها ويثبتونها من غير تكيف ولا تمثيل وانه بائن من خلقه، وقال ابن عبد البر إن الله في السماء على العرش من فوق سبع سماوات كما قالت الجماعة، وقال الخطيب مذهب السلف إثباتها وإجراؤها على ظواهرها ونفي الكيفية والتشبيه عنها، وقال إمام الحرمين والذي يرضيه دينا وتدين الله به عقيدة إتباع سلف الأمة وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل وإجراء الظواهر على مواردها وتفويض معانيها إلى الله، وقال البغوي أما أهل السنة فيقولون الاستواء على العرش صفة الله بلا كيف يجب الإيمان به قال : البيضاوي معناه أن له استواء على الوجه الذي عناه منزها عن الاستقرار والتمكن، وقال أبو بكر علي بن عيسى الشبلي أعلم الصوفية في زمانه الرب في السماء يقضي ويمضي، وقال شيخ الإسلام عبد الله الأنصاري في أخبار شتى أن الله في السماء السابعة على العرش، وللشيخ عبد القادر الجيلاني في الباب كلام كثير في الغنيمة هذه الأقوال كلها ذكرها الذهبي في كتاب العلو وذكر هذا المذهب عن جماعة كثيرة من أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن دونهم من الفقهاء والمحدثين والصوفية يطول الكلام بذكرهم وقد ذكرت هذه المسألة مختصرا في سورة الأعراف في تفسير قوله تعالى ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار ٥ وقد ذكرنا في سورة البقرة في تفسيره قوله تعالى يأتيهم الله في ظلل من الغمام ٦ ما قال : أصحاب القلوب : من تجليات الله تعالى في بعض مخلوقاته برقيات ودائميات غير مستدعيات حدوث أمر في ذاته تعالى وكونه محلا للحوادث، ولا تنزلا له سبحانه عن مرتبة التنزيه الصرف بل مبنيات على حدوث أمر في الممكن حتى يصير صالحا لذلك التجلي، وأيضا ذكرنا مسألة التجلي على قلب المؤمن والكعبة الحسناء والعرش العظيم في تلك السورة في تفسير قوله تعالى ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات ٧فليرجع إليها من غفل عنهما يدبر الأمر التدبير النظر إلى أدبار الأمور حتى يأتي محمودة العاقبة، يعني يقدر أمر الكائنات على ما يقتضه الحكمة ما من شفيع يشفع لأحد إلا من بعد إذنه تقرير لعظمة وعزة جلاله، ورد على النضر بن الحارث حيث قال : إذا كان يوم القيامة يشفعني اللات و العزى، وفيه إشارة إلى ثبوت الشفاعة لمن أذن له ذلكم أي : الموصوف بتلك الصفات المقتضية للألوهية الله مبتدأ وخبر لا يشركه احد في شيء من ذلك فاعبدوه دون غيره من إنسان أو ملك فضلا عن جماد لا يضر ولا ينفع أفلا تذكرون١٥٥ تتفكرون أدنى تفكر فيظهر لكم أنه المستحق للعبادة دون غيره مما تعبدون.
٢ سورة آل عمران، الآية: ٧..
٣ سورة طه، الآية: ٥.
٤ سورة ص، الآية ٧٥..
٥ سورة الأعراف، الآية: ٢١٠..
٦ سورة البقرة، الآية ٢١٠. ما قال: أصحاب القلوب: من تجليات الله تعالى في بعض مخلوقاته برقيات ودائميات.
٧ سورة البقرة، الآية ٢٩..
التفسير المظهري
المظهري