تَعَلَّمَ السِّحْرَ أَوْ تَعَلَّمَ الْعُلُومَ الْكَثِيرَةَ مِنْهُمْ فَقَدَرَ عَلَى الْإِتْيَانِ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، كَانَ حَمْلُ الْقُرْآنِ عَلَى السِّحْرِ كَلَامًا فِي غَايَةِ الْفَسَادِ، فَلِهَذَا السَّبَبِ ترك جوابه.
[سورة يونس (١٠) : آية ٣]
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٣)
[في قَوْلُهُ تَعَالَى إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ] اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا حَكَى عَنِ الْكُفَّارِ أَنَّهُمْ تَعَجَّبُوا مِنَ الْوَحْيِ وَالْبَعْثَةِ وَالرِّسَالَةِ، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى أَزَالَ ذَلِكَ التَّعَجُّبَ بِأَنَّهُ لَا يَبْعُدُ الْبَتَّةَ فِي أَنْ يَبْعَثَ خَالِقُ الْخَلْقِ إِلَيْهِمْ رَسُولًا يُبَشِّرُهُمْ عَلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ بِالثَّوَابِ، وَعَلَى الْأَعْمَالِ الْبَاطِلَةِ الْفَاسِدَةِ بِالْعِقَابِ، كَانَ هَذَا الْجَوَابُ إِنَّمَا يَتِمُّ وَيَكْمُلُ بِإِثْبَاتِ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِثْبَاتُ أَنَّ لِهَذَا الْعَالَمِ إِلَهًا قَاهِرًا قَادِرًا نافذا الْحُكْمِ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالتَّكْلِيفِ وَالثَّانِي: إِثْبَاتُ الْحَشْرِ وَالنَّشْرِ وَالْبَعْثِ وَالْقِيَامَةِ، حَتَّى يَحْصُلَ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ اللَّذَانِ أَخْبَرَ الْأَنْبِيَاءُ عَنْ حُصُولِهِمَا، فَلَا جَرَمَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ ذَكَرَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَا يَدُلُّ عَلَى تَحْقِيقِ هَذَيْنِ الْمَطْلُوبَيْنِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ: وَهُوَ إِثْبَاتُ الْإِلَهِيَّةِ، فَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ.
وَأَمَّا الثَّانِي: وَهُوَ إِثْبَاتُ الْمَعَادِ وَالْحَشْرِ وَالنَّشْرِ فَبِقَوْلِهِ: إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا [يُونُسَ:
٤] فَثَبَتَ أَنَّ هَذَا التَّرْتِيبَ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ، وَنِهَايَةِ الْكَمَالِ. وَفِي الْآيَةِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَدْ ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَفِي الْكُتُبِ الْعَقْلِيَّةِ أَنَّ الدَّلِيلَ الدَّالَّ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ تَعَالَى، إِمَّا الْإِمْكَانُ وَإِمَّا الْحُدُوثُ وَكِلَاهُمَا إِمَّا فِي الذَّوَاتِ وَإِمَّا فِي الصِّفَاتِ، فَيَكُونُ مَجْمُوعُ الطُّرُقِ الدَّالَّةِ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ أَرْبَعَةً، وَهِيَ إِمْكَانُ الذَّوَاتِ، وَإِمْكَانُ الصِّفَاتِ، وَحُدُوثُ الذَّوَاتِ، وَحُدُوثُ الصِّفَاتِ وَهَذِهِ الْأَرْبَعَةُ مُعْتَبَرَةٌ تَارَةً فِي الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ وهو عالم السموات وَالْكَوَاكِبِ، وَتَارَةً فِي الْعَالَمِ السُّفْلِيِّ، وَالْأَغْلَبُ مِنَ الدَّلَائِلِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ التَّمَسُّكُ بِإِمْكَانِ الصِّفَاتِ وَحُدُوثِهَا تَارَةً فِي أَحْوَالِ الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ، وَتَارَةً فِي أَحْوَالِ الْعَالَمِ السُّفْلِيِّ، وَالْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ هُوَ التَّمَسُّكُ بِإِمْكَانِ الْأَجْرَامِ الْعُلْوِيَّةِ فِي مَقَادِيرِهَا وَصِفَاتِهَا، وَتَقْرِيرُهُ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ أَجْرَامَ الْأَفْلَاكِ لَا شَكَّ أَنَّهَا مُرَكَّبَةٌ مِنَ الْأَجْزَاءِ الَّتِي لَا تَتَجَزَّى، وَمَتَى كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ كَانَتْ لَا مَحَالَةَ مُحْتَاجَةً إِلَى الْخَالِقِ وَالْمُقَدِّرِ.
أَمَّا بَيَانُ الْمَقَامِ الْأَوَّلِ: فَهُوَ أَنَّ أَجْرَامَ الْأَفْلَاكِ لَا شَكَّ أَنَّهَا قَابِلَةٌ لِلْقِسْمَةِ الْوَهْمِيَّةِ، وَقَدْ دَلَّلْنَا فِي الْكُتُبِ الْعَقْلِيَّةِ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ قَابِلًا لِلْقِسْمَةِ الْوَهْمِيَّةِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مُرَكَّبًا مِنَ الْأَجْزَاءِ وَالْأَبْعَاضِ وَدَلَّلْنَا عَلَى أَنَّ الَّذِي تَقُولُهُ الْفَلَاسِفَةُ مِنْ أَنَّ الْجِسْمَ قَابِلٌ لِلْقِسْمَةِ، وَلَكِنَّهُ يَكُونُ فِي نَفْسِهِ شَيْئًا وَاحِدًا كَلَامٌ فَاسِدٌ بَاطِلٌ فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ أَجْرَامَ الْأَفْلَاكِ مُرَكَّبَةٌ مِنَ الْأَجْزَاءِ الَّتِي لَا تَتَجَزَّى، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا وَجَبَ افْتِقَارُهَا إِلَى خَالِقٍ وَمُقَدِّرٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا لَمَّا تَرَكَّبَتْ فَقَدْ وَقَعَ بَعْضُ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ فِي دَاخِلِ ذَلِكَ الْجِرْمِ، وَبَعْضُهَا حَصَلَتْ عَلَى سَطْحِهَا، وَتِلْكَ الْأَجْزَاءُ مُتَسَاوِيَةٌ فِي الطَّبْعِ وَالْمَاهِيَّةِ وَالْحَقِيقَةِ، وَالْفَلَاسِفَةُ أَقَرُّوا لَنَا بِصِحَّةِ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ حَيْثُ قَالُوا إِنَّهَا بَسَائِطُ، وَيَمْتَنِعُ كَوْنُهَا مُرَكَّبَةً مِنْ أَجْزَاءَ مُخْتَلِفَةِ الطَّبَائِعِ.
وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: حُصُولُ بَعْضِهَا فِي الدَّاخِلِ، وَحُصُولُ بَعْضِهَا فِي الْخَارِجِ، أَمْرٌ مُمْكِنُ الْحُصُولِ جَائِزُ الثُّبُوتِ، يَجُوزُ أَنْ يَنْقَلِبَ الظَّاهِرُ بَاطِنًا، وَالْبَاطِنُ ظَاهِرًا وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ وَجَبَ افْتِقَارُ هَذِهِ الأجزاء حال
تَرْكِيبِهَا إِلَى مُدَبِّرٍ وَقَاهِرٍ، يُخَصَّصُ بَعْضُهَا بِالدَّاخِلِ وَبَعْضُهَا بِالْخَارِجِ فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الْأَفْلَاكَ مُفْتَقِرَةٌ فِي تَرْكِيبِهَا وَأَشْكَالِهَا وَصِفَاتِهَا إِلَى مُدَبِّرٍ قَدِيرٍ عَلِيمٍ حَكِيمٍ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: فِي الِاسْتِدْلَالِ بِصِفَاتِ الْأَفْلَاكِ عَلَى وُجُودِ الْإِلَهِ الْقَادِرِ أَنْ نَقُولَ: حَرَكَاتُ هَذِهِ الْأَفْلَاكِ لَهَا بِدَايَةٌ، وَمَتَى كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ افْتَقَرَتْ هَذِهِ الْأَفْلَاكُ فِي حَرَكَاتِهَا إِلَى مُحَرِّكٍ وَمُدَبِّرٍ قَاهِرٍ.
أَمَّا الْمَقَامُ الْأَوَّلُ: فَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّتِهِ أَنَّ الْحَرَكَةَ عِبَارَةٌ عَنِ التَّغَيُّرِ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَهَذِهِ الْمَاهِيَّةُ تَقْتَضِي الْمَسْبُوقِيَّةَ بِالْحَالَةِ الْمُنْتَقَلِ عَنْهَا، وَالْأَزَلُ يُنَافِي الْمَسْبُوقِيَّةَ بِالْغَيْرِ، فَكَانَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَرَكَةِ/ وَبَيْنَ الْأَزَلِ مُحَالًا، فَثَبَتَ أَنَّ لِحَرَكَاتِ الْأَفْلَاكِ أَوَّلًا، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا وَجَبَ أَنْ يُقَالَ: هَذِهِ الْأَجْرَامُ الْفَلَكِيَّةُ كَانَتْ مَعْدُومَةً فِي الْأَزَلِ وَإِنْ كَانَتْ مَوْجُودَةً، لَكِنَّهَا كَانَتْ وَاقِفَةً وَسَاكِنَةً وَمَا كَانَتْ مُتَحَرِّكَةً، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ: فَلِحَرَكَاتِهَا أَوَّلٌ وَبِدَايَةٌ.
وَأَمَّا الْمَقَامُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ وَجَبَ افْتِقَارُهَا إِلَى مُدَبِّرٍ قَاهِرٍ، فَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ ابْتِدَاءَ هَذِهِ الْأَجْرَامِ بِالْحَرَكَةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ دُونَ مَا قَبْلَهُ وَدُونَ مَا بَعْدَهُ، لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ لِتَخْصِيصِ مُخَصِّصٍ، وَتَرْجِيحِ مُرَجِّحٍ وَذَلِكَ الْمُرَجِّحُ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مُوجِبًا بِالذَّاتِ، وَإِلَّا لَحَصَلَتْ تِلْكَ الْحَرَكَةُ قَبْلَ ذَلِكَ الْوَقْتِ لِأَجْلِ أَنْ مُوجِبِ تِلْكَ الْحَرَكَةِ كَانَ حَاصِلًا قَبْلَ ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَلَمَّا بَطَلَ هَذَا، ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ الْمُرَجِّحَ قَادِرٌ مُخْتَارٌ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: فِي الِاسْتِدْلَالِ بِصِفَاتِ الْأَفْلَاكِ عَلَى وُجُودِ الْإِلَهِ الْمُخْتَارِ، وَهُوَ أَنَّ أَجْزَاءَ الْفَلَكِ حَاصِلَةٌ فِيهِ لَا فِي الْفَلَكِ الْآخَرِ، وَأَجْزَاءَ الْفَلَكِ الْآخَرِ حَاصِلَةٌ فِيهِ لَا فِي الْفَلَكِ الْأَوَّلِ فَاخْتِصَاصُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِتِلْكَ الْأَجْزَاءِ أَمْرٌ مُمْكِنٌ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُرَجِّحٍ، وَيَعُودُ التَّقْرِيرُ الْأَوَّلُ فِيهِ. فَهَذَا تَقْرِيرِ هَذَا الدَّلِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَفِي الْآيَةِ سُؤَالَاتٌ:
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: أَنَّ كَلِمَةَ (الَّذِي) كَلِمَةٌ وُضِعَتْ لِلْإِشَارَةِ إِلَى شَيْءٍ مُفْرَدٍ عِنْدَ مُحَاوَلَةِ تَعْرِيفِهِ بِقَضِيَّةٍ مَعْلُومَةٍ، كَمَّا إِذَا قِيلَ لَكَ مَنْ زَيْدٌ؟ فَتَقُولُ: الَّذِي أَبَوْهُ مُنْطَلِقٌ، فَهَذَا التَّعْرِيفُ إِنَّمَا يَحْسُنُ لَوْ كَانَ كَوْنُ أَبِيهِ مُنْطَلِقًا، أَمْرًا مَعْلُومًا عِنْدَ السَّامِعِ، فَهُنَا لَمَّا قَالَ: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ فَهَذَا إِنَّمَا يَحْسُنُ لَوْ كَانَ كَوْنُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى خَالِقًا للسموات وَالْأَرْضِ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، أَمْرًا مَعْلُومًا عِنْدَ السَّامِعِ، وَالْعَرَبُ مَا كَانُوا عَالِمِينَ بِذَلِكَ، فَكَيْفَ يَحْسُنُ هَذَا التَّعْرِيفُ؟
وَجَوَابُهُ أَنْ يُقَالَ: هَذَا الْكَلَامُ مَشْهُورٌ عِنْدَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، لِأَنَّهُ مَذْكُورٌ فِي أَوَّلِ مَا يَزْعُمُونَ أَنَّهُ هُوَ التَّوْرَاةُ وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ مَشْهُورًا عِنْدَهُمْ وَالْعَرَبُ كَانُوا يُخَالِطُونَهُمْ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ أَيْضًا سَمِعُوهُ مِنْهُمْ، فَلِهَذَا السَّبَبِ حَسُنَ هَذَا التَّعْرِيفُ.
السُّؤَالُ الثَّانِي: مَا الْفَائِدَةُ فِي بَيَانِ الْأَيَّامِ الَّتِي خَلَقَهَا اللَّهُ فِيهَا؟
وَالْجَوَابُ: أَنَّهُ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى خَلْقِ جَمِيعِ الْعَالَمِ فِي أَقَلَّ مِنْ لَمْحِ الْبَصَرِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْعَالَمَ مُرَكَّبٌ مِنَ الْأَجْزَاءِ الَّتِي لَا تَتَجَزَّى، وَالْجُزْءُ الَّذِي لَا يَتَجَزَّى لَا يُمْكِنُ إِيجَادُهُ إِلَّا دُفْعَةً، لِأَنَّا لَوْ فَرَضْنَا أَنَّ إِيجَادَهُ إِنَّمَا يَحْصُلُ فِي زَمَانٍ، فَذَلِكَ الزَّمَانُ مُنْقَسِمٌ لَا مَحَالَةَ مِنْ آنَاتٍ مُتَعَاقِبَةٍ، فَهَلْ حَصَلَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ الْإِيجَادِ فِي الْآنِ الْأَوَّلِ أَوْ لَمْ يَحْصُلْ، فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ شَيْءٌ فِي الْآنِ الْأَوَّلِ فَهُوَ خَارِجٌ عَنْ مُدَّةِ الْإِيجَادِ، وَإِنْ حَصَلَ في ذلك
الْآنِ إِيجَادُ شَيْءٍ وَحَصَلَ فِي الْآنِ الثَّانِي إِيجَادُ شَيْءٍ آخَرَ، فَهُمَا/ إِنْ كَانَا جُزْأَيْنِ مِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ الَّذِي لَا يَتَجَزَّى، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْجُزْءُ الَّذِي لَا يَتَجَزَّى مُتَجَزِّئًا وَهُوَ مُحَالٌ وَإِنْ كَانَ شَيْئًا آخَرَ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ إِيجَادُ الْجُزْءِ الَّذِي لَا يَتَجَزَّى لَا يُمْكِنُ إِلَّا فِي آنٍ وَاحِدٍ دُفْعَةً وَاحِدَةً، وَكَذَا الْقَوْلُ فِي إِيجَادِ جَمِيعِ الْأَجْزَاءِ فَثَبَتَ أَنَّهُ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى إِيجَادِ جَمِيعِ الْعَالَمِ دُفْعَةً وَاحِدَةً، وَلَا شَكَّ أَيْضًا أَنَّهُ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى إِيجَادِهِ وَتَكْوِينِهِ عَلَى التَّدْرِيجِ.
وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ هَاهُنَا مَذْهَبَانِ: الْأَوَّلُ: قَوْلُ أَصْحَابِنَا وهو أنه يحسن منه كلما أَرَادَ، وَلَا يُعَلَّلُ شَيْءٌ مِنْ أَفْعَالِهِ بِشَيْءٍ مِنَ الْحِكْمَةِ وَالْمَصَالِحِ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَسْقُطُ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: لِمَ خَلَقَ الْعَالَمَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا خَلَقَهُ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ؟ لِأَنَّا نَقُولُ كُلُّ شَيْءٍ صَنَعَهُ وَلَا عِلَّةَ لِصُنْعِهِ فَلَا يُعَلَّلُ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِهِ وَلَا شَيْءٌ مِنْ أَفْعَالِهِ بِعِلَّةٍ، فَسَقَطَ هَذَا السُّؤَالُ. الثَّانِي: قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ وَهُوَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ أَفْعَالُهُ تَعَالَى مُشْتَمِلَةً عَلَى الْمَصْلَحَةِ وَالْحِكْمَةِ فَعِنْدَ هَذَا قَالَ الْقَاضِي: لَا يَبْعُدُ أن يكون خلق الله تعالى السموات وَالْأَرْضِ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ الْمَخْصُوصَةِ، أَدْخَلَ فِي الِاعْتِبَارِ فِي حَقِّ بَعْضِ الْمُكَلَّفِينَ. ثُمَّ قَالَ الْقَاضِي:
فَإِنْ قِيلَ: فَمَنِ الْمُعْتَبَرُ وَمَا وَجْهُ الِاعْتِبَارِ؟ ثُمَّ أَجَابَ وَقَالَ: أَمَّا الْمُعْتَبَرُ فَهُوَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مُكَلَّفٍ أَوْ غَيْرِ مُكَلَّفٍ مِنَ الْحَيَوَانِ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَبْلَ خلقه للسموات وَالْأَرَضِينَ، أَوْ مَعَهُمَا، وَإِلَّا لَكَانَ خَلْقُهُمَا عَبَثًا.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا جَازَ أَنْ يَخْلُقَهُمَا لِأَجْلِ حَيَوَانٍ يَخْلُقُهُ مِنْ بَعْدُ؟! قُلْنَا: إِنَّهُ تَعَالَى لَا يَخَافُ الْفَوْتَ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَدِّمَ خَلْقَ مَا لَا يَنْتَفِعُ بِهِ أَحَدٌ، لِأَجْلِ حَيَوَانٍ سَيَحْدُثُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ مِنَّا ذَلِكَ فِي مُقَدَّمَاتِ الْأُمُورِ لِأَنَّا نَخْشَى الْفَوْتَ، وَنَخَافُ الْعَجْزَ وَالْقُصُورَ. قَالَ: وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَقَدَ صَحَّ مَا رُوِيَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ خلق الملائكة كان سابقا على خلق السموات وَالْأَرْضِ.
فَإِنْ قِيلَ: أُولَئِكَ الْمَلَائِكَةُ لَا بُدَّ لهم من مكان، فقبل خلق السموات وَالْأَرْضِ لَا مَكَانَ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ وُجُودُهُمْ بِلَا مَكَانٍ؟
قُلْنَا: الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى تَسْكِينِ الْعَرْشِ والسموات وَالْأَرْضِ فِي أَمْكِنَتِهَا كَيْفَ يَعْجَزُ عَنْ تَسْكِينِ أُولَئِكَ الْمَلَائِكَةِ فِي أَحْيَازِهَا بِقُدْرَتِهِ وَحِكْمَتِهِ؟ وَأَمَّا وَجْهُ الِاعْتِبَارِ فِي ذَلِكَ فَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا حَصَلَ هُنَاكَ مُعْتَبَرٌ، لَمْ يَمْتَنِعْ أَنْ يَكُونَ اعْتِبَارُهُ بِمَا يُشَاهِدُهُ حَالًا بَعْدَ حَالٍ أَقْوَى وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أَنَّ مَا يَحْدُثُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ صَادِرٌ مِنْ فَاعِلٍ حَكِيمٍ وَأَمَّا الْمَخْلُوقُ دُفْعَةً وَاحِدَةً فَإِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ.
وَالسُّؤَالُ الثَّالِثُ: فَهَلْ هَذِهِ الْأَيَّامُ كَأَيَّامِ الدُّنْيَا أَوْ كَمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّهَا سِتَّةُ أَيَّامٍ مِنْ أَيَّامِ الْآخِرَةِ كُلُّ يَوْمٍ مِنْهَا أَلْفُ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ؟
وَالْجَوَابُ: قَالَ الْقَاضِي: الظَّاهِرُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ تَعْرِيفٌ لِعِبَادِهِ مُدَّةَ خَلْقِهِ لَهُمَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَعْرِيفًا، إِلَّا وَالْمُدَّةُ هَذِهِ الْأَيَّامُ الْمَعْلُومَةُ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَمَّا وَقَعَ التَّعْرِيفُ بِالْأَيَّامِ الْمَذْكُورَةِ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، وَكَانَ الْمَذْكُورُ هُنَاكَ أَيَّامَ الْآخِرَةِ لَا أَيَّامَ الدُّنْيَا، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قَادِحًا فِي صِحَّةِ التَّعْرِيفِ.
السُّؤَالُ الرَّابِعُ: هَذِهِ الْأَيَّامُ إِنَّمَا تَتَقَدَّرُ بِحَسَبِ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا، وَهَذَا الْمَعْنَى مَفْقُودٌ قَبْلَ خَلْقِهَا، فَكَيْفَ يُعْقَلُ هذا التعريف؟
وَالْجَوَابُ التَّعْرِيفُ يَحْصُلُ بِمَا أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ حدوث السموات وَالْأَرْضِ فِي مُدَّةٍ، لَوْ حَصَلَ هُنَاكَ أَفْلَاكٌ دَائِرَةٌ وَشَمْسٌ وَقَمَرٌ، لَكَانَتْ تِلْكَ الْمُدَّةُ مُسَاوِيَةً لِسِتَّةِ أَيَّامٍ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: فَهَذَا يَقْتَضِي حُصُولَ مُدَّةٍ قَبْلَ خَلْقِ الْعَالَمِ، يَحْصُلُ فِيهَا حُدُوثُ الْعَالَمِ، وَذَلِكَ يُوجِبُ قِدَمَ الْمُدَّةِ.
وَجَوَابُهُ: أَنَّ تِلْكَ الْمُدَّةَ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ بَلْ هِيَ مَفْرُوضَةٌ مَوْهُومَةٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ تِلْكَ الْمُدَّةَ الْمُعَيَّنَةَ حَادِثَةٌ، وَحُدُوثُهَا لَا يَحْتَاجُ إِلَى مُدَّةٍ أُخْرَى، وَإِلَّا لَزِمَ إِثْبَاتُ أَزْمِنَةٍ لَا نِهَايَةَ لَهَا وَذَلِكَ مُحَالٌ، فَكُلُّ مَا يَقُولُونَ فِي حُدُوثِ الْمُدَّةِ فَنَحْنُ نَقُولُهُ فِي حُدُوثِ الْعَالَمِ.
السُّؤَالُ الْخَامِسُ: أَنَّ الْيَوْمَ قَدْ يُرَادُ بِهِ الْيَوْمُ مَعَ لَيْلَتِهِ، وَقَدْ يُرَادُ بِهِ النَّهَارُ وَحْدَهُ فَالْمُرَادُ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَيُّهُمَا.
وَالْجَوَابُ: الْغَالِبُ فِي اللُّغَةِ أَنَّهُ يُرَادُ بِالْيَوْمِ الْيَوْمُ بِلَيْلَتِهِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَمَّا قَوْلُهُ: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ فَفِيهِ مَبَاحِثُ: الْأَوَّلُ: أَنَّ هَذَا يُوهِمُ كَوْنَهُ تَعَالَى مُسْتَقِرًّا عَلَى الْعَرْشِ وَالْكَلَامُ الْمُسْتَقْصَى فِيهِ مَذْكُورٌ فِي أَوَّلِ سُورَةِ طه، وَلَكِنَّا نكتفي هاهنا بِعِبَارَةٍ وَجِيزَةٍ فَنَقُولُ:
هَذِهِ الْآيَةُ لَا يُمْكِنُ حَمْلُهَا عَلَى ظَاهِرِهَا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الِاسْتِوَاءَ عَلَى الْعَرْشِ مَعْنَاهُ كَوْنُهُ مُعْتَمِدًا عَلَيْهِ مُسْتَقِرًّا عَلَيْهِ، بِحَيْثُ لَوْلَا الْعَرْشُ لَسَقَطَ وَنَزَلَ، كَمَا أَنَّا إِذَا قُلْنَا إِنَّ فُلَانًا مُسْتَوٍ عَلَى سَرِيرِهِ فَإِنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ هَذَا هَذَا الْمَعْنَى إِلَّا أَنَّ إِثْبَاتَ هَذَا الْمَعْنَى يَقْتَضِي كَوْنَهُ مُحْتَاجًا إِلَى الْعَرْشِ، وَأَنَّهُ لَوْلَا الْعَرْشُ لَسَقَطَ وَنَزَلَ، وَذَلِكَ مُحَالٌ، لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَطْبَقُوا عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْمُمْسِكُ لِلْعَرْشِ وَالْحَافِظُ لَهُ، وَلَا يَقُولُ أَحَدٌ أَنَّ الْعَرْشَ هُوَ الْمُمْسِكُ لِلَّهِ تَعَالَى وَالْحَافِظُ لَهُ. وَالثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ مَا كَانَ مُسْتَوِيًا عَلَيْهِ، / وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى يَتَغَيَّرُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَكُلُّ مَنْ كَانَ مُتَغَيِّرًا كَانَ مُحْدَثًا، وَذَلِكَ بِالِاتِّفَاقِ بَاطِلٌ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَمَّا حَدَثَ الِاسْتِوَاءُ فِي هَذَا الْوَقْتِ، فَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ تَعَالَى كَانَ قَبْلَ هَذَا الْوَقْتِ مُضْطَرِبًا مُتَحَرِّكًا، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ الْمُحْدَثَاتِ. الرَّابِعُ: أَنَّ ظَاهِرَ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ بعد أن خلق السموات وَالْأَرْضَ لِأَنَّ كَلِمَةَ (ثَّمَ) تَقْتَضِي التَّرَاخِيَ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى كَانَ قَبْلَ خَلْقِ الْعَرْشِ غَنِيًّا عَنِ الْعَرْشِ، فَإِذَا خَلَقَ الْعَرْشَ امْتَنَعَ أَنْ تَنْقَلِبَ حَقِيقَتُهُ وَذَاتُهُ مِنْ الِاسْتِغْنَاءِ إِلَى الْحَاجَةِ فَوَجَبَ أَنْ يَبْقَى بَعْدَ خَلْقِ الْعَرْشِ غَنِيًّا عَنِ الْعَرْشِ، وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ مُسْتَقِرًّا عَلَى الْعَرْشِ فَثَبَتَ بِهَذِهِ الْوُجُوهِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَا يُمْكِنُ حَمْلُهَا عَلَى ظَاهِرِهَا بِالِاتِّفَاقِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ الِاسْتِدْلَالُ بِهَا فِي إِثْبَاتِ الْمَكَانِ وَالْجِهَةِ لِلَّهِ تَعَالَى.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أن فوق السموات جِسْمًا عَظِيمًا هُوَ الْعَرْشُ.
إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: الْعَرْشُ الْمَذْكُورُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ هَلِ الْمُرَادُ مِنْهُ ذَلِكَ الْعَرْشُ أَوْ غَيْرُهُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ:
الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ أَبُو مُسْلِمٍ الْأَصْفَهَانِيُّ، أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ ذَلِكَ، بَلِ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ أنه لما خلق السموات وَالْأَرْضَ سَطَحَهَا وَرَفَعَ سَمْكَهَا، فَإِنَّ كُلَّ بِنَاءٍ فَإِنَّهُ يُسَمَّى عَرْشًا، وَبَانِيهِ يُسَمَّى عَارِشًا، قَالَ تَعَالَى: وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ [النَّحْلِ: ٦٨] أَيْ يَبْنُونَ، وَقَالَ فِي صِفَةِ الْقَرْيَةِ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها [الْحَجِّ: ٤٥] وَالْمُرَادُ أَنَّ تِلْكَ الْقَرْيَةَ خَلَتْ مِنْهُمْ مَعَ سَلَامَةِ بِنَائِهَا وَقِيَامِ سُقُوفِهَا، وَقَالَ: وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ [هُودٍ: ٧] أَيْ بِنَاؤُهُ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ أَعْجَبُ فِي الْقُدْرَةِ، فَالْبَانِي
يَبْنِي الْبِنَاءَ مُتَبَاعِدًا عَنِ الْمَاءِ عَلَى الْأَرْضِ الصلبة لئلا ينهدم، والله تعالى بنى السموات وَالْأَرْضَ عَلَى الْمَاءِ لِيَعْرِفَ الْعُقَلَاءُ قُدْرَتَهُ وَكَمَالَ جَلَالَتِهِ، وَالِاسْتِوَاءُ عَلَى الْعَرْشِ هُوَ الِاسْتِعْلَاءُ عَلَيْهِ بِالْقَهْرِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى:
وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ [الزُّخْرُفِ: ١٢، ١٣] قَالَ أَبُو مُسْلِمٍ: فَثَبَتَ أَنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فَنَقُولُ: وَجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى الْعَرْشِ الَّذِي فِي السَّمَاءِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ هُوَ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ تَعَالَى، يَجِبُ أَنْ يَحْصُلَ بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ مُشَاهَدٍ، وَالْعَرْشُ الَّذِي في السماء ليس كذلك، وأما أجرام السموات وَالْأَرَضِينَ فَهِيَ مُشَاهَدَةٌ مَحْسُوسَةٌ، فَكَانَ الِاسْتِدْلَالُ بِأَحْوَالِهَا عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ الْحَكِيمِ جَائِزًا صَوَابًا حَسَنًا. ثُمَّ قَالَ: وَمِمَّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ إِشَارَةٌ إِلَى تَخْلِيقِ ذَوَاتِهَا، وَقَوْلَهُ: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يَكُونُ إِشَارَةً إِلَى تَسْطِيحِهَا وَتَشْكِيلِهَا بِالْأَشْكَالِ الْمُوَافِقَةِ لِمَصَالِحِهَا، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ تَصِيرُ هَذِهِ الْآيَةُ مُوَافِقَةً لِقَوْلِهِ/ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها [النَّازِعَاتِ:
٢٧، ٢٨] فَذَكَرَ أَوَّلًا أَنَّهُ بَنَاهَا، ثُمَّ ذَكَرَ ثَانِيًا أَنَّهُ رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَكَذَلِكَ هَاهُنَا ذَكَرَ بِقَوْلِهِ: خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنَّهُ خَلَقَ ذَوَاتِهَا ثُمَّ ذَكَرَ بِقَوْلِهِ: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ أَنَّهُ قَصَدَ إِلَى تَعْرِيشِهَا وَتَسْطِيحِهَا وَتَشْكِيلِهَا بِالْأَشْكَالِ الْمُوَافِقَةِ لَهَا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ الْقَوْلُ الْمَشْهُورُ لِجُمْهُورِ الْمُفَسِّرِينَ: أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْعَرْشِ الْمَذْكُورِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ:
الْجِسْمُ الْعَظِيمُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ، وَهَؤُلَاءِ قَالُوا إِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ تَعَالَى خَلَقَ الْعَرْشَ بعد خلق السموات وَالْأَرَضِينَ بِدَلِيلِ أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ [هُودٍ: ٧] وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَكْوِينَ الْعَرْشِ سَابِقٌ عَلَى تخليق السموات وَالْأَرَضِينَ بَلْ يَجِبُ تَفْسِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ بِوُجُوهٍ أُخَرَ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ: ثُمَّ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ وَهُوَ مُسْتَوٍ عَلَى الْعَرْشِ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْعَرْشِ الْمُلْكُ، يُقَالُ فُلَانٌ وَلِيَ عَرْشَهُ أَيْ مُلْكَهُ فَقَوْلُهُ: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الْمُرَادُ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا خَلَقَ السموات وَالْأَرْضَ وَاسْتَدَارَتِ الْأَفْلَاكُ وَالْكَوَاكِبُ، وَجَعَلَ بِسَبَبِ دَوَرَانِهَا الْفُصُولَ الْأَرْبَعَةَ وَالْأَحْوَالَ الْمُخْتَلِفَةَ مِنَ الْمَعَادِنِ وَالنَّبَاتِ وَالْحَيَوَانَاتِ، فَفِي هَذَا الْوَقْتِ قَدْ حَصَلَ وُجُودُ هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتِ وَالْكَائِنَاتِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعَرْشَ عِبَارَةٌ عَنِ الْمُلْكِ، وَمُلْكُ اللَّهِ تَعَالَى عِبَارَةٌ عَنْ وُجُودِ مَخْلُوقَاتِهِ، وَوُجُودُ مَخْلُوقَاتِهِ إِنَّمَا حَصَلَ بَعْدَ تخليق السموات وَالْأَرْضِ، لَا جَرَمَ صَحَّ إِدْخَالُ حَرْفِ (ثَّمَ) الَّذِي يُفِيدُ التَّرَاخِيَ عَلَى الِاسْتِوَاءِ عَلَى الْعَرْشِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: أَمَّا قَوْلُهُ: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَقْضِي وَيُقَدِّرُ عَلَى حَسَبِ مُقْتَضَى الْحِكْمَةِ وَيَفْعَلُ مَا يَفْعَلُهُ الْمُصِيبُ فِي أَفْعَالِهِ، النَّاظِرُ فِي أَدْبَارِ الْأُمُورِ وَعَوَاقِبِهَا، كَيْ لَا يَدْخُلَ فِي الْوُجُودِ مَا لَا يَنْبَغِي. وَالْمُرَادُ مِنْ الْأَمْرَ الشَّأْنُ يَعْنِي يُدَبِّرُ أحوال الخلق وأحوال ملكوت السموات وَالْأَرْضِ.
فَإِنْ قِيلَ: مَا مَوْقِعُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ؟
قلنا: قد دل بكونه خالقا للسموات وَالْأَرْضِ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَبِكَوْنِهِ مُسْتَوِيًا عَلَى الْعَرْشِ، عَلَى نِهَايَةِ الْعَظَمَةِ وَغَايَةِ الْجَلَالَةِ ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْدُثُ فِي الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ وَلَا فِي الْعَالَمِ السُّفْلِيِّ أَمْرٌ مِنَ الْأُمُورِ وَلَا حَادِثٌ مِنَ الْحَوَادِثِ، إِلَّا بِتَقْدِيرِهِ وَتَدْبِيرِهِ وَقَضَائِهِ وَحُكْمِهِ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى نِهَايَةِ الْقُدْرَةِ
مفاتيح الغيب
أبو عبد الله محمد بن عمر (خطيب الري) بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي