ﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆ

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك :
ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين( ٤٠ ) :
والكلام هنا في الذين كذبوا، فكيف يقسم الله المكذبين-وهم بتكذيبهم لا يؤمنون- إلى قسمين : قسم يؤمن، وقسم لا يؤمن ؟
ونحن نعلم أن الإيمان عمل قلوب، لا عمل حواس، فنحن لا نطلع على القلوب، والحق سبحانه يعلم من من هؤلاء المكذبين يخفي إيمانه في قلبه.
إذن : فمن هؤلاء من يقول بالتكذيب بلسانه ويخفي الإيمان في قلبه، ومنهم من يوافق تكذيبه بلسانه فراغ قلبه من الإيمان، ومن الذين قالوا : إن هذا القرآن افتراء إنما يؤمن بقلبه أن محمدا رسول من الله، وصادق في البلاغ عن الله، ولكن العناد والمكابرة والحقد يدفعونه إلى أن يعلن عدم الإيمان. وكذلك منهم قسم آخر لا يؤمن ويعلن ذلك.
إذن : فالمسقم ليس هو الإيمان الصادر عن القلب والمعبر عنه باللسان، ولكن المقسم هو إيمان بالقلب غير معبر عنه، ولم يصل إلى مرتبة الإقرار باللسان. والذي جعل إيمان بعضهم محصورا في القلب غير معبر عنه باللسان وهو الحقد والحسد والكراهية وعدم القدرة على حكم النفس على مطلوب المنهج.
وبعض العرب حين أعلن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقولوا : لا إله إلا الله ؛ فيضمن لهم السيادة على الدنيا كلها( (١) ). ورفضوا أن يقولوا الكلمة ؛ لأنهم يعلمون أنها ليست كلمة تقال، بل فهموا مضمون ومطلوب الكلمة، وعرفوا أن " لا إله إلا الله " تعني : المساواة بين البشر، وهم يكرهون ألا تكون لهم السيادة والسيطرة في أقوامهم.
وهذا يدل أيضا على أن الحق سبحانه قد شاء أن يبدأ الإسلام في مكة، حيث الأمة التي تعلن رأيها واضحا ؛ ولذلك نجد أن النفاق لم ينشأ إلا في " المدينة "، أما في مكة، فهم قوم منسجمون مع أنفسهم، فهم حين أعلنوا الكفر، ولم يعانوا من تشتت الملكات، لكن المنافقين في المدينة وغيرها هم الذين كانوا يعانون من تشتت الملكات، ومنهم من كان يلعب على الطرفين، فيقول بلسانه ما ليس في قلبه.
ولذلك يعزي الحق رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم ويسري( (٢) ) عنه ويبين له : إياك أن تحزن لأنهم يكذبونك ؛ لأنك محبوب عندهم وموقر، فيقول الحق سبحانه قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك.. ( ٣٣ ) [ الأنعام ] : أي : أنك يا محمد منزه عن الكذب ؟
ويقول الحق سبحانه : ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون( (٣) ).. ( ٣٣ ) [ الأنعام ]. أي : أنه سبحانه يحملها عن رسوله صلى الله عليه وسلم ؛ لأن الحق سبحانه يعلم أن رسوله أمين عند قومه، وهم في أثناء معركتهم معه، نجد الواحد منهم يستأمنه على أشيائه النفيسة( (٤) ).
والذين آمنوا برسالته صلى الله عليه وسلم ولم يعلنوا إيمانهم، والذين لم يؤمنوا، هؤلاء وأولئك أمرهم موكول إلى الله تعالى ؛ ليلقوا حسابهم عند الخالق سبحانه ؛ لأنه سبحانه الأعلم بمن كذب عنادا، ومن كذب إنكارا.
والحق سبحانه هو الذي يعذب ويعاقب، وكل إنسان منهم سوف يأخذ على قدر منزلته من الفساد ؛ لذلك ينهي الحق سبحانه الآية بقوله : وربك أعلم بالمفسدين.. ( ٤٠ ) [ يونس ] : والمفسد كما نعلم هو الذي يأتي إلى الشيء الصالح فيصيبه بالعطب( (٥) ) ؛ لأن العالم مخلوق قبل تدخل الإنسان-على هيئة صالحة، وصنعة الله سبحانه وتعالى-لم يدخل فيها الفساد إلا بفعل الإنسان المختار، وصنعة الله يؤدي مهمتها كما ينبغي لها.
وأنت أيها الإنسان إن أردت أن يستقيم لك كل أمر في الوجود، فانظر إلى الكون الأعلى الذي لا دخل لك فيه، وستجد كل ما فيه مستقيما مصدقا لقول الحق سبحانه : والسماء رفعها ووضع الميزان( ٧ ) ألا تطغوا في الميزان( ٨ ) وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان( (٦) ) ( ٩ ) [ الرحمن ] : أي : أتقنوا أداء مسئولية ما في أيديكم وأحسنوه كما أحسن الله سبحانه ما خلق لكم بعيدا عن أياديكم، والمطلوب من الإنسان-إذن-أن يترك الصالح على صلاحه، إن لم يستطع أن يزيده صلاحا ؛ حتى لا يدخل في دائرة المفسدين.

١ فقد قال له عمه أبو طالب: يا ابن أخي ما تريد من قومك؟ قال: إني أريد منهم كلمة واحدة تدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم العجم الجزية. قال: كلمة واحدة؟ قال : كلمة واحدة. قال: " يا عم يقولوا: لا إله إلا الله" أخرجه احمد في مسنده (١/٢٢٧) والترمذي في سننه (٣٢٣٢) وقال حديث حسن..
٢ يسري عنه: يكشف عنه الهم والحزن.[اللسان: مادة (سرى)]..
٣ الجحود: نقيض الإقرار، قال الجوهري: الجحود الإنكار مع العلم. قال تعالى:وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا..(١٤)[النمل] [اللسان: مادة (جحد)]..
٤ ذكره ابن هشام في السيرة النبوية (٢/٤٨٥) نقلا عن ابن إسحاق ثم قال:"وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بمكة أحد عنده شيء يخشى عليه إلا وضعه عنده، لما يعلم من صدقه وأمانته صلى الله عليه وسلم"..
٥ العطب: الفساد والهلاك..
٦ تطغوا: من الطغيان، بمعنى الظلم، أي: اعدلوا في جميع أموركم وزنوا الأمور والأشياء بميزان العدل، ولا يظلم بعضكم بعضا. والقسط: العدل.[اللسان: مادة (قسط).. بتصرف]..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير